Menu
29° C
صافية
صافية
%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%8a%d8%af-%d8%af-%d8%a7%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%ad%d8%b7%d9%8a%d8%b7

الغزو التّركي لعفرين السّورية..الأهداف والمصير

العميد د. أمين محمد حطيط

في الأشهر الأولى لانطلاق العدوان الأجنبي على سورية ظهر واضحاً أن تركيا شكّلت رأس الحربة في العدوان، حتى كاد المرء يظنّ أنّ العدوان هو تركي في جوهره وبمساعدة آخرين، ولكن هذا العدوان بموجته او مرحلته الأولى ذات الطبيعة الإخوانية العثمانية فشل بشكل ذريع ووجدت تركيا نفسها في ظرف يفرض عليها الانكفاء وخفض مستوى الطموح والآمال من العدوان على سورية.

وفي موجة العدوان الجديدة، ومع تراجع سقف الأهداف التركية سعت إدارة اردوغان الى إقامة ما أسمته المنطقة الآمنة في الشمال السوري وبإدارتها وتحت سيطرة جنودها متكئين على عملاء محليين، وخططت لإقامة هذه المنطقة بعرض 120 كلم وعمق يتراوح بين 70 الى 90 كلم وأن تكون مدينة حلب عاصمة لها تقيم فيها الدمية المسمّاة حكومة. لكن سورية كما أجهضت العدوان التركي الأول أفشلت الخطة التركية الثانية ووجّهت ضربة قاصمة للطموحات التركية تمثلت بتحرير حلب، حيث دفن الحلم الأردوغاني في شوارعها، وأطاحت بما كانت تحلم به تركيا من ممرات آمنة او مناطق حظر جوي الى آخر السلسلة من الطروحات العدوانية.

نتيجة هذه الهزائم دخلت تركيا في حال من الإحباط، وهو وضع استغله الطرف الروسي فمدّ اليد إلى تركيا ليجعلها طرفاً في مثلث رعاية العملية السياسية التي أطلقتها في أستانة بعد انتصار سورية في حلب، وقد رمت روسيا من فعلها أن تجذب تركيا الى جهود وقف العنف وفتح الطريق الى السلام على الأرض السورية بما يحفظ وحدة سورية وحريتها واستقلالها وسيادتها.

ورغم الطبيعة التركية الأردوغانية قائمة على الغدر والانقلاب على الالتزامات فقد ظن رعاة أستانة من الروس والإيرانيين بأن ظروف تركيا القائمة ستجبرها على السلوك السليم والصحيح خدمة للأهداف المبتغاة من عملية أستانة، وبهذه الثقة أوكل الى تركيا امر إعادة الامن والاستقرار الى منطقة إدلب وأريافها ومحيطها. وهي منطقة حشر او تحشد فيها أكثر من 40 ألف إرهابي ألقيت كتلهم فيها نتيجة المصالحات في الداخل السوري أو نتيجة الهرب من المناطق التي طهرها الجيش العربي السوري بالنار، أو مَن كانوا أصلاً فيها نتيجة العدوان على المراكز العسكرية والحليفة والسيطرة عليها خاصة في العامين 2014 و2015.

لقد كان مؤملاً من تركيا أن تسير في إدلب بمقتضى مخرجات أستانة، أن تمارس مهمتها على خطين: خط تفكيك المجموعات الإرهابية وحمل مَن يرضى منها على إلقاء السلاح والالتحاق بالعملية السلمية وفتح الطريق أمام القوات الشرعية السورية لإعادة الأمن الشرعي للمنطقة، وخطّ عسكري يتضمن مواجهة المجموعات المصنفة إرهابية عبر دعم مَن يناهضها لإخراجها وتطهير المنطقة منها.

بيد أن تركيا الأردوغانية الممتهنة الغدر والانقلاب على التفاهمات نزلت إلى الميدان الإدلبي بمشروع خاص فيها يشتمل على رعاية الإرهاب وبشكل خاص جبهة النصرة وتنظيمات التركمان التي أنشاتها للاستثمار فيها واتخاذه أداة لفرض التأثير التركي في أيّ حل سياسي، كما وإقامة منطقة نفوذ خاص بها تجعلها تحت سيطرتها المباشرة بعيداً عن السلطة السورية صاحبة السيادة وتشكل لها جائزة ترضية تعوّضها عن فشل مشروعها بالسيطرة على سورية كاملة.

لم يفاجئ الموقف التركي الحكومة السورية، وهي التي رفضت القبول بتركيا على أرضها وبأي حجم عسكري وبأي صيغة، كانت ولم تثق سورية يوماً بان الأرض السورية يمكن أن تعاد إلى الشرعية بيد تركية، ولهذا وضعت القيادة السورية مع الحلفاء خطة تحرير إدلب ومنطقتها بالقوة العسكرية التي تملكها والتي بات لديها فائض منها بعد إنجاز تطهير المنطقة الوسطى من الحدود مع العراق وكامل المنطقة من تدمر الى البادية.

كانت تركيا تظنّ أنها ستخدع سورية في سلوكها بإدلب، وأنه سيكون لديها الوقت الكافي لتنفيذ مشروعها بهدوء وفرض أمر واقع على سورية وحلفائها، لكن الظن التركي خاب وفشل، بعد أن اطلقت سورية المرحلة الأولى من معركة تحرير إدلب وحققت الإنجاز العسكري والاستراتيجي العام المتمثل بالوصول الى مطار أبو الضهور ثاني أكبر قاعدة عسكرية في الشمال السوري، ومحاصرة الإرهابيين من داعش في منطقة لا تتجاوز الى 900 كلم2 وحرمانهم من القدرات التي تمكّنهم من الهجوم أو الفرار وفرضت عليهم الموت أو الاستسلام، كما ودحرت جبهة النصرة عن أكثر من 250 موقعاً ومنطقة وقاعدة ما جعل وضعها العسكري هشاً مترنحاً لا يمكن الرهان عليه في أي عمل هجومي مضمون أو عمل دفاعي مأمون.

هذا الواقع الميداني فاجأ تركيا، وعطفته على واقع سياسي يتمثل في قرب انعقاد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي بعد أسبوع، ومستفيدة من رغبة أميركية بإعطائها جائزة ترضية لضمان سكوتها عن دعم أميركا للانفصاليين الأكراد في الشمال الشرقي السوري، هذه الأسباب مضافة إلى الرغبة التركية الدائمة بالعدوان على سورية وفرض السيطرة عليها كلياً أو جزئياً، كل ذلك اتخذته تركيا سبباً لعدوانها على سورية من بوابة عفرين، عدواناً أطلقته تحت تسمية «غصن الزيتون» ولتوحي بأنها بعملها تريد السلام ولا تريد العدوان والقتل كما هو حالها الحقيقي. ولهذا أعلنت أن العملية تهدف لمحاربة الإرهاب الكردي وإبعاده عن الحدود التركية.

في ظل هذه الظروف ومتكئة على هذه الأسباب والذرائع بدأت تركيا بتنفيذ غزوها لعفرين، وحاولت أن تحشد له التأييد وتتجنّب الاستفزاز فادعت أولاً أنها أبلغت روسيا وإيران به وزعمت أنها أبلغت سورية خطياً عبر قنصليتها لديها. وهو أمر نفته سورية وسكتت عنه روسيا من دون تأكيد أو نفي، أما إيران فقد كانت واضحة في رفض العملية التركية والدعوة إلى احترام سيادة سورية على أرضها.

أما على المقلب الآخر فقد سارعت بريطانيا للتفهّم والتأييد وكان ذلك مؤشراً واضحا للدور الأميركي في إعطاء الضوء الأخضر لتركيا في عدوانها، ولم تتأخر أميركا عن الإعلان عن هذا التفهم. وكانت الفضيحة في مجلس الأمن الذي انعقد من أجل مناقشة غزوة عفرين وانفضّ من دون موقف أو بيان أو حتى حرف واحد، ونعلم أن مجلس الأمن من حيث العدد خاضع للقرار الأميركي ولا يملك الطرف الآخر إلا قدرة ممارسة حق الفيتو أي يعطّل ولا يقرّر.

اذن يمكن القول بأن الغزوة التركية لعفرين تتمتّع بغطاء القوى التي شنّت العدوان على سورية منذ سبع سنوات، وبعد انطلاقها نسأل عن مصير هذا العدوان.

في البدء نشير إلى أن هذه الغزوة تصبّ في المصلحة الأميركية وخطة أميركا المتمثلة بإطالة أمد الصراع والتهيئة لفرض مشروع تقسيمي مقنّع أو غير مباشر يمنع سورية من استعادة الاستقرار ووحدة الأرض، وكما استعملت الأكراد في «قسد» في الجزء الشرقي من الحدود مع تركيا، فإنها تستفيد من الغزو التركي في الجزء الغربي منها.

ثم إن هذه الغزوة ستلقي بظلالها على مؤتمر سوتشي وستؤثر بمواقف بعض الأطراف فيه، وأخيراً تظنّ تركيا بأن هذه الغزوة ستقطع الطريق على الجيش العربي من الوصول إلى الحدود التركية في المرحلة الثالثة من معركة إدلب التي بدأها. ولكن هل تحقق تركيا أهداف غزوتها؟

فبل الإجابة لا بد من التوقف عند التخبط التركي في تبرير الغزوة وتحديد أهدافها، حيث قالت أولاً بأنها لدفع خطر الأرهاب عنها، ثم زعمت أنها تريد إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كلم، ثم تقول إنها تريد السيطرة على المنطقة بشكل دائم لاعتبارات أمنية واستراتيجية، وأخيراً زعم أردوغان بأن غزوة عفرين والمنطقة الآمنة حولها تهدف لإعادة 3 ملايين نازح سوري موجودين في تركيا طبعاً الرقم غير صحيح ولكن تركيا تنسى أو تتناسى، كما يبدو أن سورية شعباً وجيشاً وقيادة لن يقروا لها بهذا الاحتلال ولن يدعوها تستقر في الأرض السورية.

وصحيح، أن سلوك بعض الأكراد ا وارتماءهم بالحضن الأميركي ضد دولتهم أعطى الذريعة لتركيا لتنفيذ غزوتها حيث اتخذتهم سبباً مباشراً لعدوانها، إذ جعلت من العدوان عملاً دفاعياً مشروعاً ضد إرهاب يتهدّد أمنها، إلا أن غالبية الشعب السوري مع الجيش والحكومة قادرون على مواجهة العدوان التركي. وهي مواجهة نراها ستكون على مرحلتين تبدأ الأولى بالعمل السياسي والقانوني وقد بدأته سورية، وتنتهي الثانية بالعمل الميداني العسكري ولا نعتقد أن سورية ستتأخر بالتحضير له وإطلاقه.

فإذا لم تستجب تركيا لمقتضيات مرحلة المواجهة السياسية، وتوقف عدوانها وتعود إلى موقعها في منظومة الرعاية لأستانة، فإنها ستجد نفسها في موقع العدو المحتل أرض سورية، وعندها ستواجه كما يقتضي وضع العداء وعندها ستكون خسارتها أكثر مما تتوقّع.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

“البناء”

م/ح