Ultimate magazine theme for WordPress.

ما هي المعطيات القانونية والعسكرية التي تحكم تحرير الجليل: بطولةٌ أم شَرَك؟

63

نبيل المقدم*

في لقاء مع ديبلوماسي غربي متقاعد سبق وان عمل في بيروت طرح الديبلوماسي المذكور جملة معلومات استقاها من الداخل الاسرائيلي عن الخطة التي تعدها اسرائيل لحربها القادمة مع لبنان وهذه الخطة مستوحاة من الحرب التي جرت بين هنبيعل والقائد الروماني سيبيو (Scipio) والذي استطاع ان يهزم هنبيعل ليس بمعارك المواجهة بل بخطة ذكية ومبتكرة ماهي هذه الخطة  هذه ابرز نقاطها وتفاصيلها.

%d8%ae%d8%b1%d9%8a%d8%b7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%84%d9%89

لا يستغرب أحد إن جعلت إسرائيل غيرها يدفع ثمن تنفيذ أهدافها التوسعية في المنطقة. ولائحة الحالات التي نجحت فيها كثيرة، ليس أقلّها وعد بلفور والإنتداب البريطاني على فلسطين وحرب السويس واحتلال العراق و”الحروب الأهلية” في ليبيا وسوريا واليمن والعراق. في كلّ هذه الحالات، كانت الحركة الصهيونية بحاجة أن تخطو خطوة إضافية باتجاه أهدافها الكبرى. كانت طريقتها لذلك أن تطلب من دولٍ غربية معينة القيام بالمهمة مثل احتلال العراق أو المشاركة بها (مثل معركة السويس عام 1956). والسؤال الذي لا بدّ طرحه هو: ماذا يمكن أن تخطط له إسرائيل حتى تُقنع بعضَ أو كل دول حلف شمال الأطلسي بعملية عسكرية للإجهاز على حزب الله أو للمشاركة فيها؟

لقد صرّح قادة حزب الله أنّ الإعتداء الإسرائيلي المقبل على لبنان قد يؤدي الى الطلب من مقاتليه السيطرة على الجليل.. لقد هدد الحزبُ العدوَّ الصهيوني بعدد من إمكانيات الهجوم، إلا أنّ لتحرير الجليل أهمية خاصة. فإسرائيل قد وقّعت معاهدات ثنائية مع عدد من دول حلف شمال الأطلسي، تلتزم فيها هذه الدول بالدفاع عن إسرائيل في حالة “دخولها في حالة الدفاع عن النفس”. ومهما بررت إسرائيل حروبها الإحترازية السابقة على “أعدائها الكثيرين” في الدول المحيطة بها، فإنها لم تَرْقَ إلى مستوى الدفاع عن “أراضي إسرائيل” (أي الأراضي التي قد يحتلّها حزب الله، “التنظيم الإرهابي”).

والسؤال الذي طَرَحَتْه بالتأكيد قيادة الأركان الإسرائيلية هو: هل بالإمكان توريط الدول المتعاقدة والمتعاهدة معها (خاصة الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) في حرب لتصفية حزب الله؟ لا شك أنّ الفكرة شديدة الإغراء. فتحرير الجليل، وإن كان مٌكلِفاً، فهو “مؤقت”، وهو يسمح في الوقت ذاته بتوريط دول غربية كبيرة في الدفاع عن مصالح إسرائيل وتنفيذ خططها.

إنَّ تصفية الحزب تكاد تعني تصفية نفوذ إيران في كل المنطقة. سوف تخرج منها هذه الدول رابحة. إلا أنّ الذي سوف يربح هو أيضاً “التحالف السني”، أو :”تحالف الدول المعتدلة”  (كما تسمّيه إسرائيل) في المنطقة. وسوف تُقنع إسرائيل المملكةَ السعودية بدعم مثل هذه العملية. أين ستقف مصر من هذه المسألة؟ يكفي إحراجُها بما فيه الكفاية حتى تنزل منزلتها درجة أخرى في الساحة العربية. إن توريط الغرب بعملية تصفية حزب الله مسألة لها إغراؤها الشديد في المنظار الإسرائيلي.

يبقى أن تجد إسرائيل طريقةً لِتُجبر فيها حزب الله على “الإعتداء” على إسرائيل ومحاولة تحرير الجليل. وعليها أن تفعل ذلك دون أن يتعدّى منسوب الخراب في الداخل الإسرائيلي درجة معينة. كيف تفعل ذلك؟

هناك أجوبة أوّلية يجب تسجيلها قبل إحالة الملف إلى هيئة الأركان (والتي سوف تحوّله إلى خطة عسكرية مع توقيت العمليات وتحديد الأهداف التفصيلية).

يجب استفزاز الحزب بالمزيد من التأزيم السياسي. (مثلاً تصعيد مذهبي سني شيعي، ثم قصف مواقع لحزب الله في سوريا من الأجواء اللبنانية، ثم التحرش بقافلة عسكرية قادمة من سوريا إلى لبنان، ثم التحرش بقوة عسكرية لحزب الله داخل لبنان، أو أي تسلسلٌ قد يشتمل على الإغتيالات أو ضرب باخرة متوجهة إلى أحد موانئ لبنان). الإستفزاز عملية ترفع من مستوى التوتر دون أن تكون كلفتها عالية على أحد. فقط التهويل الإعلامي، الإقليمي والعالمي، هو الذي سوف يضفي عليها أهمية، وسوف يحرج الحزب لجرّه للتصعيد.

ثم يأتي دور الإمعان في استفزاز الحزب إلى الدرجة التي يقرر فيها تنفيذ تهديده بتحرير الجليل. وقد تشمل هذه المرحلة استفزاز الحزب عن طريق الإعتداء على أهدافٍ تثير حفيظة الناس وتستدعي ردّ حزب الله. إن ابتداء الإشتباكات عبر الحدود هو الذي يمكن أن يولّد النتيجة المطلوبة، أي استدعاء هجوم مضاد ومتوغّل من قِبَل الحزب.

يجب تدريب الجيش الإسرائيلي على هذه الحرب، بحيث يخترق الحزب المسارات الجغرافية التي تقصد إسرائيل جعلها أقلَّ صعوبة، وأن يتفادى الممرات التي تقصد إسرائيل جعلها أكثر كلفة. هذا يعني، أن على التدريبات أن تؤكد قدرة الجيش على “توجيه” حزب الله إلى المناطق التي ترغب إسرائيل توجيهه إليها، وأن تُبعده عن المواقع الأكثر حساسية.

يجب أن تطول مدة الإحتلال حتى تستكمل البرلمانات الغربية تأكيدها للمعاهدة وأن تأمر بالإستنفار للمشاركة في الحرب. وعند وصول هذه الجيوش إلى الساحات المخصصة لها، على الخطة أن تلحظ اختراقها الحدود اللبنانية بقصد الإجهاز على الحزب في أرضه طبعاً، فإنّ السيناريو المكتوب سيكون جاهزاً للتنفيذ بالتأكيد قبل ابتداء العمليات. فالقوات الغربية سوف تشارك في التخطيط، ولن تنتظر تحرير الجليل حتى تستعد وتستنفر.

فهل هذا هو الذي سوف يحصل؟

لا يتوقّف ذلك فقط على حزب الله. فإسرائيل لا تكشف كل أوراقها، حتى لحلفائها وأصدقائها الذين يرسلون الجنود للدفاع عنها. فإنّ مبرر دخولها الحرب ليس محصوراً بخوفها من حزب الله. فحزب الله لن يهاجم إسرائيل إلا إذا هي هاجمته. إن عبقرية استراتيجية حزب الله أنه يعتمد على أسس القانون الدولي: “يحق لي أن أدافع عن وطني، وبكل الوسائل المتاحة”. هذا يعني أنّه لن يتحرّك لمواجهة العدو الصهيوني إذا كانت الحدود سالمة وإذا التزمت إسرائيل بشروط السلام الميداني. فالحزب، بهذا المعنى لا يشكل خطراً عليها.

لكن، ماذا لو كانت الخطة العسكرية ومعها تدريبات الجيش الإسرائيلية المتتالية، خاصة تلك التي تَمّتْ منذ بدايات هذا العام (2017)، تُسهِّل على حزب الله الوصول إلى القرى والبلدات التي ما زال يسكنها فلسطينيون، ويُصعِّب عليه دخول البلدات اليهودية؟ بالفعل، فإنّ التدريبات قد أظهرت تركيزاً على عمليات “دفاعية” في بضعة مواقع صهيونية، لكن مع تسهيل ملحوظ للعبور إلى البلدات الفلسطينية. كأنها تعني أنّ التمثيلية العسكرية (السيناريو) سوف تُقنع جنود حزب الله أنهم انتصروا على مواقع عسكرية إسرائيلية بعد “معارك ضارية”، وأنهم وصلوا إلى المناطق التي تؤيدهم في الداخل، بالتالي مؤهلة حتى يعتصموا فيها. تصوّروا الإعلام العربي أيّام احتلال الحزب للبلدات في الجليل. إنها ساعات النصر، والفرحة الكبرى. لكن، أين هي حقيقة اللعبة؟

ماذا سوف تفعل القوات الغربية في البلدات الفلسطينية؟ ماذا سوف يحصل لجنود الحزب؟ إلى متى ستستمر العمليات في الداخل قبل أن تبدأ “خطة التصفية” في الساحة اللبنانية؟ هل تشمل الأجندة الإسرائيلية الخفية تكليف الدول الحليفة لإسرائيل بتهجير الفلسطينيين من الجليل إلى لبنان ثم “تطهير حزب الله”؟

هل حصل هذا النقاش في قيادة أركان إسرائيل؟ هناك ما يكفي من المؤشرات للدلالة على حصول هذا النقاش.

هل يعرف العدوّ الإسرائيلي أن قدرته على التسلط على القرار الغربي يحمل معه مفاجآت، ربما كانت سيّئة؟ فالمبالغة باستعمال قدراته في التأثير على القرار قد بدأ يؤثّر في سمعته في كل الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة. إلا أنّ هذا ليس هاجسنا الرئيسي. فالحساب الحساب الحساب هو الذي سوف يؤثّر في القرار الأخير. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي قدرة إسرائيل على التمكّن من قرار حلفائها إذا نشبت الحرب مع كتلة تحالف المقاومة في المشرق؟

، قبل الدخول في هذا الموضوع، علينا أن نسأل السؤال ذاته عن جبهة اسرائيل الداخلية.

ما هو مستوى صلابة الجبهة التي تشكّلت في سوريا، والتي بدأت تعطي بعض الثمار المُرتقبة منها؟ ذلك أنّنا نتكلّم عن تفاهمٍ يُشيبه مبنى من عدّة طبقات. فهو تحالف سوري إيراني في الطابق السفلي من التحالف، مع زيادة روسيا في الطابق الأول منه. الطابق السفلي ثابت وحساباته قابلة للتنسيق البعيد، ربما حتى مستوى التماهي. لكن الطابق الأول يختلف. فحسابات روسيا تشمل عناصر إضافية، منها أخطار المواجهة مع حلف شمال الأطلسي. فما هو مستوى التفاهم الممكن مع روسيا، في حال دخول الحزب في حربٍ مع إسرائيل؟

أمّا الطابق الثاني من مُشَيّد التحالف السوري، فيشمل تركيا. لقد اقتنعت القيادة التركية أن مصالح حليفتها، الولايات المتحدة، والتي أدخلتها سابقاً في حلف شمال الأطلسي، ليست متطابقة مع مصالحها، وأنّ هناك اختلافات “جانبية” بالنسبة لأميركا، لكنها استراتيجية بالنسبة لتركيا. ويدخل في لائحة هذه المصالح كلٌّ من المشكلة الكردية وموضوع “الإرهاب في سوريا والعراق”، الدولتين المُحادِدَتين لتركيا. والمسألة جوهرية بما فيه الكفاية حتى تخرج تركيا عن انضباطها في الحلف وأن تشتري أسلحة دفاع جوي من روسيا، غريمة حلف شمال الأطلسي الرئيسية. كذلك، فقد اكتشفت أنّ صديقتها اسرائيل  ليست صادقة في صداقتها وأنَّ مصالحها تكمن في الشراكة الطيّعة وليس بالمشاركات النِدّية. لذلك، فإنّ مصالح إسرائيل هي مع الغريم الكردي ومع استمرار النزيف الإرهابي في سوريا والعراق.

إن حرب إسرائيل المٌرتَقبة على لبنان وحزب الله سوف تجد التحالف الروسي الإيراني السوري (بما فيه التركي) ملتزماً بلا حدود مع حزب الله ولبنان، ما دامت العمليات اللبنانية دفاعية الطابع، أي تجري دفاعاً عن الأراضي اللبنانية، حتى لو أدّت إلى قصف عنيف، صاروخي أو مدفعي، على الداخل الإسرائيلي، في معرض الدفاع عن الوطن. وقد يصل منسوب التعاون إلى حد توفير غطاءٍ جوّي روسي للبنان، (إذا أحسنت الإدارة اللبنانية توجيه سياستها الخارجية وتنظيم تحالفات الدولة فيها). إلا أنّ الطابق الأول والثاني من هذا التحالف قد يتهاوى إذا قرّر حزب الله تنفيذ تهديده وتحرير الجليل. إنَّ روسيا لا تستطيع تحمّل تبعات مواجهة حلف شمال الأطلسي على مسرح العمليات المشرقي.

لذلك، فإنّ حساب التحالفات جزءٌ من حساب الربح والخسارة في المواجهة المقبلة.

إن نظام الأحلاف يفرض شروطه على اللاعبين. فحزب الله، مهما كان منسوب حرية قراره، لن يبادر لعمل عسكري كبير من دون أن يشاور حليفه الرئيسي (ومموّله)، إيران، وذلك لأسباب وجيهة، ليس أقلّها ضرورة التنسيق الميدانية. وبالمنهاج ذاته، يمكننا القول إن التفاهم بين روسيا وإيران يفرض التنسيق على الطرفين، لضرورات المواجهة مع القطب الغريم الموجود على الساحة. فالغريم هو التحالف الأميركي ووراءه حلف شمال الأطلسي، ومعه عدد من الأنظمة العربية التي تعتمد عليه، وإلى جانبه النظام الصهيوني الذي يشارك، ويقود (في بعض الحالات) المنافسة مع المعسكر الشرقي (أي مع روسيا وإيران وسوريا في المنطقة، مع حليفهم الصيني).

فاللعبة المحلية رهن بأحكام الصراع في اللعبة الدولية وخصوصياته. وبالنتيجة، لم يعد من الممكن تشييد الاستراتيجيات المستقلّة في المنطقة، لأنّ الاستراتيجيات الإقليمية والدولية قد أصبحت شديدة الترابط بها. لم يعد بالإمكان الحديث عن عمل جدّي في مواجهة إسرائيل، رغم احتلالها أجزاء من لبنان، وكل الجولان، بعد أن بلعت واستوعبت فلسطين. على حزب الله وإيران وسوريا أن يتشاوروا مع روسيا. والذي يدخل في الحساب قد لا يُرضي أو يَهُم اللاعبين المحلّيين العرب (مثل مشكلة روسيا مع أوكرانيا أو كوريا الشمالية). فالأولى نقطة خلاف روسية رئيسية مع حلف شمال الأطلسي، والثانية تتعلق بالصين وبعض أصعب المسائل بينها وبين الولايات المتحدة. إلا أنّ لارتفاع أو انخفاض منسوب التوتر على هاتين الجبهتين تأثيراً ملحوظاً على توقيت القرارات في المشرق. ذلك أنَّ على روسيا أن تضبط وقع تحركات حليفاتها في منطقتنا دون أن تنسى مصالحها في المناطق الأخرى في العالم.

هذا يعني أنّ لجبهة المقاومة في المشرق مستوىً عالياً من حرية الحركة، ما دام نشاطُها مقصوراً على الأراضي والمناطق والمسائل التي تحمل الطابع الدفاعي. لكنَّ تحركاتها في مناطق أخرى (مثل اليمن أو البحرين) تبقى تحت المراقبة، ولا تتحرّك إيران ولا روسيا فيها إلا بشكل غير مباشر، تفادياً للمواجهة المباشرة مع المنافس الدولي.

إنّ الإنطباع الذي يسطَعُ من هذه المطالعة هو أننا قد دخلنا، وإن كان ذلك بشيء من الحياء، في مرحلة جديدة من الحرب الباردة، وأن بلادنا العربية تقف، كل واحدة منها على الجانب الذي تنتمي إليه من خط الفصل بين الكتلتين. صحيح أنّه ليس للحرب الباردة الجديدة خط واضحٌ اليوم، كما كان الوضع بعد الحرب العالمية الثانية. كان ذلك الخط يمرّ في برلين، ويفصل المانيا الى قسمين وكان خطاً محدداً بشكل دقيق للغاية. لقد أصبح اليوم يمر في مكانٍ ما في سوريا، وإن كانت الخطوط على الخريطة ما زالت قيد التفاوض. والتفاوض يجري في الميدان وفي الوقت نفسه، في الغرف المُقفلة، بين وزيري خارجية واشنطن وموسكو، أو في صالات مؤتمرات جنيف واستانا وسوتشي. وللحرب الباردة خصوصية: إنها باردة، أي أنّه غير مسموح لها أن تتعدّى حدوداً معينة من السخونة. في الحرب الباردة السابقة (1945-1990)، كان يُسمح للحروب أن تجري فقط خارج مناطق نفوذ القطبين الكبيرين، في مناطق مثل الجزائر وفييتنام وكوبا. أمّا اليوم، فقد أصبحت تأخذ (في أكثر الأحيان) الطابع القانوني: مثل الدفاع عن النفس (لبنان أو سوريا)، أو حقوق الشعب (الثورات الفاقعة الألوان). أو غيرها. ومن الضروري القول إن أنواع التصرف في الحرب الباردة الجديدة غير واضحة الآن، وتستوجب الكثير من الانتظار.

لقد وصلت المجهودات التي بُذلت، بنياتها الجيدة أو السيئة، وبقدراتها الذكية أو الغبية، إلى تحويل المنطقة إلى كتلتين، ليس بمقدور أحدٍ منهما الإنتصار على الآخر. لقد دخلنا الحرب الباردة التي تَحُدُّ حرية حركتنا وتُسلّم القرارات المصيرية فيها إلى الدول الكبرى بدل أن تنتزع القرار وتجعله عربياً.

عندما اجتاح هنيبعل إيطاليا (بعد عبور جبال الألب، أي من الجهة التي لم يكن ينتظره أحد)، بدأ يكسب المعركة تلو الأخرى ضد الجيوش الرومانية. ووقعت آخر معركة له في منطقة قانا، شمال شرق روما. وفي المعركة هذه، نجحت عبقرية هنيبعل في تطويق الجيوش الرومانية، وتحويل المعركة إلى مذبحة (بالترجيح 44 ألف قتيل في الصف الإيطالي من 55 ألف جندي!). لكن، سرعان ما تعلّم الرومان الدرس، فقاموا باستبدال قائد الجيش بزعيم جديد اسمه سيبيو (Scipio). وكانت خطة القائد الجديدة هي الإمتناع عن المواجهة. والذي فعله هذا القائد هو الإهتمام السريع بإعادة تنظيم وتوسيع البحرية الرومانية، وحَشْر هنيبعل في إيطاليا، ثم مهاجمة قرطاج بحرياً في غياب قائدها. هكذا نجحت روما في تدمير قرطاجة.

لقد أصبحت معركة هنيبعل في قانا  نموذجاً عسكرياً يتعلمه الضباط في الكليات الحربية التي تحترم نفسها. وآخر ما أوحت به هذه المعركة التاريخية كانت خطة شليفن (Schliefen) التي سمحت لجيش القيصر الألماني وليم الثاني.باحتلال باريس عام 1871، ثم خطة مولتكي (Moltke) التي اعتمدها الألمان في حرب 1914، وخطة هتلر في الحرب العالمية الثانية، عام 1939.

لقد نجحت روما في تفادي الحرب التي (قد يكون) لا نفع لها (مثل مواجهة هنيبعل)، وفتحت جبهات لا يستطيع العدو الدفاع عن نفسه فيها (مثل مهاجمة العاصمة قرطاجة). هذا برهان يؤكد أنّ ثمة حلول لكل المشاكل، وذلك خارج الإطار الكلاسيكي المألوف، في أيام هنيبعل مثل اليوم. إنّنا، في وضعنا المشرقي اليوم، بحاجة لتبرير كل خطوة. فكل عمل “عدائي” من حزب الله، أو من أي طرف محسوب عليه، سوف يعتبر “تعدّياً”.

“إن نظام الأحلاف يفرض شروطة على اللاعبين. هذا يعني أنّه ليس هناك حل إيراني أو سعودي للتسلّط الصهيوني في المنطقة ولا للنضال ضدّه. لقد نجحنا بتجميد نقاط التماس وأصبح اختراقها صعباً ومُكلِفاً على الجميع. هذا إنجازٌ عظيم. وعلينا أن نحافظ على هذا الإنجاز.”

وماذا عن إسرائيل؟ سوف تدخل الحرب، إذا قررت ذلك وهي مقتنعة بجدية تهديد الجليل الذي أطلقه حزب الله، ومستعدّة له. وسوف تقوم باستعمال منتهى قدرات دبلوماسيتها لاستنفار حلفائها (الذين دخلت معهم بمعاهدات دفاعية)، لتأكيد استعدادهم، ثم لتسريع تحركهم إلى أرض المعركة. إنّ إسرائيل تعرف جيداً أنها بدأت تخسر التأييد المطلق الذي كانت تعتمد عليه في الغرب. فإذا هاجمها حزب الله، استرجعت مصداقيتها وأجبرت حلفاءها على المشاركة في دفع فاتورتها العسكرية. إلا أنّها، إذا استنفرتهم وأجبرتهم على التأهب ثم المشاركة، وأكّدت على ذلك، وباشروا بالتحضير والإعداد، ثم يظهر أن قصتها كاذبة وأن “العدوان” المزعوم غير موجود، عندئذ فإنّها تفقد مصداقيتها، وتصبح كالعاهرة البشعة التي تستصرخ دون أن يُستجاب لها. لذلك، فإنّ لِخطط إسرائيل محاذير استراتيجية خطيرة، قد تَضُرّ بِسمعتها ومصالحها. لماذا لا ندعوها إلى حُفرٍ لا تقدّر عُمقها؟

فهل يتعلّم أحد الحكمة من انتصارات هنيبعل وسيبيو (Scipio)؟

صحافي وكاتب من لبنان

إنّ خيار المواجهة وتحرير الجليل واردٌ، وهو بلا شك مُمكن. إلّا أنّ لهذا الهجوم ثمن لا شك فيه، وهو تدمير لبنان. والذي يؤكد ذلك هو المدّة المرجّحة لهذه الحرب. فهي بأبسط أشكالها، سوف تستغرق أكثر من شهر، وهي فترة كافية لاستثمار طائرات إسرائيل الجديدة (إف 33) في عمليات القصف. فهي قادرة على حمولة تضاعف مرتين طائرات ال إف 16، و17، مع قدرة الإختفاء عن الرادار. وقد صرح القادة الإسرائيليون عن نيتهم قصف “كل شيء”، لأنّ لبنان أصبح تحت سلطة “حزب الله الإرهابي”.

هل سوف يتمكّن حزب الله من مقاومة إغراء تحرير الجليل بعد أن أصبحت أشدّ سهولةً؟ هل سوف تنجح إسرائيل، مع حلفائها، بدحر حزب الله؟ لا يدخل قائدٌ عسكريٌّ الحرب وهو واثق لا من الخسارة ولا من النصر. ذلك أنّ هدف الحرب هو إظهار المتفوّق والخاسر. لذلك، فإنّ القدرات التي يتمتّع بها حلفاء إسرائيل قد يشوبها التردّد في القرار، ليس خوفاً من حزب الله، إنّما هيبةً من استدراج اللاعبين الأُخَر، إلى ساحة المعركة. فلا أحد يرغب بحرب بين الروس والأمريكيين، وآخرهم اللبنانيون، بما في ذلك حزب الله.

إلّا إنّ حكمة سيبيو (Scipio) لا تُنسى. فقد هزم هنيبعل، ليس بمعارك المواجهة، إنما باستراتيجية جديدة وذكية.

*صحافي وكاتب لبناني

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0