مجلة وموقع إعلامي شامل
موقع ومجلة حرمون

طريق العزّة شاقة

د. عدنان نجيب الدين*

 

لم يعد العالم كما كان، او لربما هكذا كان، ولكننا لم نكن ندرك ذلك لأننا كنا صغاراً.

كانت الحياة جميلة، وكنا كأولاد من جيل واحد نلعب مع بعض، ننظم رحلات إلى الطبيعة ورياضها الخضراء، نتنزه قرب الينابيع والأنهر، نركض ونتسابق، ونلعب لعبة الغميضة والخريطة، وكنا نتزوّد في رحلاتنا بسندويشات الجبنة أو الزعتر والزيتون، حتى إذا ما تجاوزنا وقت الظهر نجد ما يسدّ جوعنا، ونشرب من مياه النبع الصافية فنروي منها عطشنا. لم تكن تلك الينابيع قد دنّستها أكياس القمامة وقشور البطيخ وأوساخ المدابغ…

السماء الزرقاء وشمسها المشرقة كانت تُشعرنا بالدفء والمحبة، وكانت الوداعة والبساطة والحميمية وأجواء الصداقة تنسج أنقى العلاقات بين أطفال لم يتعرّفوا بعد على ما يُسمّى بالمصلحة والغش والسرقة والفساد السياسي وسائر المفردات التي تمتلئ بها شاشات التلفزة في هذه الأيام.

كان الفرد منّا يفرح لفرح صديقه، ويحزن لحزنه، ويفاخر بأن صديقه يحبه ويدافع عنه وينجده ويساعده إذا تعرّض لسوء.

كانت الغيرة بيننا على بعض، ولم تكن غيرة بعضنا من بعض. أذكر أن أحدنا نظم مرة قصيدة فعرضها على استاذه في المدرسة، فأعجب بها الاستاذ والقاها على التلامذة، فحفظها الجميع لأنها من نظم زميل لهم..

اما اليوم فقد تفرّق أولاد الصف الواحد، وأصبحت لكل منهم حياته الخاصة، وعمله الخاص، وتزوج الجميع وأنجبوا أطفالاً، وكبر الأطفال وتزوجوا بدورهم وانجبوا أيضاً أطفالاً…

ولم يعد أصدقاء الطفولة كما كانوا، فصار لكل منهم شأن مختلف.

ودارت الأيام، واختلف المكان، ولم يعُد أحد منهم إنسان ذلك الزمان.

منهم مَن أصبح أستاذاً، وآخر أضحى طبيباً، وثالث غدا محامياً، ورابع صناعياً، وخامس مزارعاً، وسادس عامل بناء، وسابع وثامن وعاشر

… الخ

عزيزي القارئ: إن كان يصدمك الواقع الذي تعيشه اليوم لدرجة انك تكاد لا تصدق كل ما ورد من حديثي عن تلك الأيام، فخلته تخيلات ساذجة، او ذكريات ليس لها أصل في الواقع.

نعم، أنت محق… لم يعد مجتمع الطفولة الذي وصفناه إلا مجتمعاً مغايراً، مليئاً بصور الشر او أخطاره التي ملأت الأرض، فابتعد الناس عن السماء وقيمها لأن معظمنا غرق في الماديات ولم يعُد يفهم معاني تلك القيم السامية…

السماء والأرض يغدقان علينا من الخير ما قد لا نستحقه لأننا بشر جاحدون…

انظر الى المطر الطاهر الهاطل علينا ليسقي الأرض وزرعها، وانظر الى الأرض التي تتفجر من صخورها الينابيع العذبة…

لكن هؤلاء البشر غرقوا في الرياء والضغينة والحسد والطمع والاستبداد وتناهب الفرص واستغلال المناصب… انظر إلى سياسيينا، وانظر إلى أفعالهم تعرف طبيعة مجتمعنا وحقيقة الناس الذي يعيشون في وطننا. بعضهم يصنف نفسه عاملاً في الشأن العام لكنه ينهب المال العام، وبعضهم معارض يصنف نفسه ثائراً من الثوار، البعض الأول منافق وانتهازي وسارق، والبعض الثاني عليه ألف علامة استفهام. وهناك غالبية من الناس صادقة في ثورتها على الفساد، انما لا حول لها ولا قوة، ولطالما كانوا يصفقون لمن استعبدهم لسنين طويلة.

أما الشرفاء فهم في غربة عن مجتمعهم لأنهم رفضوا الاستزلام للزعماء وناهبي قوت الناس وثروات الوطن.

هناك كتّاب تقطر أقلامهم كذباً وعمالة وتشويهاً للحقائق. وهناك كتّاب ورجال فكر أحرار، لو كتب أحدهم كلمة حرة او نشر كتاباً فيه ما يوقظ الناس ويدلهم على طريق الحرية وسبل السعادة والمجد والكرامة، او فيه ما يأخذ بأيدي المبصرين ليستبصروا، نجد غالبية الناس عنه معرضين، لأنهم لا يريدون تسلق جبال المجد والحرية لأن فيها مشقة الصعود، ويفضلون العيش في وهاد الذل والعبودية. يفضلون الارتهان لمن يستعبدهم على مقاومة تحرّرهم وتشقّ لهم طريق العزة في أوطانهم والاستقلال عن كل طواغيت الأرض.

*أستاذ جامعي.

حرمون – مجلّة وموقع إعلاميّ مشرقيّ

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.