مجلة وموقع إعلامي شامل
موقع ومجلة حرمون

ثقافة العنف القاتل ومصير الولايات المتحدة

غالب أبو مصلح

 

لا يمثّل ترامب ظاهرةً فردية أو شاذة في التاريخ الأميركي. يعبّر ترامب عن التاريخ والثقافة الأميركية المُعاشة، في مرحلة اشتداد أزمة النظام الرأسمالي العالمي، الذي تقف الولايات المتحدة على رأسه. شكّلت ظاهرة العنف القاتل أحد جذور هذا المجتمع الوليد في «الأرض الجديدة»، التي كان يسكنها 400 شعب مسالم، نهش القادمون الجدد، المهاجرون الأنغلوساكسون البروتيستانت البيض، اليد التي انتشلتهم من موتٍ محتّم، بعد وصولهم إلى هذه الأرض، ثم أبادوا شعوبها، ودفنوا حضارتها من دون تردّد، ومن دون ندم، ومن دون وخز ضمير.

تمثّل الثقافات المعاشة تاريخ الشعوب. لا تستطيع الثورات، مهما كانت قاسية وعميقة، أن تجتثّ جذور ثقافة شعبها. لا يستطيع أيّ مجتمع أن يمارس أقصى درجات العنف القاتل والاستبداد ضدّ شعوب العالم، ويبقى في منأى عن ارتداد العنف والاستبداد إلى داخله.

لم يكن ما شهدناه في تلة الكابيتول في واشنطن مأتماً للديمقراطية الشكلانية الأميركية، ولا مولداً جديداً لها، بل بداية تعبيرٍ عنيفٍ عن أزمةٍ بنيويةٍ شاملةٍ يعيشها المجتمع الأميركي ونظامه، في مرحلة مخاضٍ عالميٍ ينذر بمخاطر وآمال ومتغيّرات كبيرة في النظام العالمي القائم وتوازناته.

إنّ ثقافة المستوطنين الإنكليز البروتيستانت الأوائل، حاملي ثقافة «العهد القديم»، ما زالت نابضة وحيّة لدى قسمٍ كبير من المجتمع الأميركي وقياداته:

«ما زال كلّ بيت أميركي يحتفل سنوياً في «عيد الشكر» بتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم «فرعون» بريطانيا، و«خروجهم» من أرضه، و«تيههم» في البحر، و«عهدهم» الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع يهوه، ووصولهم في النهاية إلى «أرض كنعان». زرع هؤلاء المستعمرون الإنكليز كلّ تصوّرات العبرانيين القدامى ومفاهيمهم عن السماء والأرض والحياة والتاريخ في مستعمرتهم التي أطلقوا عليها اسم «أرض الميعاد» و«صهيون»… استمدوا كلّ أخلاقيات إبادة الهنود من هذا التقمص التاريخي لاجتياح العبرانيين أرض كنعان. كانوا يقتلون الهنود وهم على قناعة بأنهم عبرانيون فضّلهم الله على العالمين، وأعطاهم تفويضاً بقتل الكنعانيين»1.

إنّ يهودية هؤلاء المستوطنين البروتيستانت هي التي أرست ثوابت السياسة والسلوك الأميركي المستقبلي، الذي تتلخّص أهم مبادئه بالتالي:

1 ـ المعنى «الإسرائيلي» – التلمودي لأميركا.

2 ـ عقيدة «الاختيار الإلهي» والتفوّق العرقي والثقافي.

3 ـ الدور «الخلاصي» للعالم.

 

4 ـ قدريّة التوسّع اللانهائي.

5 ـ حق التضحية بالآخر2.

بقيت المبادئ التلمودية حيةً ونابضة، رغم مبادئ الثورة الأميركية ورفعها أفكار عصر النهضة والتنوير الأوروبي. تعايشت هذه الشعارات التلمودية مع الشعارات الجديدة. إن التمييز العنصري ما زال طاغياً في سلوك السلطات الأميركية حتى اليوم، بالرغم من إسقاط القوانين العنصرية. استمر قتل السكان الأصليين حتى أواخر القرن التاسع عشر. كان جورج واشنطن يدفع ما بين دولارٍ واحد و12 دولاراً ثمناً لكلّ فروة رأس للسكان الأصليين يأتي بها رجلٌ إليه.

كثيراً ما تُرتكب أبشع الجرائم تحت رايات أسمى المبادئ. بنت فرنسا إمبراطوريتها الاستعمارية، وارتكبت أبشع الجرائم ضد شعوب أفريقيا وآسيا خاصةً، تحت شعارات الثورة الفرنسية، «الحرية والمساواة والإخاء». باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ارتكبت الولايات المتحدة منذ تأسيسها، وما زالت، أبشع أنواع الظلم والنهب والاستبداد والإبادة ضد العديد من شعوب العالم.

في محاكمات نورمبرغ لمسؤولين وضباط نازيين، بعد الحرب العالمية الثانية، قامت سلطات الاحتلال للدول الغربية في ألمانيا بمنع ممثلي الدفاع من استعمال جملة «وأنتم فعلتم ذلك أيضاً»، في مجرى مرافعتهم عن النازيين. إن جرائم الحلفاء الغربيين في الحرب لم تكن أقل من جرائم النازية. استثنت سلطات الاحتلال الأميركي العديد من كبار المجرمين النازيين من المحاكمة في نورمبرغ، ونقلتهم إلى الولايات المتحدة، واستعملت كفاءاتهم العديدة لقمع شعوب أميركا اللاتينية.

وافق الرئيس الأميركي، ترومان، في أيلول 1946، على مشروع قدّمه دالاس، والذي كانت مهمته الإتيان بأكثر من ألف عالم نازي إلى الولايات المتحدة. كان من بين هؤلاء العديد من أحطّ مجرمي الحرب3.

الجنرال الأميركي آيزنهاور، قائد جيوش الحلفاء في أوروبا (أصبح رئيساً للولايات المتحدة في ما بعد)، تعمّد قتل أكثر من مليون جندي ألماني من المستسلمين الهاربين من الجبهة الشرقية، إذ احتجزهم في مخيمات اعتقال و«قام بـتجويعهم وتعريضهم (لعوامل الطبيعة)»، وحجب المساعدات الغذائية عنهم ومنع الصليب الأحمر من الوصول إليهم لمساعدتهم، وذلك بشهادة المؤرّخ الرسمي للجيش الأميركي، الكولونيل إرنست فيشر4.

لكن آيزنهاور، في الوقت الذي ارتكب فيه جريمته _ مع بداية الحرب الباردة ضد حلفاء الأمس السوفيات _ قال، بعقلٍ تلمودي، جملته الشهيرة،: «إن قوى الخير والشر قد تجمّعت وتسلّحت وتضادّت كما لم يحدث إلا نادراً في التاريخ. الحرية تجابه العبودية، والنور يجابه الظلام»5. كم كان سعيد تقي الدين محقاً عندما قال، «أفصح ما تكون القحباء عندما تحاضر بالعفاف».

إن التناقض بين عمل آيزنهاور وأقواله ليس استثناءً في التاريخ الأميركي. عاشت الولايات المتحدة هذا التناقض بين العقل الإجرامي والقول المثالي طيلة تاريخها، بتناقضٍ لا يستطيع تحمّله سوى الفكر الديني العنصري المتعصّب المغلق، الذي يتستّر وراء «إرادةٍ إلهية» ليبرّر أحط الوسائل من أجل الغاية المنشودة. نظر القادة الأميركيون، وعلى رأسهم «الآباء المؤسسون»، وعبر قرون عدة، إلى إبادة «أكثر من 400 أمة وشعب في المنطقة التي تسمّى اليوم الولايات المتحدة… باستهزاء وإنكار، فهم في أنبل مواقفهم يرون أنها مجرّد «أضرار هامشية» تواكب انتشار الحضارة، والتضحية لا بد منها لولادة أعظم أمة على وجه الأرض»6.

في القرن الحادي والعشرين، يندرج ردّ مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية الولايات المتحدة، تحت هذا التراث الأميركي الأصيل، حين سُئلت عن رأيها في واقعة قتل الاحتلال الأميركي أكثر من 450 ألف طفل عراقي، بقولها «إن الأمر يستحق ذلك « (It’s worth it)، أي أن «الغنيمة» تستحق هذا الثمن. كل جريمة ترتكبها أميركا بحق الإنسانية، خدمةً لمصالحها، تصبح مقبولة ومبرّرة. أصدر الرئيس الأميركي (نيكسون) عفواً عن الملازم في الجيش الأميركي الذي ارتكب مذبحة «ماي لاي» في فيتنام، بعد الحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً، بعد يوم واحد من سجنه.

إنّ تعداد جرائم الإمبريالية الأميركية في العالم لا ينتهي، وتفاخر الولايات المتحدة بعظمتها وسمو أخلاقها لا ينضب. وإعجاب قادة الغرب وأشباه المستعمرات في دول العالم الثالث بالديمقراطية الأميركية التي يهدّدها «أوباش» ترامب، لأمرٌ مبهر. الأكثر أهمية في هذا السياق استقراء مستقبل الولايات المتحدة وديمقراطيتها الشكلانية، في زمن تراجع قدراتها الشاملة، وتراكم تناقضاتها الداخلية، وتعمّق أزمتها البنيوية على الصعيد الاقتصادي خاصةً. يقول بول كينيدي إن القدرات الاقتصادية تحدّد القدرات العسكرية للدول على المدى المتوسط. على القيادات الحكيمة لأي دولة أن تميّز بين ما هو مرغوبٌ به وما هو ممكن بالنسبة لطاقاتها. توسّعت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بعدوانيتها وانتشارها العسكري، بأكثر مما تسمح لها قدراتها الاقتصادية، وبالتالي بدأت أزماتها المالية والاقتصادية في أواسط الستينيات من القرن الماضي، وما زالت تتفاقم حتى اليوم.

هبط نصيب الولايات المتحدة من الناتج الاقتصادي العالمي من حوالي 45% عند نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أقل من 14% اليوم. كانت أكبر دولةٍ دائنة، فأصبحت أكبر دولةٍ مَدينة، ويتسارع نمو مديونيتها بشكلٍ خطير. كانت تملك أكبر أسطول حربي في العالم، تعداده أكثر من 600 سفينة، واليوم تملك أقل من 300 سفينة، وأقل مما تملكه الصين من قطعٍ بحرية، رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها الإدارات الأميركية خلال السنوات الماضية. كانت الولايات المتحدة أكبر دولة صناعية في العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، وأخذت قدراتها الصناعية بالتدهور المستمر، فأعلنت الانتقال إلى «عصر ما بعد الصناعة»، هرباً من الواقع. انخفضت العمالة الصناعية فيها بنسبة 0.4% سنوياً منذ سنة 1948 وحتى سنة 2010، وبنسبة 0.3% سنوياً منذ العام 2010 وحتى 2018. 7 تزداد البنية التحتية للولايات المتحدة تخلفاً واهتراءً، ولا تستطيع الإدارة الأميركية تخصيص الموارد الكفيلة بإيقاف هذا الاهتراء المتفاقم، وبسبب الإنفاق المتنامي على البنتاغون، وتمويل المغامرات العسكرية الدائمة.

رغم تنامي الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة إلى معدلات مذهلة، إلى أكثر من 700 مليار دولار سنوياً، فإن نفوذها الفعلي يتدهور في العالم باستمرار، قال ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، عام 2007، «إنّ عصر أميركا في الشرق الأوسط قد زال، وبسبب أهمية الشرق الأوسط، فقد ضعفت أيضاً قوة أميركا العالمية لسنوات، إن لم يكن لعقود»8. تقلّص عدد الجنود الأميركيين في أوروبا من 213 ألف جندي في سنة 1989 إلى 30 ألفاً في عام 2013، وسينخفض ربما إلى أقلّ من 15 ألفاً في العام الحالي. أدى ذلك إلى فقدان الولايات المتحدة السيطرة على السياسات الدفاعية لأوروبا. قرّرت قيادة حلف شمال الأطلسي تحدي واستفزاز الاتحاد الروسي، فشكّلت قافلة سفن حربية وأرسلتها إلى الساحل الشمالي الغربي لروسيا (بحر بارنتس). رفضت الدول الأوروبية، ما خلا بريطانيا، المشاركة. حتى كندا، التي تملك أكبر حدودٍ لحلف الأطلسي على القطب الشمالي، رفضت المشاركة.9

 

اشتدت التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في ظل سيطرة السياسات الليبرالية الجديدة، التي تمثّل أيديولوجية المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. عبر هذه السياسات، أُعيد توزيع الناتج الوطني الأميركي لمصلحة رؤوس الأموال، وعلى حساب القوى العاملة. ارتفع دخل الـ1% الأكثر ثراءً، من سنة 1979 وحتى سنة 2007، بنسبةٍ تفوق 275%، بينما ارتفع الـ20% الأقل دخلاً بنسبة 12%، بالسعر الجاري للدولار.10

 

تلعب العنصرية دوراً مركزياً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة، وتُفاقم الصراعات القاتلة في المجتمع. يبلغ المعدل الصافي لموجودات العائلة الأميركية البيضاء في سنة 2013، 142 ألف دولار، مقارنةً بـ 11 ألف دولار للعائلة السوداء. تبلغ احتمالية مقتل الشباب السود واللاتين 6 أضعاف الشباب البيض11.

 

تزداد انقسامات المجتمع الأميركي المسلّح جداً، مع تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتنامي الفروق الطبقية وارتفاع خيبات الأمل والإحباط؛ وتتعاظم قوى اليمين العنصري التلمودي المنظّم، وتتجمّع قوى اليسار الساعية للتغيير وتتسلّح لتحمي نفسها من نمو القوى الفاشية، وينفتح المستقبل على مزيدٍ من العنف والصدامات، وتنفتح الآفاق أمام حروبٍ أهلية تفكّك «إمبراطورية الشر»، كما يسمّيها البعض عن حق.

 

هوامش:

 

1 ـ منير العكش، «أميركا والإبادات الجماعية، حق التضحية بالآخر»، رياض الريس للكتاب والنشر، بيروت، 2002، ص 10.

 

2 ـ المرجع السابق، ص 10-11.

 

3 ـ Alexander Cockburn, Jeffrey St. Clair, «Whiteout: the CIA, Drugs, and the Press», Verso, London and New York, 1998, p. 148

 

4 ـ James Bacque, «Other Losses», Stoddart, 1989. ISBN 0-7737-2269-6

 

5 ـ Paul Kennedy, «The Rise and Fall of the Great Powers», Random House, New York, 1987, p. 372

 

6 ـ منير العكش، «أميركا والإبادات الجنسية»، رياض الريس للكتاب والنشر، بيروت، 2012، ص. 66.

 

Economic Indicators, The Economist, August 4th, 2018

 

7 ـ منير العكش، «أميركا والإبادات الجنسية»، رياض الريس للكتاب والنشر، بيروت، 2012، ص. 66.

 

Economic Indicators, The Economist, August 4th, 2018

 

8 ـ The Economist, June 30th, 2007

 

9 ـ صحيفة «الشرق الأوسط»، 18/5/2020.

 

10 ـ The Economist, Oct 29th, 2011

 

11 ـ The Economist, Jul 4th, 2015

موفع ومجلة حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.