مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

هل تشكّل قمة العشرين بارقة أمل في اقتصادات متوحّشة؟ ربما..

سماهر الخطيب*

 

تحت شعار «اغتنام فرص القرن الحادي والعشرين للجميع»، تنطلق صباح اليوم في المملكة العربية السعودية، القمة الرابعة عشرة لمجموعة العشرين، إنما ما يطغى على هذه القمة اليوم هو صفة “الاستثنائية” لكونها أتت في ظروف عالميّة غير مسبوقة جعلت من حضور كبار قادة ورؤساء العالم، حضوراً افتراضياً عبر تقنية الفيديو.

وهؤلاء القادة الذين يقودون اقتصادات العالم غير بعيدين عن الأجواء العالميّة المحيطة بنا والتي تبدو خارج الإطار المألوف والموصوف، بدءاً من تلك الجائحة التي نتجت عن تفشي فيروس كوفيد – 19، وصولاً إلى ما تسبّبت به من أزمة اقتصاديّة وبيئية تطفو استحقاقاتها على سطح الأحداث السياسية والاجتماعية وكذلك الدولية.

إنما اغتنام الفرص للجميع الذي عنون به شعار هذه القمة يجعل من المهمة التي تقع على عاتق الدول المشاركة مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر المصلحيّة في وقت يحتاج فيه العالم إلى إرادة موحّدة لمواجهة العقبات التي تجابهه، فيما يغوص كل منهم في صراع نحو تحصيل أوراق ربحيّة في اللعبة الدولية مستغلين تلك الأزمات لتشديد الخناق على الدول الفقيرة من أجل بناء مصالهم الفردية والاستعمارية والتطبيعية.

ناهيك عن الأوضاع المناخية المتردية والتي تكاد تهدد مستقبل الإنسانية جمعاء إذا استمرت حالة التغافل والعمل ضدّ الطبيعة، خاصة مع انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقية المناخ وما تولده انبعاثات الغازات السامة من مواد تهدّد وجود الجنس البشري، كما أن هذه الانبعاثات السامة لم تكن فقط بيئية إنما سياسية تولدت مع الاضطرابات السياسية غير الاعتيادية حول نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، والتي لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اليوم يرفض الاعتراف بالهزيمة ويرفض التبادل السلمي للسلطة، وفي القوقاز وشرق المتوسط صراع ينعكس على الشرق الآسيوي بمجمله ليبدو أنّه صراع على مراكز القطبية المتقدمة، فيما يبدو أن الاتحاد الأوروبي خارج سياقات الفعل أو التأثير.

ورغم تعهّدات المملكة بالسعي إلى تعزيز التوافق العالمي، والعمل مع شركائها في المجموعة للتصدّي لكل التحديات التي تقف في وجه البشرية، وترسيخ مبادئ الأمن والاستقرار في كل أرجاء البسيطة. إلا أن هذه التعهدات تبدو في هذا الوضع العالمي الاستثنائي ضربٌ من الخيال إن لم تكن المصلحة العالمية هي المتفوقة على المصلحة الفردية للدول وهذا لا يمكن حدوثه إلا في “المدينة الفاضلة”..

إنما ورغم كل تلك الأحداث إلا أنّ نافذة الأمل لا بدّ أن تشرّع أبوابها للقول بأن هذه القمة تعدّ أفضل وسيلة في الوقت الراهن لتعزيز الجهود العالمية، من خلال العمل مع قادة العالم ومجموعات التواصل والمنظمات الدولية لمناقشة أبرز التحديات الدولية، عبر تمكين الإنسان، لا سيّما الشباب، للعيش الكريم والعمل والازدهار، وهذا هو البعد الإنسانيّ الجوهريّ في أعمال القمة، عبر تهيئة الظروف التي تتيح السبل للجميع ضمن أطر شرعيّة وقانونيّة، وفي ظل تسهيلات اقتصادية وحياتية.

والحفاظ على كوكب الأرض، وهنا ينبغي النظر إلى السياق الإيكولوجي الذي بات يقلق الجميع، جرّاء التغيرات التي تحدث على سطح الكوكب، وتؤثر تأثيراً سلبياً خطيراً على فرص الحياة والنماء، للإنسان والحيوان والنبات، فيما تتوقف أعمال القمة إذا ما تعلق الأمر بالأمن الغذائي والمائي والطاقة بل ويمكن أن تلغي سبب وجودها إن لم تأخذ هذا الأمن بالحسبان.

أما الآفاق الرؤيويّة الجديدة، فتتم عبر تبنّي استراتيجيات جريئة وطويلة المدى، لمشاركة منافع الابتكار والتقدم التقني، بمعنى السعي خارج دروب الاتباع والبحث عن مسالك الإبداع، ما يفتح أبواب الفرص للجميع وعن حق.

ولمواجهة تلك التحديات يتوجب على القمة أن تضع في سلم أهدافها إعادة الطمأنينة للإنسانية القلقة، والتي باتت تشعر بأنها وحيدة في مواجهة الخطر الداهم المتمثل في كوفيد – 19 من جهة، وفي تهديدات ناجمة عنه من جهة  ثانية، عبر إجراءات تحوّل الأمل إلى حقيقة، والقول إلى فعل بعيداً عن الشعارات الرنانة مثل تخفيف الديون، وإقرار تدابير أكثر جرأة لتمكين البلدان النامية من مواجهة الأزمة بفعالية، والحؤول دون أن يتحوّل الركود العالمي إلى كساد عالمي مماثل لكساد 1929..

من هنا يجب أن تعمل القمة على تعزيز وتأكيد روح الفريق العالمي، والأسرة البشرية الواحدة، لا سيما أن المخاوف الكونية الجسام لا تقابل فرادى بل جماعات ومؤسسات لإدارة التحديات الصحية والاقتصادية، فالعالم مترابط للغاية، وأثبتت جائحة كوفيد – 19 أحقية وجدية هذا الترابط لهذا فإن هناك حاجة إلى العمل معاً، مع احترام ظروف وتقاليد مختلف البلدان.

أضف إلى أن مناقشة إصلاح منظمة التجارة الدولية، تأتي في صلب المهام بعد أن واجهت المنظمة الكثير من المشاكل مع كورونا، وأثبتت ضعف إجراءاتها وقوانينها. بالإضافة إلى مناقشة الحرب التجارية بين الدول، وارتفاع ديون الدول الفقيرة إلى أكثر من 250 بالمئة من الناتج المحلي العالمي.

بالتالي فإنّ أنظار العالم تتجه إلى قمة قادة دول مجموعة العشرين خاصة في ما يتعلق بالقرارات التي قد تصدر عنها، بينما يرى خبراء أن “هناك العديد من التحديات أمام القمة، خاصة في ما يتعلق بأوضاع الدول الفقيرة ومعالجة أزمة الديون”.

وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي، أن “وباء كورونا أثر على الاقتصادات كافة وبشكل أكبر تأثير على البلدان النامية والفقيرة”، إذ “تأثرت الفئات الضعيفة والمحرومة، بما في ذلك النساء والشباب والمجتمعات منخفضة الدخل”، بحسب مجموعة العشرين.

وبالتالي، هناك مسؤوليات كثيرة تقع على عاتق الدول الكبرى، كالتنازل عن بعض الديون ودعم الاقتصاد، ودعم التجارة الإلكترونية، والعمل على تخفيف بعض الإجراءات، وضمان سلاسل الإمداد.

إذاً قد تكون قمة العشرين في الرياض هي آخر طاقة نور وأمل أمام العولمة لإثبات أهميتها وفاعليتها وخدمتها للبشرية، وربما تبقى مسألة اللقاح الخاص بكورونا هي اختبار العولمة الحقيقيّ، من خلال توفيره بأسرع وقت وبأكبر كمية، وتوزيعه على بقية أرجاء الكرة الأرضية بثمن يعادل تكاليف إنتاجه وليس أكثر، بل ومساعدة الدول والشعوب الفقيرة في الحصول عليه، وعدم اعتباره فرصة ربحية، بل فتح نافذة على الآخر المجروح في إنسانيته، بهدف استعادة الروح الإنسانية السليبة في دروب الرأسمالية المتوحشة.

*إعلامية.

(جريدة البناء)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.