مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

محور السبت 19 من حرمون .. وليد المعلم قائد الجيش الديبلوماسيّ السورية المحترف دفاعاً عن سورية (جزء 2)

غداً جزء ثالث واخير

تقديم ناشر ومؤسس موقع حرمون

الكاتب الإعلامي هاني سليمان الحلبي

تنسيق وإعداد فادية محمد عبدالله – ربى يوسف شاهين – فاطمة طاهر حمود – فاطمة فايز ملحم 

البقاء للأمة

أحرّ التعازي لسورية العروبة قيادة وشعباً

تغمّد الله الفقيد الكبير بالرحمة والرضوان

والبقاء للأمة.

      الوزير والنائب الأسبق عصام نعمان

بعد الجزء الأول، يستمرّ موقع ومجلة حرمون بنشر الإجابات والتعازي التي وصلته من الأصدقاء والمتابعين، وينشرها تباعاً.. هنا الجزء الثاني وغداً السبت الجزء الثالث والأخير..

وأجمعت غالبية الإجابات على اعتبار وزير الخارجية السورية الفقيد الكبير الدكتور وليد المعلم أسد الدبلوماسية السورية، مؤسس أكبر فريق دبلوماسي متمكن ومتماسك لم تنل منه الإغراءات والضغوط ولم تفككه الحروب والمواقف والأزمات، وأنه إرث يستحق الدراسة والتأمل، لاستكمال تأسيس المدرسة الدبلوماسية السورية الفريدة في العالم العربي، وربما في العالم أجمع، وهو جبل كقاسيون بهدوئه المستفز، لم يتزعزع ولم يضعف ولم ينحن.. وكل هذا مدعَم بمئات الفيديوات والوثائق.

هناك إجابة تفرّد بها السفير اللبناني الدكتور هشام حمدان، وبعد إرسالها سألني إن كنت سأنشر الردّ. فقلت بالتأكيد. ما دام ردكم ضمن أصول النشر وأصول الفكر والسجال فسأنشره، وهو واجب عليّ، كإعلامي وباحث ومناضل قوميّ، يهمني فحص الأفكار والمبادئ والاتجاهات لتكوين أوسع إجماع ممكن لتشكيل أكثرية كافية لانتصار امتنا، بل وأعد متابعي الموقع، إذا رغب الدكتور هشام، بحوار عميق جداً ومفصّل في اقرب وقت ممكن. وأعلم أن صدر القادة في سورية وصدور محبي الفقيد يتسع للنقد البنّاء إن توفر. وللعلم في كل ما نعمله لا نمدح أشخاصاً للمدح الصرف، بل اعتماداً على ما توفر لنا من معطيات للتقويم نرسم موقفنا واتجاهنا.

ووجّهت إدارة موقع حرمون فكرة المحور الـ 19 وسؤاله جاء فيها:

محور السبت 19 – من حرمون : ترجلت فجر اليوم قامة من القامات السورية ومحور المقاومة،،، المقاوم وزير الخارجية السورية وليد المعلم الذي كانت له بصمات واضحة في كافة المواقف المشرفة وخاصة مواجهة المؤامرات الدولية لتقسيم سورية. ويجب أن يذكر التاريخ السوري بكلمات من ذهب مواقفه المشرفة التي لا تعد ولا تحصى ومنها ما قاله السيد المعلم للمتآمر مع قادة العدوان الكوني دي ميستورا والذي يمثل جمعية الأمم المتحدة والذي اقترح وبكل وقاحة أن تتخلى سورية عن سيادتها عن أراضيها لتعطي الحكم الذاتي للإرهابيين في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها : “إن المقترحات التي طرحها دي ميستورا في شرق حلب مرفوضة جملة وتفصيلا”، وقوله لوزير الخارجية الأميركية الأسبق جون كيري “سيد كيري، لا أحد في العالم يعطي شرعية سورية إلا السوريون انفسهم”..

تعليقكم على هذا المصاب الأليم؟

مع الشكر

موقع حرمون”.

وتفضّل بالإجابة على سؤال محور السبت 19 من حرمون كل من:

من سورية: السياسي السوري الدكتور حسن مرهج، الإعلامي السوري الدكتور نواف إبراهيم.

من لبنان: أمين الإعلام في حزب الاتحاد خالد المعلم، المحلل السياسي الناشر سركيس أبو زيد، السفير الدكتور هشام حمدان.

من فلسطين: أمين عام الكتاب الفلسطينيين مراد السوداني، الكاتب والإعلامي حمزة البشتاوي، المحلل السياسي الدكتور محمد بكر.

 

متماسك كقاسيون في وجه الغزاة

مراد السوداني*

الكاتب الفلسطيني مراد السوداني

كان وليد المعلم رحمه الله واحداً من سدنة الدبلوماسية العربية، متماسكاً ثابتاً ثبات قاسيون في وجه الغزاة وأدواتهم السوداء والجراد الآدميّ.

قدّم نموذجاً مغايراً واستثنائياً دفاعاً عن سورية وسقف العروبة المنهوب، مؤكداً أن الحق سينتصر وهذه حتمية. فكان انتصار سورية، وهو واحد من سياقات الثبات والانتصار الأكيد.

*أمين عام الكتاب الفلسطينيين.

 

 

خط دفاع أول عن المصالح العربية والسورية

خالد المعلم*

ترجّل اليوم عن صهوة جواده الفارس المقدام السيد وليد المعلم وزير خارجية الجمهورية العربية السورية رجل المواقف الصلبة الذي كان رمزاً من رموز الثبات على المبادئ الوطنية والعربية الأصيلة وخط دفاع أول عن المصالح العربية والسورية أرضاً وشعباً، الرجل الذي كانت له مواقفه التي سيخلدها التاريخ دفاعاً عن وحدة الأراضي السورية وذوداً عن سيادة سورية على أراضيها في وجه الطامعين بتقسيمها من غرف سوداء دوليّة مستخدمة الجماعات الإرهابية لتنفيذ مخططاتها الدنيئة.

إن الراحل الكبير بقي حتى الرمق الأخير شاهراً سيفه في وجه كل متآمر على سورية وكان نعم السند لفلسطين على الرغم من جراح سورية الحبيبة التي بقي نبضها القوميّ نابضاً في الوقت الذي استسلم فيه آخرون.

نعزي أنفسنا ونعزي السيد الرئيس بشار الأسد ونعزّي سورية حكومة وشعباً آملين من الله أن يلهم أهله الصبر والسلوان وأن يدخله إلى جنات النعيم.

*أمين الإعلام في حزب الاتحاد. بيروت في 16 / 11 / 2020.

 

أسد الدبلوماسيّة السوريّة

حسن مرهج*

حقيقة الأمر، لا يُمكن اختصار هذا الرجل ببضع كلمات أو سطور، فهو قامة سورية وطنية، خبرت العمل الدبلوماسي وارتبط به لقب أسد الدبلوماسية السورية. وليد المعلم لم يكن رجلاً عادياً، فالرجل ومنذ بداية الحرب على سورية، اتخذ مساراً سياسياً ودبلوماسياً لوضع النقاط على الحروف، وتوصيف ماهية هذه الحرب الإرهابية التي أرهقت سورية والسوريين، ولطالما فضح ممارسات الغرب ونفاقه في سورية والمنطقة، وكلنا يذكر كلماته التي كانت تصدح في المؤتمرات الدولية، ليطبق بعد كلماته الصمت، وتشخص العيون في انتظار تعليقاته الساخرة ضد من شنّ الحرب على سورية.

د. حسن مرهج

وليد المعلم الذي قال ذات مرة وفي أحد الاجتماعات الدولية “إرهاب محمد عبد الوهاب وسيد قطب يُهدّد العالم العربي من تونس إلى سورية”، وقال أيضاً “من يتحدّثون عن التغيير في سورية لا يملكون تحقيقه”، فالرجل كان واضحاً في توصيفاته السياسية ورسائله العميقة ضد الجميع، حتى فرض احترامه على الأعداء قبل الأصدقاء.

لا شك في أن هذه القامة الوطنيّة السوريّة، تعرّضت مثلها مثل باقي السوريين الوطنين الشرفاء، إلى الكثير من الإغراءات المادية من قبل محور العدوان، لكنه بقي صامداً وشامخاً كجبل قاسيون، وبقيت سورية في قلبه ووجدانه الوطني، مدافعاً شاهراً سيف الحق في وجه أعداء سورية.

ورغم كل الأعاصير السياسية التي هبّت على سورية، إلا أن الرجل بقي كسورية شامخاً، تحرّكه وطنيته السورية الخالصة، فكان مثالاً للأخلاق والرجولة والوطنية والكرامة، ولا شك في أن رحيله سيترك أثراً عميقاً في نفوس السوريين، إلا أن سورية تنبض بالشرفاء، وهناك الكثير من الدبلوماسيين الذين سيكملون الطريق السياسي والدبلوماسي مدافعين عن سورية وحقها، فجيش سورية الدبلوماسي كجيشها الوطني لا يُهزَم، ولا يُخترَق ولا ينكسر.

برحيل المعلم فقدنا رجلاً وطنياً وقامة سورية تنحني لها الهامات إجلالاً واحتراماً وتقديراً، وحقيقة الأمر أن هذا الرجل أعطى أعداء سورية دروساً في الأخلاق والكرامة والرجولة، حتى بات الرقم الصعب في الجسد الدبلوماسي السوري، وفرض احترامه على كل نظرائه الإقليميين والدوليين.

لا يسعنا في هذا المقام إلا بتوجيه أسمى آيات التعزية لأحبائه وذويه، ونعزّي أنفسنا وسورية والسوريين بوفاة هذه القامة الوطنيّة التي لامست النجوم بمواقفة الوطنية المشرفة.

وليد المعلم… لروحك السلام.

وستبقى سورية ولّادة للوطنيين الشرفاء.

*سياسي سوري.

 

إرث يستحقّ الدراسة والتأمل

سركيس أبو زيد*

المحلل السياسي سركيس أبو زيد

غياب وزير الخارجية السورية وليد المعلم خسارة لسورية ولمحور المقاومة كله. بخاصة أنه كان شخصية فذة ومتميّزة، جمع ما بين الثوابت الوطنية والثوابت القومية ومعرفته بتاريخ سورية وأهميتها وموقعها الجغرافي المميّز.

كان يدرك بعقله الاستراتيجي موازين القوى، وحدود التحرك وتوقيته. من هنا كان يجمع بين هذه الرؤية الاستراتيجية وبين المتطلّبات المرحلية التي كان يأخذها في مواقفه، وجمع بين التمسك بالثوابت والمواقف الثابتة وبالدبلوماسية، ومراعاة التغيرات والتحوّلات التي تحدث على المستوى العالميّ.

من الواضح أنه كان رجلاً مثقفاً وملمّاً بالبعد التاريخي والجغرافي والاستراتيجي، وفي الوقت نفسه يدرك المعلومات التفصيلية لرغبات الدول الفاعلة في المنطقة ومصالحها وتوجهاتها، لهذا السبب كان قادراً على أن يصيغ الموقف بكثير من الحكمة التي تراعي الواقع التاريخي والجغرافي لسورية، ويأخذ بعين الاعتبار موازين القوى وقدراتها، والتمسك بالثوابت التي لا يحيد عنها.

أعتقد أنه جمع كل هذه الأبعاد بشخصه وبمواقفه، لهذا السبب فرض احترامه على أخصامه وعلى أصدقائه، وكان متميزاً بإدارته لوزارة الخارجية مدة طويلة من الزمن..

إنه خسارة لا تُعوّض ولكنه ترك إرثاً يستحق الدراسة والتأمل..

 *ناشر وإعلامي ومحلل سياسي من لبنان.

 

التاريخ وحده يحدّد صوابيّة نهجه

د. هشام حمدان*

السفير الدكتور هشام حمدان

تعابيركم الواردة تعني أنه يجب أن نمتدح الغائب رحمه الله. هي تبدو محاولة مجدداً لشدّ العصب الى جانب الفريق الذي كان يمثله الراحل الكريم. بهذا المعنى، أعتذر عن أي ردّ، فأنا أترك للتاريخ أن يحدّد صوابية ما قام به. فالمسألة ليست بالعبارات التي رفعها بوجه هذا وذاك بل بالسياسة العامة التي كان جزءاً منها وأوصلت سورية إلى حالتها. رحم الله (الرئيس السوري) حافظ الأسد على كل أخطائه فهو أدرك أن ألف عدو خارج العتبة ولا عدو داخل البيت. وللمعلومات أنا السفير د. هشام حمدان كتبت رسالة عام 2013، إلى صديقي د. فيصل المقداد احذر فيها من “الانزلاق الى لعبة الدول. سورية هي التي تبقى حبي وهي فوق الأشخاص. الأشخاص يغيبون ولكن سورية باقية، أنا أسالكم بضميركم هل هذه سورية التي كنتم تريدونها؟”.

*سفير لبنانيّ.

 

وليد المعلم.. دبلوماسيّة القوة والأمل

حمزة البشتاوي*

المحلل السياسي حمزة البشتاوي

رحل منتصب القامة صاحب الشخصية المتواضعة والعنفوان الأصيل وهو الذي تميّز بحضوره الرقيق كالياسمين والشامخ كقاسيون، رحل صاحب الدبلوماسية الرشيقة الواعية لمفاهيم وطبيعة الصراع وبرحيله فقدت الشام وفلسطين مدافعاً صلباً يمتلك القناعة الكاملة والإيمان المطلق بحتمية الانتصار.

وانطلاقاً من هذا الإيمان كان يقدّم دروساً في السياسة الهادفة والراقية التي تعكس روح المقاومة وثقافتها من خلال الالتزام والهدوء الكثيف والأدب الرفيع والاعتزاز بالثقافة والتاريخ. وامتلاك اليقين والأمل من دون كلل أو ملل واعتباره أن الحق بغير القوة ضائع والسلام بغير مقدرة الدفاع عنه استسلام وللراحل الكبير مواقف كثيرة تجاه وطنه وأمته. وفي مسيرته مؤلفات عدة، منها كتاب بعنوان: “فلسطين والسلام المسلّح”، حيث تحضر فيه فلسطين وقضيتها كأولوية ثابتة في صميم السياسة السورية بما يليق بفلسطين ومكانتها الهامة والمميّزة في النضال والكفاح الدؤوب والمستمر بمواجهة الاحتلال والإرهاب.

وقد حدّد المعلم ورسم سياسة سورية الخارجية تجاه أي نظام في العالم بناء على موقف هذا النظام من القضية الفلسطينية وحقوق شعبها الثابتة والكاملة، وأكد دوماً على التزام سورية بدعم القضية الفلسطينية وعدم التخلي عنها رغم كل الحروب والحصارات والتهديدات حتى يحقق الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وكان يؤكد دوماً على اعتبار هذه المواقف هي جزء أساسي من ثوابت السياسة الخارجية السورية وهي ثوابت لا يمكن المساومة عليها. وفلسطين كما كان يقول هي البوصلة التي لن نحيد عنها مهما حاول الأعداء من كل حدب وصوب. وكان يذكّر دائماً بمبادئ سورية الراسخة في صون القضية الفلسطينية التي كانت موضوعاً رئيسياً في كل لقاءاته وكان يقول لضيوفه إن سورية قيادة وشعباً كانت وستبقى مع فلسطين وإذا أردتم أن تكونوا مع سورية كونوا مع فلسطين ولا تتركوا أي منبر أو مناسبة إلا وتتحدثوا فيهما عن فلسطين.

ووفاء له ولسورية ستبقى راية الفداء والعودة والتحرير مرفوعة من أجل فلسطين التي فقدت برحيله دبلوماسياً عريقاً وقائداً فذاً تميّز بالكلمة والاتزان وستبقى سيرته ومسيرته الحافلة بالعطاء والعمل الدبلوماسي المقاوم علماً ومعلماً ونبراساً للسائرين على الدرب.

وإذا كانت كلمات الرثاء القليلة ظالمة للشخصيات الكبيرة، فحسبها أنها محاولة للقول بأن وليد المعلم القامة السورية الرصينة والملتزمة ستبقى رغم الرحيل قنديلاً يضيء الدرب نحو فلسطين التي ستبقى قضية الشرفاء والأحرار في كل العالم.

*كاتب وإعلاميّ فلسطيني مقيم في لبنان.

 

دبلوماسي الهدوء المستفزّ

د.محمد بكر*

د. محمد بكر

وزير الخارجية السورية وليد المعلم لم يكن شخصاً عادياً على الإطلاق.. سياسيٌ من العيار الثقيل بأسلوب خاص وكاريزما خاصة.

كان طافحاً بالهدوء “المستفز” للخصوم، المستند إلى امتصاص الخطاب العنيف والردّ عليه بكلماتٍ مقتضبة لها دلالاتها السياسيّة العميقة.

عميد الدبلوماسية السورية استطاع أن يراكم مخزوناً سياسياً كبيراً من خلال تمثيله لسورية في بلدان كثيرة ولا سيما عندما كان سفيراً في الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً خلال فترة المفاوضات الإسرائيلية السورية، وكذلك حضوره السياسي والدبلوماسي الخاص في الملف اللبناني وفترة اتهام سورية باغتيال رفيق الحريري.

برحيل الأستاذ وليد المعلم تخسر الدولة السورية قامة سياسيّة موغلة في الحرفيّة وإدارة الأزمات السياسية تاركاً خلفه تلاميذ وأسماء مهمة في مجال العمل السياسي والسلك الدبلوماسي.

*باحث وأكاديمي.

 

اسمٌ على مسمّى

د.نواف إبراهيم*

المعلم مثالاً يحتذى في الأخلاق والإنسانية ونبراساً في النضال والانتماء الوطني الخالص.

د. نواف إبراهيم

طبعاً في البداية لا بد من أن نتقدم للوطن وللشعب السوري وللسيد الرئيس بشار الأسد ولأسرة الخارجية السورية ولذوي الراحل المغفور له وليد المعلم بأحرّ التعازي برحيل شخصية تاريخية فذة في تاريخ الحياة السياسية والدبلوماسية السورية.

المرحوم المعلم كان فعلاً اسماً على مسمّى على الصعيد الشخصي وكقامة سياسية ودبلوماسية سورية وعربية وحتى عالميّة حظيت باحترام الجميع لما كان يتحلّى به من قوة الشخصية والحنكة السياسية المعجونة بالقسوة تارة وبالليونة أخرى تقطع بينهما أحياناً روح الدعابة التي كانت في أحيان كثيرة توصل رسائل وتعبّر عن مواقف أكثر صلابة وجدّية من دون أن يعطي المجال للطرف الآخر أن يجد رداً مناسباً عليها بوقت يفهم فيه معانيها وكأنه ما أراد أن يوصله من دون السماح للموقف بأن يجتاز مرحلة المحادثة أو التفاوض إلى مرحلة الصدام. وهذه ميزة قلما تمتّع بها الكثير من السياسيين والدبلوماسيين العالميين وهي بحد ذاتها مدرسة في فن الممكن لتحقيق الصعب، وأحياناً كثيرة غير الممكن بفعل عوامل كثيرة في مختلف القضايا.

شخصيّة مليئة بالعلم والمعرفة والإنسانية والتواضع مثل شخصية المرحوم المعلم من الصعب أن تتكرّر بالرغم من أنه خريج مدرسة سياسية دبلوماسية عريقة يشهد لها التاريخ أنها حوت وتحوي فريقاً جابه العالم في مراحل تاريخيّة صعبة مرت بها سورية عبر الزمن.

في الحقيقة المرحوم المعلم أسس مدرسة سياسيّة ودبلوماسية ثبتت حضور الدولة السورية في جميع المحافل الدولية كدولة لها اعتبار لا يمكن تجاوزه في الملفات الإقليمية وحتى الدولية. وهذا أمر واقع لا يحتاج إلى تفصيل وتأكيد على ما ورد. وصمود سورية على الجبهة السياسية الدبلوماسية خلال السنوات العشر الماضية أكبر دليل على ذلك، لأن هذه الجبهة لم تكن أقل شراسة من القتال على جبهة الميدان، لكن الفرق أنها بأسلحة مختلفة وتتوازى مع الميدان العسكري بالقوة والموقف والاتجاه ومن دون نصر إحدى الجبهتين لا يمكن للأخرى أن تستمرّ. إذاً هي عملية توازن تحققها كل جبهة للأخرى في حال تراجعت في لحظة ما.

في عهد المرحوم المعلم أسست السياسة السورية لمرحلة انتقال تاريخي مليء بالأحداث والتغيّرات الإقليمية والدولية ظهرت بشكل جليّ في الحضور السوري اللافت والحكمة والتعقل والهدوء اللافت والمحيّر في التعاطي مع كل الأحداث التي تخصّ سورية ومحيطها الإقليمي وصولاً إلى كثير من الملفات الدولية التي أبدت سورية فيها رؤيتها، وأبدت رأيها فيها بما يخدم الأمن والسلم العالميين وخاصة في ما يخص قضية الإرهاب والذي طالب القائد المؤسس حافظ الأسد منذ زمن بعيد بتعريفه وتحديده لإيجاد صيغة توافقية دولية قانونية للتعامل معه كخطر محدق بالبشرية.

والمفارقة اليوم أننا لا ندري من أين نبدأ بأن نهنئ الشعب السوري العظيم والقيادة السياسية وعلى رأسها السيد الرئيس بشار الأسد بالذكرى الخمسين للحركة التصحيحية المجيدة أم أننا نعزّي أنفسنا والوطن برحيل قامة سياسية وطنية تركت كبير الأثر في نفوسنا وفي تاريخ سورية المعاصر وهو رحيل المغفور له وزير الخارجية وليد المعلم.

لقد كان وليد المعلم قائداً حقيقياً لما بات يعرف بالجيش الدبلوماسي السوري في الدفاع عن كيان الدولة السورية أمام جميع المحافل الدولية في وجه الحرب الإرهابية الشنعاء على سورية وفي وجه كل الضغوط التي رافقتها من الدول والكيانات الداعمة له. هذا الجيش الدبلوماسي المتمكّن كان رديفاً للجيش العربي السوري الذي قدّم أسمى وأعظم التضحيات مع حلفائه ضد الإرهاب الدولي على أرض وطننا العزيز.

من حقنا لا بل من واجبنا جميعاً أن نفتخر ونعتز بشخصية وطنية كبيرة كهذه رفعت رأسنا وعلت من شأن الوطن في كل مكان تواجدت فيه للدفاع عنه، ونحن نؤكد أننا سنبقى الرديف لكل حلقات النضال الوطني السياسي والدبلوماسي والإعلامي وحتى الميداني لمتابعة رسالة شهداء الوطن وكل شرفائه الذين غادرونا إلى دنيا الحق فلتبقَ أرواحهم مطمئنة أننا سنتابع المسيرة حتى النصر إن شاء الله تعالى نستمدّ القوة من وطننا وجيشنا وشعبنا وقائدنا السيد الرئيس بشار الأسد ومن كل شريف في هذا الوطن.

المرحوم المعلم دخل التاريخ من أوسع أبوابه والحديث يمكن أن يطول إلى أبعد حد عن مثل هذه القامة التي تركت بصمات نضالية كثيرة هامة في تاريخ السياسة الدبلوماسية السورية وخاصة في فترة السنوات العشر الأخيرة، عندما بدأت الحرب الإرهابية على سورية وهو الذي تعرّض لكثير من الضغوط والإغراءات بملايين الدولارات ليتخلى عن واجبه الوطني، لكنه أثبت أنه خارج كل هذه الحسابات غير الوطنية بمعنى أدق الخيانيّة التي سار في ركبها بعض المسؤولين الذي باعوا الوطن والقضية لقاء حفنة من الدولارات ولقاء وعود واهية بمناصب ومكاسب.

وهو الدبلوماسي العالمي الوحيد أغلب الظن الذي واجه مسؤولي الدول المعتدية على سورية وعلى رأسهم الولايات المتحدة بكل شجاعة وجرأة ووضع لهم حداً في التمادي على الدولة السورية في كثير من المواقف الحاسمة والصعبة ولا يمكن للعالم وللتاريخ أن ينسيا ما قاله لوزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق جون كيري محذراً له بأن سورية لا يمكن أن ترضخ لأي ضغوط ولن تركع وأن الشعب السوري هو صاحب الشرعية في منح أو سحب الثقة من حكومته أو قيادته السياسية وهو مَن يقرّر مصيرها لا أحد آخر في العالم.

الأكثر من ذلك أن رحيل المعلم جمع السوريين داخل وخارج الوطن على قلب واحد وعلى حب الوطن .وهذا ظهر بشكل كبير جداً على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ليرى العالم هذا الكم الهائل من السوريين الوطنيين والعرب وحتى الأجانب على المستويات الشعبية والرسمية لم تستطع أن تغفل أو تتغافل عن الحضور الكبير لهذه الشخصية في التاريخ السوري، وحتى على نطاق أوسع. فعلاً كان صورة مشرّفة لسورية في أي مكان حلّ به ولولا أزمة وباء كورونا لشهدنا أن الشعب السوري بكبيره وصغيره ومن كل أنحاء البلاد يشارك في وداعه إلى مثواه الأخير… هؤلاء هم العظماء لا يموتون بل يرحلون وتبقى ذكراهم وذكرى أعمالهم الطيّبة خالدة في النفوس وتزيّن التاريخ.

هو خسارة كبرى للوطن إلا أن الموت حق، له رحمة الله الواسعة فقد أدّى الأمانة ولنا وإياكم الصبر على قضاء الله وقدره، وعزاؤنا في الجيش الدبلوماسي السوري الذي يكمل مسيرة النضال والقتال على الجبهة الدبلوماسية السياسية حتى تنتصر سورية وحلفاؤها على قوى الشر والطغيان والعدوان.

* باحث وكاتب وإعلامي سوري مقيم في موسكو.

عظم الله اجوركم برحيل الوزير وليد المعلم

تعازي لسورية وشعبها

الصحافي الباحث قاسم قصير

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.