مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

طارق سليم الداوود بحوار خاص لـ حرمون: إنقاذ لبنان مما يتخبّط فيه ممكنٌ وواجبٌ وطنيٌ وفرضُ عين على كلّ مواطن

لا حل للنازحين السوريين إلا بالتوافق بين لبنان وسورية على تحقيقه.

أفخر أن يكون والدي أحد أبطال الاستقلال وواحداً من 3 نواب شرفاء تميزوا عن كل الطبقة السياسية اللبنانية برفض التوقيع على اتفاق 17 أيار وواجهوه حتى إسقاطه قبل الذكرى السنوية الأولى لتوقيعه.. ونحن على هذا الصراط المستقيم مستمرّون..

أقول للسياسيّين اللبنانيّين تعالَوا عن تحاصصاتكم لنبنيَ دولتنا عصريّة ونؤلف حكومة قويّة حرّة من عُقد تفجيرها، نلتفّ حولها جميعاً كشعبٍ واحد بخطة طموح..

تقديم وحوار ناشر ومؤسس موقع حرمون

الكاتب الإعلامي هاني سليمان الحلبي

 

شاب معطاء، إلى جانب حسن السيرة كفه نظيفة من دم ومن مال حرام. يطالعك ببسمة لطيفة تعبر عما في قلبه من ود وعما في روحه من انفتاح.

لا يخفي فخره بتاريخ أسرته، سيوف سليلة ماضية عندما يرتفع النداء، وأرواح منذورة للوغى متى حل الفداء. وربما صدقها وانتماؤها وفخرها بهما أفقداه الكثير. لكنه لم يفقده عزها ورضاها عن نفسها وما أعطت.

لكنه لم يركن إلى روح التاريخ وكفاه ربه شر الكفاح، تعلم، تثقف، وفي كل يوم يتعلم ويتثقف في مدرسة الحياة عبراً ودروساً ويرى فاسديه بلاده في أي شرٍّ يتقلبون، فيقطف ويتعظ!

نائب الأمين العام حركة النضال اللبناني العربي القيادي طارق سليم الداوود ضيف موقع ومجلة حرمون، نفتتح حوارنا الوثيقة معه بترحيب وبسمة متبادلة، وإذ نسأله عن تاريخ أسرته وموقفه منه يقول: “لأمانة التاريخ. محطاته هذه من أعز وقفات العز على قلوبنا. نرفع رأسنا عالياً به ويشكل دليلاً دامغاً على التمسك بمنطق السيادة الوطنية اللبنانية في كل الظروف. وإن كنا سياديين في وطننا فلا يعني أن نفرط في انتمائنا المشرقي الشامي السوري والعربي”.

وعن نهجه الوطني الاجتماعي السياسي إن كان سيجدد او سيختلف عما فعله سابقوه، يشدد على أنه “تاريخ مشرّف أرفع جبيني به على الدوام. وآمل أن أحافظ على مجد ما فعلوه”.

وحول موقفه من حراك الإصلاح الذي فجرته مظاهرات 17 تشرين الأول 2019 يرى انه تم خطفه من “قوى طائفية سياسية داخلية حاولت تجييرها لحسابها الفئوي والجزئي والمناطقي والطائفي، فما نحن نحتجّ عليه أخذنا نقع في المحظور نفسه. فأصبح الفاسد يريد إصلاح النظام، ولكن لم يقل لنا ممن يريد إصلاح النظام؟ بينما إصلاح أي نظام يعني محاكمة الفاسدين وكف أيديهم في الحد الأدنى ومحاكمتهم بالقوانين الناظمة قوة النظام العام في هذه البلاد”.

ويؤكد ما يجعله قاعدة ذهبية لعمله السياسي أننا “نريد نظاماً لا نتسوّل من طغاته وفاسديه حقوقنا ووظائفنا ولا نعبد فيه الأشخاص النافذين، بل نعبد فيه رب عالمين واحد وننتمي لوطن واحد إذا اعتز هنئنا وإذا افتقر تعسنا. نعزّه ونحميه فيحمينا ويصوننا في حياة وطنية واحدة لنا جميعاً. هو لبنان الجديد الذي نريده. فتعالوا نصنعه معاً”.

وفي الحوار المفصّل باقة من المواقف والوقائع والوثائق والتفاصيل..

 

*ممكن تعريف زوار ومتابعي موقع ومجلة حرمون بتاريخ آل الداوود الوطني؟

اعتمدت أسرتي آل الداوود على نهج وطني تجلّى في مواجهة الاحتلال التركي العثماني والانتداب الفرنسي، ورفض الخضوع لإرادتهما المطلقة في ظلم البلاد والعباد. خلال هذه السيرة التاريخية برز الكثيرون من أسرتي على مدى أجيال عدة، منهم أحد جدودي وكان اسمه محمد ذكرتْ عنه واقعة مدوّنة وموثقة تاريخياً عن علاقة عدائية بين جدي محمد وبين العثمانيين، فكانوا ينتظرون نضوج مواسم القمح وحصاده ليغزوا البيادر في منطقة الوعرات قرب البلدة حلوى ليحرقوا أكداس الغلال. ما يدل أن للعثمانيين تاريخاً مهولاً في الإبادة وحرق الغلال، وليست بدايته في حقول الحسكة صيف العام 2020. وحار العثمانيون في كيفية الإيقاع به، فوجدوا طريقة باستدعائه للشوف. ورتبوا المكيدة مع مَن استدعاه وسلّمه تسليم اليد فاقتيد مخفوراً إلى الآستانة وتمّ سجنه فترة، لكنه تمكّن من الهرب من سجنه. وتفاصيلها تكاد لا تصدّق. لكنها حقيقة موثقة ولو مؤسفة.

النائب الشيخ نسيب الداوود

هذا غيض من فيض ويدلّ على رصيد حلوى وآل الداوود التاريخي والوطني الذي لم يبدأ مع مواجهة الفرنسيين ولا الأتراك بل قبلهم بكثير، فهو تاريخ مستمر وربما لم يسعف الأجيال السابقة التدوين لتواكب البطولات والمآثر.

وكذلك برز المرحوم جدّي نسيب الداوود في قرية حلوى ومنطقة راشيا، خلال العشرينيات من القرن الماضي وبخاصة في فترة الثورة السورية الكبرى، خلالها (عام 1926) دارت معركة حلوى التي ألحقت بالفرنسيين خسائر كبيرة، فجرّدوا حملة لاحتلالها، لكن المدافعين عن حلوى وكان على طليعتهم جدّي نسيب وعمّي شكيب، دافعوا بشراسة. وبسبب قلة الذخائر استخدموا تكتيك القنص، بحيث ممنوع إطلاق طلقة من دون ضمان قتل العسكري المستهدَف لتعطيله عن القتال. استمرّت المعركة 9 ساعات متواصلة. وأسفرت عن شهيدين و4 جرحى من أهلنا المدافعين عن بيوتهم وأرضهم وعِرضهم، بينما خسر الغزاة الفرنسيّون عدداً كبيراً يفوق العشرين مهاجماً وقد يصل الى 60 بين قتيل وجريح. ومعظمهم من الشركس الذين كانوا أبرز شريحة مرتزقة للجيش العثماني ومن بعده للجيش الفرنسي حينذاك.

وكانت حلوى مركزاً هاماً للدعم اللوجستي للثورة، فمثلاً كان أحد قادة الثورة في لبنان المرحوم شكيب وهاب مقيماً في حلوى بشكل دائم خلالها مع مجموعة كبيرة من الثوار وينالون كل الدعم من إقامة وغذاء ومبيت وشرب وتسليح وتذخير طيلة فترة الثورة. وخلال المعركة المذكورة آنفاً صادف خروجهم في مهمة بعيدة عن البلدة. فخسر المدافعون جهدهم ودعمهم إلى جانبهم.

في كل حال جرّ الفرنسيّون ذيول الهزيمة واضطروا إلى لملمة قتلاهم والانسحاب في آخر النهار الدموي..

وبعد هذه المعركة أتى جدي نسيب صديق من آل سكاف من بلدة الزبداني او بلدة بلودان، كان على علاقة مع الفرنسيين ويساعد الثوار، فأخبره أن الفرنسيين يجهّزون حملة كبيرة ضد حلوى للثأر منكم ومن أهلها، فإذا كنتَ قادراً على الصمود فابقَ أو أخلوا الضيعة قبل مداهمتها. تدارسوا الوضع وقرّروا الإخلاء بسبب قلة الذخائر والأسلحة وحقناً لدماء عزيزة. وانقسموا قسمين: قسم التحق بالثورة في منطقة جبل الشيخ كان على رأسه جدي نسيب مع العشرات من معاونيه إلى قرية قلعة جندل في إقليم جبل الشيخ للانضمام فعلياً وميدانياً إلى الثورة السورية الكبرى إلى جانب قائدها العام سلطان الأطرش.

وقسم من الأهالي غالباً انتقلوا إلى بلدة ينطا المجاورة. وبعد مغادرتهم قرية حلوى أتى الفرنسيّون واحتلوها وحرقوها كاملة.

ولكن كان العسس الفرنسي قد رصد انتقالهم إلى قلعة جندل وبعد استكمال معلومات إقامتهم وتحديد مكان إقامتهم والبيت الذي تمركزوا فيه فأغارت عليه الطائرات الحربية الفرنسية ودمّرته.

وفي تلك الفترة كانت نشطت تسويات لمعالجة الثورة وتسارعت مفاوضات عدّة، شملتهم نتائجها فعادوا إلى البلد المحروقة والمنهوبة من كل محتويات بيوتها، ليبنوا من جديد.

وفي عام 1936 كان جدي المرحوم نسيب الداوود أول نائب للمقعد الدرزي عن راشيا وأول رجل دين درزي معمَّم يدخل مجلس النواب عضواً منتخباً فيه.

أكمل هذه المسيرة وفق القيم الوطنية والتوحيدية نفسها ابنه سليم، أي المرحوم والدي، وجسّد تلك القيم في وقفات عز عديدة وكان لما يزل فتى وشاباً في ريعان العمر، فسطّر تاريخاً من النضال الوطني الطويل لحماية لبنان وعروبته.

 

*حبذا لو نأخذ لمحة عن دور أسرتكم في فترة الاستقلال وماذا فعلت لتحقيقه؟

– تروي مصادر تاريخيّة عدة إضافة إلى ما كان يرويه لنا والدي المرحوم النائب الأسبق سليم الداوود أنه كان صلة الوصل بين حكومة بشامون وسجناء الحكومة اللبنانية في قلعة راشيا، حيث ينقل الرسائل المرحوم عمي شكيب الداوود لطبيب أسنان من بلدة عين عرب كان يدخل القلعة ويسلّمها لضابط الدرك في راشيا واسمه عبد المنعم فواز، حيث كان حينها مخفر الدرك في قلعة راشيا قبل إنشاء السرايا الحكومية الحالية ببضعة عقود. ويدخل الرسائل الإخباريّة عن وضع البلاد العام خارج السجن. ويقال كانت الطريقة الأكثر استعمالاً لإدخال الرسالة في حبّات الكوسى المحشوّة بالأرزّ.

أحد أبطال الاستقلال الحقيقيين النائب الأسبق المرحوم سليم نسيب الداوود

وفي فترة انتفاض لبنان لتحقيق الاستقلال وحصول حراك شعبي يطالب به كان حاضراً دائماً في اجتماعات قادة الحراك الاستقلالي في بيروت في مرحلة الاستقلال. ووصل والدي إلى مرحلة التخطيط مع نعيم مغبغب لعملية ضد شخصية فرنسية كبيرة يُرجّح أنها المفوض السامي الفرنسي خلال زيارة له إلى مجلس النواب، ما اضطر رياض الصلح أن يبقيهما في غرفة مستقلة ويبقي معهما شخصاً ثالثاً لربما هو هنري حلو لعدم خروجهما من الغرفة خلال اداء الزيارة.

ومرويّة وثقها دولة نائب رئيس مجلس النواب النائب الصديق إيلي الفرزلي في كتابه الهام “أجمل التاريخ كان غداً” أن المرحومين جدي وأبي خطّطا لاقتحام قلعة راشيا لتحرير سجناء الاستقلال حينذاك، في ما لو طالت فترة السجن. وعرف بالخطة المرحوم نجيب الفرزلي فنصحهما بالعدول عنها، لأن لدى الفرنسيين خطة مقابلة في حالة تعرّضوا لاحتمال اقتحام القلعة تقضي باغتيال فوري لرئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح. فتوقفا عن تنفيذ الخطة.

 

 

 

*في هذه الحال كيف تفسّر موقفه في المواجهة السياسية العسكرية العام 1958، ضد تحالف كمال جنبلاط – جمال عبد الناصر؟ 

كان موقف سليم الداوود مرتكزاً على قاعدة ذهبية وهي أنه لا يجوز إسقاط لبنان عسكرياً، بحركة داخلية مدعومة من الخارج العربي، بل يمكن علاج أية قضية داخلية بالحوار الديمقراطي، ومن دون تدخل خارجي، إلى جانب دعم بدايات الثورة الفلسطينية الآخذة في التكوّن والتبلور شعبياً وعسكرياً داخل المناطق المحتلة في فلسطين وحولها. فالتدخل الخارجي يزيد من حدة الانقسام الداخلي وتبطل السياسة مع عسكرة الحياة العامة. ولما بدأه عبد الناصر عارضه والدي وعارض مَن والاه حينذاك.

 

*تُسجَّل للمرحوم والدكم سليم الداوود مأثرة وطنية برفضه انتخاب المرشح لرئاسة الجمهورية في صيف 1982 بشير الجميل، تحت ظل مدافع الدبابات الإسرائيلية في المدرسة الحربية في الفياضية، التي كانت تحتل لبنان. ما تعليقكم؟

لأمانة التاريخ. هذه من أعز وقفات العز على قلوبنا في الأسرة وفي قلوب عارفي المرحوم والدي النائب الأسبق سليم الداوود. نرفع رأسنا عالياً بهذا الموقف ويشكل دليلاً دامغاً على التمسك بمنطق السيادة الوطنية اللبنانية في كل الظروف. وإن كنا سياديين في وطننا فلا يعني أن نفرط في انتمائنا المشرقي الشامي السوري والعربي.

 

*يحضرني اتفاق الإذعان، 27 أيار، كما وصفه الرئيس السوري حينذاك حافظ الأسد، ما هو موقف المرحوم سليم الداوود منه؟

في الوثائق التاريخيّة المثبتة أن المرحوم والدي النائب السابق سليم الداوود صوّت ضد اتفاق 17 أيار المذل، وكان أحد ثلاثة نواب فقط واجهوا الاتفاق علناً وبشكل مباشر، والنائب السابق نجاح واكيم والنائب السابق زاهر الخطيب. كانوا أبطال المواجهة الظافرة.

هكذا كان والدي من أوائل الرافضين لأي مفاوضات ثنائية بين لبنان وكيان الاحتلال، بخاصة ان تلك المفاوضات كانت تعقد بين جيش احتلال ودولة لبنانية تم احتلالها ومحاولة فرض الشروط عليها. وانعدام التوازن بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي، ينفي صحة وصف ما جرى بين الوفدين بالمفاوضات، والدليل موافقة الوفد اللبناني على شروط مذلة في ما يعني انتشار الجيش اللبناني على الحدود المحاذية للاحتلال، ونوعية تسليحه ومسافة ابتعاد السلاح الثقيل عن الحدود وغيرها من التفاصيل. ما يثبت دقة وصف الرئيس الأسد الأب للاتفاق. ولم يطل عهد الذل حتى تم إسقاط الاتفاق قبيل الذكرى السنوية الأولى لتوقيعه.

 

*هكذا بماذا نوجز القواعد الأساسية للنهج النضالي الذي أسسه المرحوم سليم الداوود وتحمّل الأمانة ابنه النائب الأسبق فيصل؟

كانت حماية منطقة راشيا، تحت كل ظرف وحال، محلي او إقليمي، منطقة راشيا بأهلها كافة، بتنوّعها الجميل والغني، بمن يؤيد والدي ويقترع له ويمن يعارضه، هدف جوهري في كل عمل قام به النائب الأسبق سليم الداوود. وكان يفخر بانتمائه لها وبكونها نائباً عنها. هكذا جمع الشمل، إبعاد أية فتنة أهلية او أية بادرة انقسام بين اهلها، وبخاصة تنقية الماضي الطائفي والتحارب البغيض، وتركيز أسس التفاعل الدرزي – المسيحي – السني – الشيعي نهج حياة مشتركة للجميع يعملون قلباً واحداً ويداً واحدة.

حفظ الأمانة مستمرّ من النائب الأسبق فيصل الداوود إلى طارق الداوود

ولم يجد أوفى من التمسك بالقيم المعروفيّة التوحيدية سلوكاً ونهجاً لسياسته، بحفظ الإخوان اجتماعياً وسياسياً وحقوقياً، وتوحيد الناس وصيانة اللسان والأهل والشعب ووحدة قلوبهم على الخير العام، ما بلور نهجاً سياسياً تميّزه معايير محددة جامعة شكلت روح النظام التأسيسي لحركة النضال اللبناني العربي، التي أشرف على انطلاقتها من باحة مبنى بلدية راشيا السابق، في اواسط ثمانينيات القرن الماضي، امتداداً لتشكيل أول فصيل سري مقاوم بقيادة أخي فيصل ضد الاحتلال الإسرائيلي في راشيا مهّد لبلورة تشكيل حركة النضال وروحيتها الوطنية.

وبعد غياب الوالد حمل الراية الوطنية الابن البكر اخي فيصل، وتولّى الأمانة العامة في حركة النضال، ومنذ أوائل التسعينيات استعاد المقعد النيابي الدرزي في راشيا والبقاع الغربي لدورات عدّة متتالية، وطيلة أكثر من ثلاثة عقود أبدى سلسلة من وقفات العز المشهودة في أكثر من مجال وطني وسياسي وطائفي، منها المساهمة في أعمال المقاومة ودعمها، حتى إنجاز التحرير، الضغط لتكوين مجلس مذهبي على أسس صحيحة، إنصاف منطقة راشيا والبقاع الغربي من الخدمات الهاتفية والمائية والكهربائية والتربوية ودعم أسر مستورة بلا تمييز من أهلنا في المنطقتين راشيا والبقاع الغربي طبياً وغيره، عبر مستوصف سيدات راشيا والبقاع الغربي، إنشاء ثانوية الفيصل النموذجيّة، المطالبة بحقوق أهلنا في الأوقاف الدرزية والعمل مع الشرفاء لتصحيح وضعها، مواجهة جريمة سوليدير التي أسفرت عن التهام حقوق الملاكين لقاء فتات لا يُسمن ولا يُغني عن جوع، مواجهة نهج الاستئثار السياسي والطائفي، التضامن المطلق مع الشقيقة سورية والمقاومة ودعم أهلنا في السويداء وإقليم جبل الشيخ ووادي التيم وفلسطين تحت أي ظرف..

وشهادة منّي للتاريخ أن ما فعله المرحوم جدي والمرحوم أبي وأخي الكبير النائب الأسبق فيصل هو سلسلة من وقفات العز أفخر بها، وتاريخ مشرّف أرفع جبيني به على الدوام. وآمل أن أحافظ على مجد ما فعلوه.

 

*لكون حلوى قرية حدودية محاذية لما يسمى الحدود بين دولتين. وتتوسّط عاصمتين غاليتين علينا، كيف تجلى هذا التوسط بينهما في نهج الأسرة والحركة؟

العلاقة الثنائية بين لبنان وسورية تاريخيّة ولا يمكن إلا أن تكون متينة، ولو أصيبت بين فترة وأخرى بانخفاض وتيرة. فمصالح البلدين مشتركة ومتبادلة. وكلما كانت العلاقة متينة حمت لبنان وسورية معاً. فلبنان هو الرئة الغربيّة لسورية وسورية عمقه المشرقي العربي التاريخي. لهذا العلاقات بين البلدين قدر لا مفرّ منه ولا مفر من كونها متميّزة بطبيعة التاريخ والجغرافيا ودورة الحياة الواحدة. أما ما نشهده حالياً هو غير طبيعي من العناد ومكابرة في تكريس الانقسام وتضخيم حالات العداء والفصل الحاد المدمّر. لكن كل هذا طارئ امام سرمدية دورة الحياة الطبيعية في بلاد الشام التاريخية، لأنه مخالف لقانون الحياة الطبيعية والسياسية ونواميسها. واول قانون لهذه الحياة توجزه هذه القاعدة: لم يستقر لبنان إلا عندما استقرت علاقته بسورية، والعكس صحيح. وهذا الاستقرار هو مصلحة وطنية فعلية لسورية ولبنان. ونحن في منطقة راشيا بخاصة، وعلى الأخص لأهلنا الدروز فيها. فامتدادنا الاجتماعيّ الشعبيّ واسع في النسيج السوري اللبناني ومن مصلحتنا التاريخية الحفاظ على توازن العلاقة وقوتها بين البلدين الشقيقين الجارين منذ فجر التاريخ بلا انقطاع.

 

*استشراء الفساد والمحسوبيات والتحاصص وفقدان أية مقاييس عادلة في النظام السياسي الاجتماعي اللبناني ولّد مخاضاً اجتماعياً شعبياً عبر عن نفسه بمظاهر عدة. ونحن حالياً بعيد مرور سنة على يوم 17 تشرين الأول 2019 المشهود يوم احتشدت مئات الآلاف ترفض جور الحكومة وظلمها وإهمالها. ما موقفكم من الحراك ومن نتائجه؟

أسباب الحراك وفّرها النظام اللبنانيّ بحيث لم يترك فرصة لإصلاحه من الداخل من دون ضغط شعبي نتمنى ان يبقى سلمياً وديمقراطياً من دون التعرّض بأذى للأملاك الخاصة والعامة ولأرواح الناس. في النهاية هذا شعبنا وهذه دولتنا والناس أهلنا. وأين وقعت الجمرة أوجعتنا جميعاً. وأسباب الحراك الشعبي مشروعة ولا يمكن إن كان لدينا الحد الأدنى من الوطنية والانتماء والكرامة ألا نتحرك وندعم أي تحرك هادف الإصلاح من دون التعرض للأملاك والناس. أي إصلاح باقل الخسائر وأفضل النتائج. الحراك عبر عن وجع الناس ضد نظام طائفي لا يحميهم ولا يفكر بحياتهم ولا في مستقبلهم ومستقبل أولادهم. محصور اهتمامه بقلة من الكبار تتحاصص الوظائف والريوع وتحتكرها حتى يتسوّلها الناس تسوّلاً بينما هي حقوقهم السياسية والمدنية. وتوفيرها واجب على المسؤولين وليس منّة منهم. النظام الفردي الفئوي حاول رهن الناس لآلياته وقواه وضغوطه، بخاصة مع كونه تحالف الأقوياء الطغاة في طوائفهم الذين يتبادلون الدعم والحماية، مانعين أي تغيير او إصلاح.

ولكن هذا الواقع لا يمكن أن يكون قدراً أبدياً مع وجود شباب لبنان مثقف وواعٍ ويمكنه تنظيم نفسه بقوى نظيفة من الارتباط بالخارج وبالفساد الداخلي، فيبقى هو الرهان الوحيد والثقة المؤكدة بأننا لن نبقى أسرى نظام طائفي فئوي لا نحن ولا أبناؤنا من بعدنا وإن إنقاذ البلاد مما تتخبط فيه ممكن وواجب وطني وفرض عين على كل مواطن منّا.

 

*أستاذ طارق.. فشلت حركة الاحتجاج حتى الآن، لكنها أثمرت في أكثر من منحى، هكذا مع فشل العلاج الحكومي، صرنا في واقع فشل متبادل.. ماذا بعد برأيك؟

فشل حركة الاحتجاج الشعبي ناتج عن تفكيكها بين قوى خارجية وقوى طائفية سياسية داخلية حاولت تجييرها لحسابها الفئوي والجزئي والمناطقي والطائفي، فما نحن نحتجّ عليه أخذنا نقع في المحظور نفسه. فأصبح الفاسد يريد إصلاح النظام، ولكن لم يقل لنا ممن يريد إصلاح النظام؟ بينما إصلاح أي نظام يعني محاكمة الفاسدين وكف أيديهم في الحد الأدنى ومحاكمتهم بالقوانين الناظمة قوة النظام العام في هذه البلاد. غالبية الشعب متضررة من النظام الطائفي الفاسد والحزبي والفئوي الذي يرعى الفتنة ويؤبّد الانقسام ولهذه الأغلبية كل الحق في الإصلاح والتغيير وبحمايتهما من ثورة مضادة. وأول قاعدة إصلاحية ان نكون سواسية امام القانون بحقوقنا وواجباتنا فلا يكون بيننا تفاوت أو فاضل ومفضول إلا بمقدار خدمة بلدنا وشعبنا. بينما أن يبقى البلد والشعب رهينة الصفقات بين أمراء الطوائف وطغاتها فندفع الثمن في حال اتفاقهم بإسقاط الديمقراطية ويستسقون دمه في حال تحاربهم، فهذا ما يجب تغييره. وهنا دور الشباب الذي لا يقوم به عنهم أحد.

 

*تمكن الاحتجاج من إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري منذ سنة، وتشكلت حكومة الرئيس حسان دياب، التي استقالت إثر زلزال مرفأ بيروت وتدميره، وتوفرت ظروف ترشّح الحريري مجدداً. ما تتوقعون من الحكومة بعد التكليف والتأليف؟

طارق الداوود.. سياسيّ شاب واعد

نأمل التفاف الجميع حول فرصة تشكيل حكومة جامعة نسبياً وتشكل فرصة سلام أهلي وفرصة إصلاح إذا كان المعنيون جديين بالفعل، امام هول ما يعانيه اللبنانيون من جوع وفقر وأمام ما تعرّضت له بيروت من تدمير المرفأ وتدمير أحيائها التاريخية بانفجار بقوة نووية تم تصنيفها انها الأولى بعد قنبلة هيروشيما. والقوة النووية المدمّرة المستمرة لهذه البلاد هي الفساد ورعاته وعدم محاسبتهم، بسبب انتشاره وترسخه في النفوس والمؤسسات وأوساط شعبية عدة. فلولا الفساد لمَ تمّ شحن كمية النيترات وتم الاحتفاظ بها سنوات في مرفأ عاصمة مليونيّة وتخزينها بإهمال كل قواعد العمل المهني، والسكوت عن جريمة الشحن والتخزين والتغاضي!!

وكان أمامنا في منتصف تشرين الثاني الحالي مؤتمر للنازحين في دمشق، حضور لبنان بمستوى حكومي ورسمي كان موقفاً جريئاً وقومياً، وكان ضرورة للمشاركة في حل ملف النازحين ووضع العلاقة الأخوية بين البلدين على سكة العمران والإنتاج. ففتح خط التبادل التجاري الاقتصادي من بيروت إلى دمشق فبغداد هو شريان الإنقاذ الاقتصادي الفعلي وليس أي شريان آخر. وهذا ممكن في الواقع الراهن خلال الشهور المقبلة في مناسبة الانتخابات الأميركية وما سيليها من ظروف وتحديات وتطورات وفي أدنى حال حاجة الرئيس المنتخب لأشهر حتى يتسلم البلاد والملفات ويشكل إدارته الجديدة.

أقول للسياسيين اللبنانيين تعالَوا عن تحاصصاتكم لنبني دولتنا مجدداً ونؤلف حكومة قوية بأقل عدد ممكن من عقد تفجيرها، نلتف حولها كشعب واحد بخطة طموح، لإعادة البناء والإعمار والإصلاح ومحاكمة الفاسدين والمتورطين.

شرط نجاح الرئيس الحريري في التأليف هو وحدة المعايير في هذا التأليف، قاعدة واحدة أمام الجميع ومعهم والابتعاد عن الدويكا والترويكا وما إليها من ائتلافات رباعيّة وخماسيّة على أساس طائفي.. تحكم طوق العزل على النظام. العدل يمنع تعقد التأليف ويسهل عمل انطلاقة الحكومة وعملها. وفي حال التحاصص نحن لسنا مستعدين للتفريط بحصتنا.

 

*طرحت المبادرة الفرنسية ما سُمّي مبادئ إصلاح اقتصاديّ. هل يمكن بعد عجز النظام عن إصلاح نفسه أن يتم إصلاحه من خارجه؟

لا إصلاح مع هذا الطاقم السياسي. وما دام موجوداً في الحكم ونافذاً بمؤسساته فلا أمل لدينا بأي إصلاح. ولا إصلاح حقيقياً إلا بتغيير الطاقم السياسي كله وسن قانون انتخاب عادل يؤسس لدولة علمانية كاملة. وهذا يعني انتخاباً على أساس نسبي وخارج القيد الطائفي ولبنان دائرة واحدة. هذا أعدل الأنظمة الانتخابية الممكنة. يمنع إلغاء أية قوة او فئة، ويمنع التحاصص الطائفي بين الطوائف والاستئثار. وإنشاء مجلس الشيوخ لاطمئنان الطوائف إلى أنها فاعلة وفي حماية القانون والنظام لكنها لا تحكمه.

 

*عندما طرح أكثر من مرة إنشاء مجلس شيوخ، حصل تباين درزي أرثوذكسي حول الحق برئاسته..

في الطائف حين أقرّ إنشاء مجلس الشيوخ ليكون جامعاً للطوائف في لبنان، كان واضحاً أن رئاسته لدرزي، بشهادة أبو الطائف الرئيس حسين الحسيني. وإن حرمان الطائفة الدرزية حقوقها يعيدنا إلى النقطة الصفر، من تكريس التهميش والظلم.

 

*انعقد مؤتمر حول النازحين في دمشق وحضره لبنان وكان جال على المسؤولين في لبنان وفد روسي موسّع يحث الدولة اللبنانية على التفاعل مع المؤتمر والمشاركة فيه لحل النازحين. ما تعليقك؟

سورية دولة حريصة على أبنائها أكانوا موالين للنظام ام معارضين له ويرتضون الدولة والنظام العام وقوانينهما لتنظيم حياتهم. ومن حق سورية استعادة أبنائها الذين تشردوا بفعل الحرب على سورية. وليس من حق لبنان التمسك بالنازحين خلافاً لقواعد الجوار والمبادئ ومنع عودتهم واحتجازاهم إرضاء لأية دولة او محور سياسي. بل من مصلحة لبنان كمصلحة سورية تماماً بعودتهم إلى بيوتهم لإعمارها وإلى أعمالهم لتفعيل الإنتاج وضخ دم جديد في شرايين المجتمع السوري ودولته الشرعية. ولا حل للنازحين إلا بالتوافق بين لبنان وسورية على تحقيقه.

 

*ماذا تقول إلى الشباب اللبناني في الذكرى السنوية لحراك 17 تشرين الأول 2019؟

يا شباب لبنان الواحد الموحد العصيّ على الانقسام، المترفع عن الفتنة، ترفعوا عن الانتماءات الجزئية الفئوية الطائفية المناطقية، وتمسكوا بالانتماء الوطني الواحد للبنان حاضن كل بنيه. تمسكوا بالدولة المدنية العلمانية لأنها الحامي لكم ولأبنائكم من بعدكم، بها تضمنون عدالة توزيع الإنتاج وفرص العمل، وتنالون حقوقكم ويتوفر لكم القيام بواجباتكم ليكون لكم دولة وليكون لكم نظام صحيح تستحقون. لا نريد نظاماً يرعى الفوضى التي تستقي دماءنا كل يوم وبلا حساب ولا جدوى ولا معنى. نريد نظاماً لا نتسوّل من طغاته وفاسديه حقوقنا ووظائفنا ولا نعبد فيه الأشخاص النافذين، بل نعبد فيه رب عالمين واحد وننتمي لوطن واحد إذا اعتز هنئنا وإذا افتقر تعسنا. نعزّه ونحميه فيحمينا ويصوننا في حياة وطنية واحدة لنا جميعاً. هو لبنان الجديد الذي نريده. فتعالوا نصنعه معاً.

 

بطاقة الضيف المشترك طارق الداوود:

طارق سليم الداوود.

تولّد 18 تموز 1966 – حلوى – قضاء راشيا.

سليل أسرة عريقة في وطنيتها اللبنانية المشرقية، ترعرع في بيت سياسيّ على العمل الوطني والاجتماعي، حيث كان خبزه اليومي خدمة الناس وهمومهم.

بدأ دراسته في الكلية الإنجيلية في مدينة زحلة، وحيث أوجبت الظروف العامة خلال الحرب الأهلية العودة إلى حلوى تابع في مدرسة ينطا المجاورة.

تخرّج من الجامعة اللبنانية بإجازة في العلوم السياسية والإدارية.

النائب الشيخ نسيب الداوود وهو ينزل على درج مجلس النواب

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.