مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

محور السبت 17 من حرمون: من وعد بلفور إلى وعد ترامب وكيفيّة مواجهتهما.. طغيان أجنبي بلا شرعيّة يهدي أرضنا لمن لا يملكها.. والوحدة والمقاومة استراتيجية التحرير

نحن امة منكوبة بمعظم دولها وبمعظم أنظمتها وبكثرة أعدائها لكن كل هذا ليس قدراً محتوماً عليها

الجيوش الخزفيّة هي التي هُزمت، الأنظمة المزروعة رغماً عن إرادتنا القوميّة هي التي انهارت دمًى بيد أعدائنا لتحكم الحصار على ما تبقى فينا من حياة ومقاومة

الوحدة القوميّة والتماسك الاجتماعيّ المدنيّ الدينيّ الاقتصاديّ السياسيّ الفكريّ ومنهجيّة المقاومة بكل الوسائل المشروعة، والعسكريّة في طليعتها، هي السبيل الوحيد لوقف التراجع والتحرير

 

تقديم الكاتب الإعلامي هاني سليمان الحلبي

يختطّ موقع ومجلة حرمون نهجاً وطنياً قومياً في معالجة المسائل الوطنية القومية بصراحة واضحة ومعالجة منفتحة على الاتجاهات الفكرية السياسية الاجتماعية الاقتصادية كافة في محاولة لإعادة تكوين رأي عام فاعل في تصحيح المسار الوطني والعربي، بخاصة بعد لهاث التطبيع والاستسلام.

في هذه الحال تلحّ في وجدان الشرفاء أسئلة الوطن والمصير والوحدة والإنقاذ والتحرير. ولا بد من البحث في المشترك وتوسيعه لتكوين جبهة فاعلة ذات وزن وموقف في قضايا الوطن والأمة. إن لم تكن هذه قضية الإعلام بطلت له أية قضية وفقد كل قيمة جوهرية.

يشكل ما يُسمّى وعد بلفور جريمة موصوفة مكتملة الأركان. وعادة يعد بأمر مَن يحوزه ويملكه، ويفي بوعده من كان حراً نبيلاً. إذ كثر يعدون ويخلفون فيصبحوا عورة.

بلفور، الوزير البريطاني، موظف رسمي بريطاني، وليس له ان يَعِدَ ببريطانيا لأن طبيعة وظيفته لا تخوله ان يمثل أمته جمعاء، بل تسمح له بموجبات وظيفية محدّدة بالدستور والقوانين النابعة منه، فكيف لموظف أجنبي محدود الصلاحية في شؤون بلاده ولا يمكنه التصرف منفرداً بمصيرها أن يعد بفلسطين، وهو ليس قائداً فلسطينياً منتخباً، ومن باب أولى ليس فلسطينياً البتة، ولم يكلفه الشعب الفلسطيني، ولا أي فلسطيني أن يقرر مصيره عنه ليحق له أن يعد بفلسطين وبارض فلسطين!!

هكذا فرض الوعد المجرم بالقوة الغاشمة الباطلة، وما ينجم عن هذه القوة لا يتقادم في أي عصر من عصور المستقبل، ولكن لا قيمة لحق لا يتقادم إن لم تدعمه قوة الأمة في معارك التسويات.

وهذا الحق يضعف كثيراً، عندما يتنطّح سياسيون، إلى اتفاقات مذلّة مع العدو من تحت الطاولة ومن فوقها، وإلى تحقير الشرفاء والمقاومة ووصفها بالخيانة أحياناً، لأنهم يفوّتون على المتلهفين للتحلق حول طاولة التفاوض حيث يبيعون ويشترون ببضع قطع من تنك العدو، كل ما في بلادهم، غير آبهين بما يجنون ويرتكبون.

قيمة الحق هي بمقدار ما يعضده من قوة الأمة، قوة الفكر والخطط، قوة السياسة والمبادرات الوحدوية، قوة العسكر والتدريب والإعداد، قوة الفداء بوضع مصلحتها فوق كل مصلحة، قوة الترفّع عن تحسس الرؤوس الفردية طالبة سلامتها الجسدية الشخصية، بينما هي ملك أمة ومنذورة لقضية أعظم ما في الحياة.

بهذا الانهمام والامتلاء بهذا الإيمان وجّه موقع ومجلة حرمون فكرة محور السبت 17 وأسئلته إلى أصدقائه من قادة الرأي والسياسة والإعلام والمجتمع والقرار، كما في كل محور أسبوعي، فكانت الرسالة الآتية:

 

إعداد وتنسيق: فادية محمد عبدالله – ربى يوسف شاهين – فاطمة ملحم

 

“بعد أكثر من 103 أعوام على إصدار وزير الخارجية البريطانية اللورد أرثر جيمس بلفور وعده المجرم والمشؤوم لعميد أسرة آل روتشيلد اللورد ليونيل والتر دى روتشيلد، برعاية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. بحيث صح ما وصفه به أنطون سعاده وصارت قولاً مأثوراً “إعطاء مَن لا يملك لمَن لا يستحق”..

ورغم أن المعتدين (المجرم بلفور ومن أهديت إليهم فلسطين المنظمات اليهودية وقوى الضغط والوكالات الصهيونية) لم يطبقوا الوعد المشؤوم في ما يزعم بحفظ حقوق الجماعات الدينية والعرقية غير اليهودية وعد إلحاق أي ضرر بها، بل أسفر الوعد عن اغتصاب فلسطين وذبح اهلها واهل الدول المجاورة وسحلهم وحرقهم وتدمير بيوتهم واقتصادهم، بحيث تتجه الصهيونية إلى مركزة ثقل غرب آسيا بالكيان الصهيوني، باستخدامها الجماعات الدينية المسيّسة (بخاصة المارونية وبعض الأقليات في لبنان بدرجات متفاوتة – والسنية في بعض الدول كالأخوان المسلمين والوهابيين والتنظيمات الإرهابية – القاعدة – النصرة – داعش -…)، بعد تدمير الدول المجاورة وتفجير مرافئها ومرافقها الحيوية وإقفال حدودها المشتركة عبر الضغط على حكوماتها (العراق – سورية – الأردن – لبنان).

مواجهة وعد بلفور والجرائم المماثلة له (سايكس بيكو، صك الانتداب، سيفر، لوزان، وغيرها) فرض عين على كل شريف منّا، أينما كان وكيفما كان.

لذلك يتقدم موقع ومجلة حرمون منكم بـ:

  • ما هي الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى للوعد المشؤوم.

  • كيف واجهنا الوعد – الجريمة؟

  • ماذا حققنا؟

  • أين أخفقنا؟

  • ما هي القواعد القومية والدينية الاستراتيجية للمواجهة الحاسمة قبل انقراض أمتنا إن بقينا نتراجع كما حصل خلال المئة عام الفائتة؟

مع رجاء التعاون والالتزام بالإجابة خلال 4 أيام.

وتفضلوا احترامنا وتقديرنا

ناشر ومؤسس موقع ومجلة حرمون

الكاتب الإعلامي هاني سليمان الحلبي

بيروت – الاثنين 2 تشرين الثاني 2020″.

 

وأجاب على أسئلة محور السبت 17 من موقع حرمون، من لبنان نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، من فلسطين الدكتور غازي أبو كشك، الدكتور حسن مرهج، من سورية البروفسور ذو الفقار عبود، والإعلامية ربى يوسف شاهين، الصحافي والمحلل السياسي أمجد إسماعيل الآغا.

الشيخ علي الخطيب: دولنا المتناحرة وحروبنا بجيوش متخلّفة قيادة واستراتيجية وسلاحاً أفقدتانا صناعة النصر لولا المقاومة

1-الأهداف الاستراتيجية لوعد بلفور المشؤوم بإعطاء فلسطين كوطن قومي لليهود لتكون فلسطين أولاً، قاعدة متقدّمة للغرب لضمان سيطرته على ما يعتبره مصالح له في هذه المنطقة لما تمثله من موقع استراتيجيّ يسيطر على المضائق والممرات للتجارة الدولية وما تحويه هذه المنطقة من ثروات بترولية وغازية هائلة لا يمكنه من دونها الإبقاء على السيطرة وفرض إرادته على شعوب العالم.

ثانياً: إبقاء هذه المنطقة ضعيفة ومنعها من أن تملك قرارها وتستعيد سيادتها على أراضيها وثرواتها لأنه مسكونة بالواقع التاريخيّ الذي ما زال يؤرقها من السيطرة العثمانية على البحر المتوسط وطرقه أبواب ڤيينا وحروب البلقان التي لم يمرّ الوقت الذي يجعله ينسى هذا الواقع الأليم وما سبقه من سيطرة الفاطميّين وما شكّله ذلك من عقدة تاريخية للغرب لن يسمح بتكرارها بأي ثمن ونحن ندفع ثمن هذا الماضي.

ثالثاً: لأن فلسطين تمثل واسطة العقد في هذه المنطقة والسيطرة عليها يعني الفصل بين الدول العربية والإسلامية الآسيوية والدول العربية والإسلامية الأفريقية، وبالتالي منع التواصل والتعاون بينها لذلك كانت السيطرة عليها (فلسطين) يضمن إبقاءها (المنطقة العربية والإسلامية) تحت السيطرة.

رابعاً: إن السيطرة عليها يعني تحكم الغرب بالعالم لحاجته الى هذه الممرات والى هذه الثروات.

خامساً: التخلّص من اليهود وإخراجهم من الغرب واستخدامهم لتحقيق أهداف مشتركة فيحقق اليهود هدفهم في إيجاد وطن بديل لهم في مقابل قيامهم بهذا الدور الخبيث في الحفاظ على مصالح الغرب. هذه بعض الأهداف الاستراتيجية لوعد بلفور..

2 – و3: نحن، أي الشعوب العربية والإسلامية، كنا غافلين عن هذه المؤامرة، لأننا خرجنا من تحت السيطرة العثمانية وبلادنا وشعوبنا متخلفة، ولهذا فنحن لم يكن لنا وجود بالمعنى السياسي والظاهر. إن مصير منطقتنا رسمه الأوروبي مع العثماني. وأما الوعود التي أعطاها البريطاني لبعض العرب كالشريف حسين فلم تكن سوى تكتيك لطريقة تنفيذ هذه الاتفاقيات التي نعرف جميعاً مصيرها وأنها لم تكن سوى خدعة للعرب الذين استخدمتهم لتحقيق مشروع بريطانيا والوصول الى وضع يدها على بلداننا وتحت عنوان الانتداب ثم تحقيق وعد بلفور تحت عين ورعاية الانتداب البريطاني.

أما الحروب التي خاضتها ما تُسمى بالجيوش العربية فأنتم أعلم بأن هذه الجيوش تحت قيادة مَن وبأية استراتيجية وبأي سلاح، لتنتهي الى الانسحاب لصالح تحقيق المؤامرة وتشريد الشعب الفلسطيني.

لقد حاول الشعب الفلسطيني ان يواجه هذا الواقع مع تعاطف واسع من الشعوب العربية، ولكن الواقع كان أكبر من طاقاتهم ومُنيت كل هذه الجهود بالفشل وانتهت كل المحاولات باحتلال المزيد من الأراضي العربية. نعم كانت المحاولة الجادة التي خاضها الجيشان السوري والمصري التي أثبتت أن الجيوش العربية لديها القدرة والتصميم على القتال وتحقيق الانتصار اذا وُجد القرار السياسي.

إلا أن التحوّلات الدراماتيكية التي حصلت بعد الاجتياح الذي قام به العدو الإسرائيلي للبنان واحتلال بيروت والمقاومة الشرسة التي أبدتها القوى الإسلامية والوطنية قلبت المعادلة بعد الخروج المذلّ للمقاومة الفلسطينية من لبنان وخضوع بعض قياداتها لمنطق المساومات والضغوط الأميركية وبعض الأنظمة العربية.

وسجلت هذه المقاومة انتصارات باهرة أجبرت العدو على الخروج ذليلاً ومن دون شروط من لبنان بعد أن كانت سابقاً أفشلت عدوانين للعدو على لبنان وأجبرته على الإقرار بحق الشعب اللبناني بالمقاومة سبقه إسقاطها لاتفاق السابع عشر من أيار.

لقد حققت المقاومة ما عجزت عنه دول وجيوش عربية كبرى بمساندة مشكورة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومن الجمهورية العربية السورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرئيس بشار الأسد اللتين تتعرّضان مع لبنان للعقوبات الأميركية ولحروب عالمية لم يسبق لها مثيل بسبب هذا الدعم وهذه المواقف وهو ما زال مستمراً الى الآن.

4- أما بماذا أخفقنا فقد أخفقنا في الإبقاء على الالتفاف الشعبي حول المقاومة بسبب الاستخدام الخبيث لموضوع الطائفية ولأسباب أخرى، ولكني أعتقد أن المقاومة في ظل الظروف الموضوعية التي تواجهها قد حققت ما لم يكن يتصوّر في فترة نموذجية.

5-أولاً إن هذه الأمة لن تنقرض وإن كانت تمر بمرحلةٍ صعبة من تاريخها وهي حال كثيرٍ من الأمم التي تمر بحالات صعود وهبوط. ولكنها بما تمتلك من حضارة وتاريخ وفكر وإمكانيات هائلة فهي قادرة على النهوض من كبوتها لتصنع تاريخها من جديد وعلى العكس مما تبدو عليه الصورة من سوداوية، فإني أرى أننا في مخاضات ولادةٍ جديدة وليس التطبيع وغيره من مظاهر السقوط إلا سقوطاً لهذا النهج وليست علامةً على الهزيمة والانكسار للقوى الحية والمقاوِمة. فهذه الأمة ومن قلب الظلام يبزغ الفجر. ولقد اضطرت قوى الظلام الى ان تكشف عن حقيقتها ولم تفعل ذلك لو لم تُلجئها الظروف المستجدة التي صنعها ثبات قوى المقاومة والتحرّر في الأمة. ومن وجهة نظر إسلامية فإن النصر لا يأتي بمجرد أن تكون القضية التي تحملها محقَّة، بل لا بد من أن تمر الأمة بفترة اختبار وامتحان لتكتسب التجربة وبالتجارب المرّة تولد العزيمة وتكتسب القدرة ولن يكون النصر أمراً سهل المنال. يقول الله تعالى (وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا أن نصر الله قريب). فالنصر لن يأتي إلا بعد المرور بالمواقف الصعبة التي تتزلزل معها القلوب حتى إذا رأى الله الإخلاص من المؤمنين أنزل عليهم النصر، كما يقول أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع).

نعم. لا بد من التخطيط وتجميع كل عناصر القوة (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).

ثم الاستفادة من التجارب التي مرّت وتشخيص مواطن الضعف والعمل على تجاوزها وتصحيح الأخطاء.

وأنا أدعو كل القوى المؤمنة بمقاومة العدو الى الوقوف جانب المقاومة في تجربتها الحديثة والتي أثبتت فاعليتها وقدرتها على تحقيق الإنجازات.

وبهذا الخصوص أحيي موقف الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي لم يخرج عن هذا الإطار.

 

الدكتور غازي أبو كشك: مؤتمر كامبل 1905 – 1907 أسس ما نحصده اليوم، ورغم الانقسام اليهوديّ يكاد المشروع الصهيونيّ ينتصر كلياً بالخطط والصُّدف

لقد شكل عام 1905 بداية التلاقي الأوروبي الصهيونيّ حين قرّرت أوروبا امتطاء الصهيونيّة لتنفيذ أهدافها البعيدة في المنطقة العربيّة والذي أقرّها مؤتمر كامبل المعقود في لندن لمدة عامين من 1905 حتى 1907 بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بنرمان، بهدف الحفاظ على مصير إمبراطوريات القارة الأوروبيّة وتفادي انهيارها كسابقتيها من الحضارتين الإغريقيّة والرومانيّة، عقد المؤتمر بصورة سريّة حيث كان الموضوع المعلن له أمام الرأي العام هو محاولة نزع سلاح محور الشر (ألمانيا والإمبراطورية العثمانية) غير أن القضية الرئيسيّة هي مناقشة السبل التي يمكن من خلالها الحفاظ على مكتسبات الحقبة الاستعماريّة لأقصى مدى ممكن، وتم طرح أسئلة محددة عن مستقبل المنطقة العربية إذا عمها التعليم واستفادت من ثرواتها الوطنيّة ومن مكتسبات الثورة الصناعيّة الكبرى، بحضور مجموعة من العلماء في تخصّصات متعدّدة منها: التاريخ والاجتماع والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والبترول. كما ضمّ لفيفاً من الزعماء الغربيين، وشاركت فيه الدول الاستعماريّة الكبرى: فرنسا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وانتهى إلى وضع وثيقة سمّيت باسم كامبل رئيس وزراء بريطانيا. وأوصى المؤتمرون بعد أن قسموا العالم إلى ثلاث فئات منها دول تقع ضمن الحضارة المسيحيّة يجب دعمها، وأخرى غير مسيحية ولا يوجد بينهما صراع حضاريّ ويجب احتواؤها، وأما الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن التصادم الحضاري للحضارة المسيحية وتشكل تهديدًا لتفوّقها وهي الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام. والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.

ورأى المؤتمر ضرورة العمل على استمرار وضع المنطقة العربية متأخرًا، وعلى إيجاد التفكك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية وخاضعة لسيطرتها.

ومن هنا أكدوا على فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي، وضرورة إقامة الدولة العازلة Buffer State) )، عدوّة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية. كما وتمّ اعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبي وأداة معادية لسكان المنطقة. كما دعا إلى فصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا ليس فقط فصلاً مادياً عبر الدولة الإسرائيلية، وإنما اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، والعمل على محاربة أي توجه وحدويّ في المنطقة. مما أبقى العرب في حالة من الضعف.

جاء إنشاء دولة إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط في‏ 1948‏ زلزالاً تاريخيّاً غيّر في المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لشعوب المنطقة‏،‏ ولا تزال توابعه تؤثر على حياتنا المعاصرة حتى يومنا هذا‏.‏

وهناك ثلاثة أو أربعة تواريخ مهمة في حياة إسرائيل، وهي على التوالي، المؤتمر الصهيوني الأول في 1897 في بازل بسويسرا، ثم وعد بلفور في نوفمبر 1917، ثم 15 مايو 1948 بإعلان دولة إسرائيل بعد انتهاء الاحتلال البريطاني لفلسطين، وربما أخيراً يونيو 1967 بهزيمة الجيش المصري. وقد كان صدور وعد بلفور من الحكومة البريطانيّة بالاعتراف بوطن قوميّ ـ وليس دولة ـ لليهود، نقطة تحوّل مهمة ليس فقط من حيث توفير نوع من الاعتراف الدوليّ، بل أيضاً لتوحيد، أو على الأقل، لدعم الفكرة الصهيونيّة بين اليهود أنفسهم، حيث كانت هناك مجموعات مهمّة من اليهود في العالم تعارض الفكر الصهيوني باعتباره خطراً على الوجود اليهوديّ المنتشر في معظم دول العالم.

وتظهر الملابسات التي صاحبت وأدّت إلى صدور وعد بلفور، كيف أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، ولا هو مؤامرة واحدة، بل هو حصيلة للتصارع والتجاذب بين العديد من المؤامرات المتعاونة والمتعارضة والمتقاطعة، وأن دور الصدف والحظ والأحداث غير المتوقعة لا يقل أهمية وخطورة، وإذا كانت النتيجة النهائية هي نجاح شبه كامل للمخطط الصهيوني، كما أعدّ له حاييم وايزمان، فإن ذلك لم يكن قدراً محتوماً بل لعبت فيه الصدفة دوراً لا يُستهان به. ويظل مع ذلك أهمية الدور الذي لعبته الحركة الصهيونيّة ـ بدعم بريطاني ـ عنصراً حاسماً لا يُستهان به كذلك.

وإذا كان حاييم وايزمان هو المحرّك الأكثر فاعلية لإصدار وعد بلفور، فقد واجه معارضة شديدة من أنصار الاندماج من الجاليات اليهوديّة. وقد ولد وايزمان في روسيا، وبعد مراحل التعليم الأولي فيها، استكمل دراسته في ألمانيا ثم حصل على الدكتوراه في الكيمياء من سويسرا. وفي 1904 هاجر إلي إنجلترا. وعلى خلفية محاكمة الجنرال الفرنسي درايفوس، فقد رأى وايزمان أن العلاج ليس في إيجاد وطن لليهود في أي مكان، وإنما في العودة إلى أرض الميعاد في فلسطين. وكان معظم زعماء الجالية اليهودية في إنجلترا يفضلون الاندماج في المجتمع البريطاني. وكان أهم زعمائهم في ذلك الوقت هو لوسيان وولف Wolf، وهو يهودي ولد في لندن وترعرع في ظل الليبرالية البريطانية، ويرى أنه بريطاني، وأن الوطنية ليس لها صلة بالدين. وقد ظلت الخصومة والمنافسة بين وايزمان ووولف قائمة، أحدهما يدعو إلى الصهيونية، والآخر إلى الاندماج، الأول مهاجر ثم استقر في إنجلترا، والآخر مولود فيها وليس له تاريخ سابق مع دولة أخرى. وقد ظل هذا الصراع قائماً بين اليهود المولودين في إنجلترا، وأولئك الوافدين إليها بالهجرة، وكانت الغالبية مع الاندماج في الفريق الأول، ومع الصهيونية في الفريق الثاني. كذلك فقد كان هناك عدد غير قليل من الرأسمالية اليهودية قد وصل إلى مراكز مرموقة في البرلمان أو الوزارة، وكان يطلق عليهم أبناء العم. وأشهر هذه العائلات هي عائلة روتشيلد وعائلة مونتفيور Montefiore، وقد تبنّت العائلة الأولى الصهيونيّة، في حين تمسكت الثانية بضرورة الاندماج في المجتمع البريطاني. وكان من أوائل اليهود الذين شغلوا منصب الوزارة البريطانية هربرت صامويل، والذي أصبح مندوباً سامياً لفلسطين بعد فرض الانتداب البريطاني عليها، والوزير الآخر كان ابن عمه منتاجو صامويل. هذا عن موقف بعض العناصر اليهودية، أما موقف الحكومة البريطانية قد اتسم منذ بداية الحرب العالمية الأولى بالمرونة الكاملة، وبعبارة أدق بالانتهازية المطلقة. فقد اتصلت الحكومة البريطانية بجميع الأطراف، في الوقت نفسه أو في أوقات مختلفة، وأدارت حوارات متوازية مع جميع الأطراف من الحلفاء والأعداء بأشكال سرية ومن خلال قنوات متعدّدة رسمية وغير رسمية. فقد كانت هناك اتصالات مستمرة مع حاييم وايزمان، وقد ظلت أكثرها فاعليّة، ولكن كانت هناك اتصالات موازية مع منافسه لوسيان وولف. هذا في ما يتعلق بالجالية اليهودية في إنجلترا، أما على المستوي الدولي فقد عقد نوع من الاتفاق مع فرنسا، عرف باتفاق سايكس/بيكو ثم انضمّت إليه روسيا لاحقاً. كذلك تمّ اتصال مع الشريف حسين في مكة مع الوعد بتمكينه بالاستقلال وتأسيس دولة عربية تمتد من الحجاز إلي شمال سورية، وذلك من خلال مكاتبات مكتب القاهرة، وأشهرها خطاب ماكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر بالوعد باستقلال دولة العرب. وفي أثناء الحرب، بدأت اتصالات أخرى بين الحكومة البريطانية وعناصر من الدولة العثمانيّة لعقد صلح منفرد منها مع تقديم الضمانات بسلامة الأراضي العثمانية، وعدم التفريط في اسطنبول واستمرار نوع من السيادة العثمانية على الولايات العربية في سورية والجزيرة العربية. وقد توقفت هذه الاتصالات الأخيرة مع الدولة العثمانية بعد قيام الثورة الروسية حين أعلنت روسيا ـ آنذاك ـ تخليها عن المطالبة بإسطنبول، وبالتالي اختفاء الحافز للدولة العثمانية للخروج من الحرب.

 

د. ذوالفقار عبود: فلسطين والمشرق العربيّ بين وعد بلفور ووعد ترامب مساحة مستباحة الحقوق والموارد والمصير

 

منذ 103 سنوات، أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور الذي على أساسه أنشأت دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، وتسبّب بتشريد الملايين من الشعب الفلسطيني، وحرمانه من تأسيس دولته المستقلة، حتى اليوم.

واليوم نستذكر هذا الوعد المشؤوم وسط تزايد المخاطر التي تتعرّض لها القضية الفلسطينية، وتهدّد بتصفيتها.

فالاهتمام بالقضية الفلسطينية يتراجع، وخاصة مع إعلان دول عربية عدة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، على الأقل من دون انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967. وفي هذا نسف للمبادرة العربية لعام 2002، والتي تربط “تطبيع العلاقات” مع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وإنهاء لمبدأ الأرض مقابل السلام.

وعد بلفور اليوم يُستبدل بوعد ترامب، أي المبادرة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط، المعروفة باسم صفقة القرن، والتي هي خطة سياسية أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتصفية القضية الفلسطينية، والتنازل عن حقوق الفلسطينيين، التي أقرّتها قرارات الشرعية الدولية الممثلة بجمعية الأمم المتحدة.

خطة أو وعد ترامب، تتقاطع مع وعد بلفور، من حيث أهدافها القائمة على تصفية الحقوق الفلسطينية، لتحقيق مجموعة من الأهداف التي سعت إليها بريطانيا عندما أصدرت الوعد المشؤوم آنذاك، لإنجاح مشروعها الاستعماري في الشرق الأوسط.

فوعد بلفور كان خطة لتقسيم المنطقة العربية، وزرع كيان يفصل بلاد الشام عن مصر، والمشرق العربي عن المغرب العربي، فبريطانيا أدركت في بداية القرن العشرين، أن الوحدة العربية تشكّل خطراً على مشروعها الاستعماري المستقبلي الذي كانت تخطّط له، منذ توقيعها اتفاقية سايكس بيكو السرية عام 1916، لتقسيم الشرق الأوسط بينها وبين فرنسا. كما جاء ذلك الوعد ضمن سياق رغبة بريطانيا في التخلص من الوجود اليهودي في أوروبا، والاستفادة منه في تقسيم المنطقة العربيّة.

ولكن الفلسطينيين، لم يستسلموا طوال العقود الماضية، ولن يستسلموا، وما زالوا يناضلون للحصول على حقوقهم. وهذا ما يعزل المشروع الصهيوني سياسياً رغم حالة التطبيع العربيّ مع إسرائيل.

تاريخياً، في عام 1917 احتلت القوات البريطانية القسم الجنوبي من فلسطين، وفرضت عليها حكماً عسكرياً. بعد أن اتفقت مع فرنسا وروسيا القيصرية على تقسيم بلاد الشام بينها في اتفاقية سايكس – بيكو السرية في 16 أيار 1916 بين الأطراف الثلاثة.

وجرى الاتفاق على أن تكون منطقة فلسطين من بئر السبع جنوباً إلى عكا شمالاً، منطقةً دوليةً، ولكن بعد انتهاء الحرب عَدَلَتْ بريطانيا عن هذا البند من الاتفاقية فقد أرادت إنشاء معبرٍ أرضيٍّ متصلٍ بين الخليج العربي وميناء حيفا، فضلاً عن هدفها تأسيسَ دولةٍ صهيونيةٍ في فلسطين.

وفي نيسان 1920 اجتمع مندوبا فرنسا وبريطانيا، المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى في مدينة سان ريمو الإيطالية فيما سُمّيَ “مؤتمر سان ريمو” لتعديل اتفاقية سايكس – بيكو وتقرير الشكل النهائي لتقسيم الأراضي العربية المحتلة. فاتفق الطرفان على منح فلسطين لبريطانيا وتعديل المتفق عليه سابقاً.

وفي عام 1922، أقرّت عُصبة الأمم، الانتداب البريطاني على فلسطين.

لقد نفذت بريطانيا أثناء احتلالها لفلسطين، الشق الأول من وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لكنها لم تلتزم بشقه الثاني الذي يتضمن عدم الإضرار بحقوق الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون في ذلك الوقت نحو 92% من السكان وفق التقديرات البريطانية نفسها.

وفي عام 1948، أثناء خروج بريطانيا من فلسطين، سلّمت الأراضي الفلسطينية لـمنظمات صهيونية مسلّحة مثل الهاغانا وشتيرن والتي شكلت نواة إنشاء الجيش الصهيوني.

تلك المنظّمات ارتكبت مجازر عدة بحق الفلسطينيين، وهجّرتهم من أراضيهم لتأسيس دولتهم عليها.

ووقع 70% من فلسطين آنذاك تحت السيطرة الإسرائيلية، في حين حكمت الأردن الضفة الغربية وخضع قطاع غزة للإدارة المصرية.

وفي عام 1967 احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة مع شبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية.

وبعد توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، خضعت المدن الرئيسية في الضفة الغربية من دون القدس وقطاع غزة، للحكم الذاتي الفلسطيني.

اليوم يبدو وجه الشبه بين وعد بلفور ووعد ترامب في أن الواعدَيْن لا يملكان الأرض، لكنهما يقدّمانها هدية لمن لا يستحق، فبريطانيا أعطت الصهاينة أجزاء من فلسطين، وهي لا تملك الأرض، واليوم واشنطن تعطي إسرائيل القدس وأجزاء من الضفة وهي لا تملكها.

فالوعد البريطاني، والوعد الأميركي، وضعا إسرائيل في حالة عداء مع مئات الملايين من العرب والمسلمين على الصعيد الشعبي، كما أن الظروف التي عاشتها المنطقة العربية خلال وعد بلفور، ووعد ترامب تكاد تكون متشابهة.

اليوم العرب في أضعف حالاتهم، وهم مهمّشون ومشتتون ومن دون رؤية استراتيجية سياسية، ومن دون خطط لمواجهة السياسات والمخططات الغربية، وكما سعى وعد بلفور إلى تفكيك المنطقة العربية، فإن خطة ترامب، تهدف كذلك لتحقيق الهدف نفسه من خلال توسيع حالة التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل.

فالتطبيع وإعادة تعويم إسرائيل في المنطقة العربية، يهدف للحفاظ على السيطرة والنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وتحجيم الوجود الصيني والروسي والإيراني في المنطقة. وهذا ما كان يسعى إليه وعد بلفور، أي الحفاظ على الوجود البريطاني في الشرق الأوسط. فالخطتان جزء من صراع القوى الكُبرى على المنطقة.

وضمن خطة ترامب، اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقطعت مساعداتها عن الفلسطينيين ووكالة أونروا، وأغلقت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيها، واعتبرت الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية قانونياً، واعترفت بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

كما ألغت الخطة الأميركيّة القيود التي كانت تمنع استخدام المساعدات الأميركية المخصصة للتعاون العلمي في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وسمحت لإسرائيل بضم 30 بالمئة من الضفة الغربية إضافة للقدس الشرقية، وأخيراً قادت واشنطن عملية التطبيع العربي مع إسرائيل.

رغم هذا الواقع السوداوي، تبقى المقاومة ونهجها هما الخيار الأصح، فتاريخ الدول التي طبعت مع إسرائيل يشي بأن التطبيع هو أسوأ الخيارات، فبعد عشرات السنين من اتفاقيات التطبيع بين مصر والأردن، لم تصل العلاقات لمرحلة التطبيع الشعبي، وها هو السودان رغم تطبيعه يتم تجديد العقوبات عليه، فكل الدول التي سارت في طريق التطبيع خسرت الدعم الشعبي وستكون في مهب الريح عند أول عاصفة تغيير تهبّ على المنطقة، فما يهم الإدارات الأميركية هو تفوّق إسرائيل على مجموع الدول العربية عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً وعلمياً، وصولاً نحو إقامة إسرائيل الكبرى كقوة إقليمية تدور حولها دويلات عربية ضعيفة لا حول لها ولا قوة.

 

د. حسن مرهج: اتفاقيات ووعود والعرب يتفرّجون ولا حل إلا بعمل وحدويّ والمقاومة

وعد بلفور، أو جُلّ الاتفاقيات الدولية لا سيما اتفاقية سايكس بيكو وغيرها، فإن جوهر ما سبق هو التآمر والاستهتار بحقوق شعوب المنطقة، فضلاً عن أن ماهية هذه الاتفاقيات تتمحور حول تقسيم دول المنطقة العربية، خدمة للولايات المتحدة وإسرائيل والدول الاستعمارية.

وعد بلفور مثله كمثل باقي الاتفاقيات الاستعمارية، كلها تحمل من الخطورة ما يُحتم علينا النظر مجدداً لطبيعة تحالفات المنطقة، لكن في الواقع فإن الكثير من الدول العربية ارتضى أن يكون أدوات من أجل تنفيذ هذه المخططات، والتي من شأنها حصر الشعب الفلسطيني وكذا باقي شعوب المنطقة، ضمن كانتونات تسهل السيطرة عليها، ولنلاحظ غزو العراق والحرب الإرهابية على سورية.

وعطفاً على وعد بلفور، فإن كل ذلك يدخل في إطار تجزئة المنطقة، والعبث بالجغرافيا وتوظيف الإرهاب بشتى أنواعه، بُغية الضغط على دول وشعوب هذه المنطقة المنكوبة منذ وعد بلفور وحتى اليوم.

ومن المفيد أن نُذكّر بأن الوعود الاستعمارية والتي تأتي في صوغ الاتفاقيات الدولية، إنما يجري تنفيذها بدقة عالية ومتناهية، لكن في المقابل فإن العرب ينتظرون المزيد من هذه الاتفاقيات التي تقضم أراضيهم وهم ينظرون من دون عمل مشترك يُجنبهم هذا الواقع، وكذا حال الفلسطينيين فهم أيضاً بنوا أحلامهم على الوعود العربية والدولية، وحتى القرارات الأمميّة، لكن أيضاً من دون جدوى. بدليل أن الأميركيون منذ كلينتون ومروراً بجورج بوش الابن وصولاً إلى الرئيس ترامب تعهدوا بالعمل على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، والعمل على حل مشاكل المنطقة، لكن هذه الوعود جرى التخلي عنها تماماً.

حقيقة الأمر أنه علينا أن نعترف بأن تداعيات وعد بلفور والآثار الناجمة عن التآمر الغربي والعربي على الشعب الفلسطيني، مازالت مستمرة حتى يومنا هذا. فعلى أرض الواقع تواصل إسرائيل سياستها ضد العرب والفلسطينيين، لترسيخ وجودها وتعمل على قدم وساق من أجل ترسيخ فكرة يهودية الدولة، وللأسف بعض الأنظمة السياسية تعمل على تصفية القضية الفلسطينية وطرح الحلول الاستسلاميّة.

والغريب في أمر وعد بلفور ودولة المنشأ أن ما تصورته تلك الدول الاستعمارية عن حالنا وموقف بعض قادتنا وتفريطهم بحقوقهم أوطانهم وسيادتها، ما زال يعمل بكفاءة عالية، فلا الوعد تمّت مقاومته ووقفه ولا دولة اليهود توقفت عن التوسّع والنمو في ظل حالة تشبه إلى حد بعيد حقبة الحرب الكونية الأولى وما نتج عنها، وخصوصاً حال العرب وقادتهم.

بالتالي لا بد في الواقع من تبني استراتيجية جديدة ضد كل هذه الاتفاقيات، والعمل وفق مشروع عربي جامع لحقوق هذه الشعوب، والعمل بكل قوة لتحييد الأنظمة السياسية التي تتماهى مع المشروع الأميركي وجوهر الاتفاقيات الاستعمارية، مع وضع معادلة قوامها التصدّي والمقاومة لهذه الاتفاقيات. من دون ذلك لن نُحقق شيئاً، وستبقى الدول الاستعمارية تعمل على تقسيم المنطقة، فالاستكانة والاستسلام لن يجلبا للمنطقة وشعوبها سوى المزيد من الهزائم والانكسارات.

 

الإعلاميّة ربى يوسف شاهين: تواطؤ الحكومات ومبادرات الاستسلام دعمت كيان العدو بمصل الصمود.. ومعادلة التصدّي شعب وجيش وقائد

أولاً- تُعد المراحل التي سبقت وعد بلفور المشؤوم من الحرب العالمية الأولى، وما كانت عليه الأوضاع في الشرق الأوسط خلال الاحتلال العثماني، وكذا مسألة الانتداب الفرنسي والبريطاني، كل ذلك كان له الدور الكبير الذي أدى إلى تأليف رسالة الحركة الصهيونية، فقد ساهمت في تشجيع يهود القارة الأوروبية على الهجرة إلى فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، وجاءت رسالة بلفور تتويجًا لسنوات عديدة من الاتصالات والمفاوضات بين زعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا، والتي أدّت إلى إقامة وطن لليهود في فلسطين والتي تعد أهم أبعادها الاستراتيجية إقامة وطن قومي لليهود وليس دولة لليهود.

فالبعد الديني هو أساس الفكر الصهيوني حيث مجريات الأحداث في القارة الأوروبية، وما حدث من تعاظم لحركة معاداة السامية، الأمر الذي شكل نقطة تحول كبيرة في إيجاد موطأ قدم لهم في الشرق الأوسط، وتحديدًا بعد افتتاح قناة السويس والرغبة في تقاسم ثروات الوطن العربي.

والبعد الاقتصادي الذي يُعتبر مفتاحًا للولوج إلى الشرق الاوسط عبر تعزيز فكرة السيطرة الرأسمالية وتسمية دول الشرق الأوسط بالبلدان النامية تحت ذريعة التخلف والجهل وإرساء الديمقراطية.

والبعد الاستراتيجي الهام هو تقسيم الوطن العربي إلى دويلات لتمكين السيطرة والتمدّد ومن ثم تحقيق الأمن القومي للوطن القومي الذي كان نتاجًا للفكر الصهيوني البريطاني وحلفائه في الغرب.

ثانيًا- إن ما أفرزه وعد بلفور من حروب ونزاعات في المنطقة العربية أدى إلى تشكيل اصطفافات عربية قوية لدرء الخطر عن فلسطين خاصة والمنطقة العربية عمومًا، وكان للتضامن العربي في زمن القائد جمال عبد الناصر الدور الكبير في تأخير مخطط الحركة الصهيونية للسيطرة وتحقيق مبدأ السلام مع إسرائيل، لكن الحرب العربية ضد الوجود الصهيوني ومع عدم تكافؤ القدرات العسكرية أدّى إلى نكبة 1948 وتلتها حرب النكسة 1967 التي خسرت فيها المنطقة العربية لصالح الكيان الإسرائيلي الجولان العربي السوري وسيناء والضفة الغربيّة وقطاع غزة ضمن ما عرف بالصراع العربيّ الإسرائيلي.

ثالثاً- إن ما خلفه تواطؤ بعض الحكام العرب كالسادات في مصر واتفاقية وادي عربة في الأردن ومؤتمر مدريد عام 1991 بما يُسمّى “مبدأ الأرض مقابل السلام”، شكّل تحولًا كبيرًا في مسألة إمكانية الحد من تمدّد وتثبيت الكيان الصهيوني في المنطقة، ومع مبادرة السلام التي أطلقها الملك عبدالله بن عبد العزيز ملك السعودية في الشرق الأوسط 2002 في القمة العربية في بيروت، تقوم بنودها على التسليم ببقاء هذا الكيان الغاصب مقابل انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، والذي تطبقه للأسف بعض الدول العربية كالإمارات والبحرين.

رابعًا- الصراع العربي الإسرائيلي الذي تحوّل الآن إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، والذي بدوره يبين انسحاب بعض الدول العربية من مسألة التضامن العربي مع الحق الفلسطيني وما يحدث في سورية واليمن ولبنان والعراق يؤكد مدى خطورة الهيمنة الغربية على السياسات العربية المرتهنة لها. فالغرب استطاع عبر العقود الماضية التوغل إلى داخل الفكر العربي المتراخي، والذي يتطلع إلى علاقات خاصة مع أميركا والدول الأوروبية، فمفهوم العولمة الاقتصادية والفكرية والسياسية من منظور بعض الحكام يقوم على مصطلح “أنا ومن بعدي الطوفان”. فهذه المقولة لا تصح في قضايا تُعد مصيرية كقضية الشعب الفلسطيني، لكن للأسف هي تداعيات المستعمر وشركائه والتي أدّت الى ما وصل إليه الحال الآن، والأمثلة كثيرة وقد عرّتها الحرب الإرهابية على سورية.

خامسًا- عندما نتحدث عن محتل غاصب لأرض هنا لا قواعد يُمكن الأخذ بها سوى الحرب، ولكن سياسات الغرب القائمة على إبقاء منطقة الشرق الأوسط هي الأضعف مع الإبقاء على القوة الإسرائيلية هي الأقوى، ومع التخاذل العربي الكبير وفوضى الغرب الإرهابية التي يزرعها عبر خلايا داعش والنصرة وغيرهم من رؤساء دول كـ أردوغان وترامب وحلفائهم، هذا الأمر يُشكّل تصدعًا كبيرًا في جدران التعافي العربي للدول المناهضة لهذه السياسات، والتي تخدم أولًا وأخيرًا الكيان الصهيوني والرأسمالية العالمية. وبالتالي القواعد التي يُمكن عبرها التصدّي لهذا الإرهاب السياسي والعسكري والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، يكون عبر ميادين ومقوّمات كثيرة تُعتبر الأساس الذي تقوم عليه أي دولة قائمة على شعب وجيش وقائد، والذين بدورهم يحققون شروط الانتماء الوطني والعقائدي والأخلاقي والإنساني، الذي يجمعهم وطناً لا حدود له مع الآخر، فالانتماء الوجداني لفلسطين هو نابع من الانتماء للعروبة بشكل عام، فالحقوق التي تكفلها القوانين الدولية والتي لا يتم تطبيقها الا وفق أجندات خاصة لا بد أنّ تُواجه بالسلاح العلمي أو العسكري أو الثقافي أو الاقتصادي، وبالكل معًا، وبالتالي التصدي يكون عبر الاتحاد لمقوّمات الدولة وبناء وطن يقوم على العيش المشترك لا فرق فيه بين الأفراد لا دينيًا ولا مذهبيًا، وإنما قائم على الانتماء للوطن والمحبة والسلام دفاعًا عن الحق الذي تكفله القوانين والمواثيق الدولية.

 

المحلل السياسيّ أمجد إسماعيل الآغا: نحن امة منكوبة وخترقة بقرارات وخطط اجنبية معادية لكن هذه ليست قدراً عصيّاً على التغيير

حقيقة الأمر وبعيدًا عن لغة الشعارات والتوصيفات، فنحن أمةٌ منكوبةُ ومخترقة، نحتفل بذكرى الوعد المشؤوم، ونكتفي بإصدار بيانات التنديد والاستنكار، على الرغم من أن وعد بلفور بماهيته وجُزئيات تفاصيله، هو استهداف للأمة العربية بأسرها، لكن اقتصر التعاطي مع هذا الوعد، على المواد الفكريّة والإعلاميّة، وأعتقد بأن هذا ما بقي لنا، وكأن تاريخنا تحوّل إلى معادلة دولية مشؤومة نكتفي بالنظر إليها والتعامل معها من منطق واقعيّة الأمر، لكن التاريخ بوقائعه ومعطياته يؤكد لنا ويُخبرنا بأن كل الوعود الأميركية والبريطانية وكذا الفرنسية، ليست قدرًا لا يُمكن تغييره، لكن حالة الاستكانة التي آلمت ببعض الأنظمة السياسية الحاكمة وحتى بعض شعوب المنطقة، غيّرت الكثير من مفردات التاريخ وعناوين الاتفاقيات، لتكون النتيجة ما وصلنا إليه اليوم من تشرذم وضعف يُغري أعداء هذه الأمة على المزيد من التوغل في منطقتنا.

القضية الفلسطينية تتعرّض لمخاطر جمّة. هذه المخاطر يُمكن إيجازها باستمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في حصار الفلسطينيين والعدوان المستمر عليهم، فضلًا عن الخطط الاستيطانيّة التي تهدف إلى تأطير حالة الصمود الفلسطيني. كل ذلك يأتي بالتزامن مع محاولات الإدارة الأميركية تمرير ما يُسمّى صفقة القرن،- رغم أني أكره هذه التسمية لأنها مصطلح أميركي استعماري وينبغي أن لا نقوم بتسويقه، لكن للضرورة وجب التنويه لذلك-.

إذًا فالإدارة الأميركية تحاول تمرير هذه الصفقة وبالفعل فقد نُقلت السفارة الأميركيّة إلى القدس، مع تسونامي التطبيع الذي انطلق مؤخرًا، في محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

في الإطار ذاته، دونالد ترامب يُتابع وبشكل حثيث مسار وعد بلفور، وتجلّى ذلك بمنح الجولان السوري المحتل للسيادة الاسرائيليّة، وهذا يعكس بشكل مباشر طبيعة العقل الاستعماريّ في منح أراضٍ لدولٍ من غير ذي حق، وسط تجاهل أممي والاكتفاء بقرارات قيمتها صفر، وأساسًا تكون غير مُلزمة لـ”إسرائيل”.

ضمن ذلك، نلاحظ أن هناك استنساخاً لوعد بلفور، هذا الاستنساخ تُرجم في حالة الاصطفاف التي جاءت عقب اندلاع ما يُسمّى الربيع العربي، وإطلاق شعارات كاذبة رفعتها جماعات إرهابيّة مُتحالفة جُملة وتفصيلًا مع الكيان الاسرائيلي والغرب عمومًا، هذا الأمر أتاح لـ”إسرائيل” فرص الاستيلاء على المزيد من الحقوق الفلسطينية، ودفع آلة الاستيطان والتهويد بأقصى سرعتها، واستباحة المسجد الأقصى وتدنيسه يومياً صباح مساء، وتقسيمه زمانياً وجارٍ تقسيمه مكانياً، وتحت مرأى ومسمع من يدّعون كذباً وزوراً أنهم ”ثوار وأحرار” وأنهم يقودون ”ثوراتهم” من أجل تخليص شعوب المنطقة من الظلم والفساد واستعادة حقوقهم المسلوبة وإقامة ركائز العدل والمساواة.

وعد بلفور وتداعياته وآثاره وحتى امتداداته الفكرية والاستعمارية، وجد أرضيّة صُلبة تمثلت بحالة الخُذلان العربيّ والتآمر الدولي، فقد تخلّى العرب عن القضية الفلسطينية حتى بات الكثيرون منهم ناطقين باسم واشنطن وتل أبيب، وأكثر من ذلك، فهم اليوم يجاهرون بعلاقتهم مع “إسرائيل”، إذ لم تعد عناوين الصراع العربي الاسرائيلي ذات قيمة أو معنى، وللأسف حتى مَن يُحسبون على محور المقاومة، اكتفوا بنظم الشعارات وهندسة الخطابات وعبارات التنديد والاستنكار. فالحالة الواقعية تحتاج إلى إعادة صياغة للكثير من المفاهيم، بل وإعادة ترجمة العمل المقاوم وفق آليات جديدة.

نتيجة لذلك، حين يقوم البعض باستحضار ما خطط له القادة الإسرائيليون، ويقولون هذا ما يحدث اليوم وهذا ما سيحدث لاحقاً، نكون أمام جُزئية تحتاج إلى إعادة قراءة استراتيجية، والتركيز بعمق على المرحلة المقبلة، مع ابتكار أدوات جديدة للمواجهة.

وعليه، بما أنّ كل ما يريده الغرب والاسرائيليون يتحقق ولا يزال، فأين جوهر الاستراتيجيات المتبعة لتأطير التوجّهات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة؟. وأين مفكرو المحور ومنظروه الاستراتيجيون بعد الخطوات التي عنونت الكثير من المشاهد الشرق أوسطية؟ واليوم من الملاحظ أنّ “إسرائيل” ليست في عنق الزجاجة، ولا تهرب إلى الأمام، بدليل قطار التطبيع الذي انطلق مسرعاً، ولا يعلم أحدّ أين سيتوقف، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة ليست مأزومة بدليل قُدرتها على هندسة كل الوقائع إقليمياً ودولياً، بما يتناسب واستراتيجيتها ويُحقق أمن الكيان الإسرائيلي.

هذا ليس مدحاً للكيان ولا اصطفافاً إلى جانب أميركا، وإنما إسقاطات واقعية على ما نشهده اليوم، يُضاف إلى ذلك، أنّ عناوين المرحلة المقبلة يُمكن إيجازها بـ مصطلح تحالفات غير تقليدية.

هذا لا يعني بأن أركان محور المقاومة باتوا عاجزين عن تأطير جُلّ التوجهات الأميركية في المنطقة، لكن المطلوب ودونما أيّ تأخير، إعادة تقييم للاستراتيجيات القديمة، بما يحقق معادلات جديدة غايتها قطع سكة القطار الأميركي الإسرائيلي بشكّل تام، أو إيقافه عن المُضيّ في مساره، وأنّ ينهض المحور بمفكريه ومنظريه وقادته العسكريين.

ناشر وإدارة موقع حرمون يتقدمان بالشكر من كل من تفضَّل وأجاب على أسئلة محور السبت 17، وشارك في التنسيق والإعداد والتواصل والتوزيع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.