مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تعلم فن الكذب عبر قولك للحقيقة!

ترجمة: عقيل فاضل

لا يخفى على أحدٍ منّا أنَّ السياسيين كاذبون، لكن هل تعلم أنهم يستطيعون أن يكذبوا عن طريق قولهم للحقيقة؟ هل أُصبت بالحَيرة؟.
سأُعطيك مثالًا يوضح هذه الخدعة التي نمارسها باستمرار في حياتنا.
على سبيل المثال عندما تسأل الأم ابنها: “هل أنهيت واجباتك المدرسية؟” فيجيب: “لقد كتبت مقالةً عن تينيسي ويليامز (كاتب مسرحي) لدرس اللغة الانكليزية”.
قد يكون هذا الجواب صادقًا لكنّه ليس جوابًا لسؤال هل أنهيت واجبك المنزلي؟
قد تكون هذه المقالة كُتبت منذ زمن وقام الطالب بتضليل أُمه المسكينة بكلامٍ صحيح، فقد يكون الطالب لم يبدأ بحل واجباته بعد.
تضليل الحقائق عن طريق قول الحقيقة أمرٌ شائعٌ جدًّا في الحياة اليومية، حتى أن هناك مصطلحًا لوصف الحالة وهو (مراوغة (Paltering.
نحن نكذب طوال الوقت بالرغم من حقيقة أننا نُجهد أدمغتنا أكثر عندما نكذب عنه عند قول الحقيقة.
يقول أبراهام لينكولن وهو أحد رؤساء الولايات المتحدة: “لا يوجد رجلٌ لديه ذاكرةٌ كافية ليكون كاذبًا ماهرًا”.
في عام 1996 قامت بيلا ديبولا (Bella DePaulo) بإجراء تجربةٍ حول موضوع الكذب ووجدت أنّنا نكذب بمعدل مرة أو مرتين يوميًّا.
توصلت إلى هذه النتائج عن طريق إجراء تجربة على147 متطوع طَلبت منهم أن يدونوا أي كذبة يكذبونها حتى ولو كانت لهدف صالح.
من بين 147 متطوع في تجربتها الأصلية، سبعة فقط قالوا إنهم لم يكذبوا أبدًا. معظم الأكاذيب التي دونوها كانت بريئة وبيضاء مثلًا “لقد قلت لها أن مظهرها جيد بالرغم من أنها كانت مبهذلة” وأخرى لإخفاء الإحراج كالادعاء بأن الزوجين لم يتطلقا.
تقول ديبولا عالمة النفس في جامعة كاليفورنيا أن المتطوعين المشاركين في دراستها كانوا غير واعين عن كمية الاكاذيب التي قالوها، لأن معظمها كانت “اعتيادية وبديهية لدرجة أننا لم ننتبه لها.”
تبدأ الخشية من الكذب عندما يقوم الشخص بتسخيره للتلاعب أو تضليل الآخرين وهذا يَحدث كثيرًا.
عندما قام تود روجرز (Todd Rogers) وزملاؤه بالنظر في كيفية قيام السياسيين بتفادي بعض الأسئلة في الحوارات الي يجرونها، وجدوا أن السياسيين يخدعون السائل بإعطائه إجابةً صادقةً لكنها لا تخص السؤال المعني، وهم يفعلون ذلك طوال الوقت.
وقد وجد أيضًا أن فن المراوغة فنٌّ شائعٌ جدًّا خصوصًا أثناء المفاوضات، فقد اعترف أكثر من نصف الإداريين البالغ عددهم 184 الذين شاركوا في دراسة أجراها تود باستخدامهم هذا الفن، واعترفوا أيضا باعتقادهم بأن استخدام هذا الفن أخلاقي مقارنةً بالكذب.
من الصعب علينا تحديد الحقائق المضللة عندما نسمع إزائها معلوماتٍ قد تبدو صحيحة، على سبيل المثال عندما أراد حزب العمال البريطاني تخفيض السن للشخص الذي يحق له الانتخاب إلى 16 سنة فإنه استخدم دعايةً إعلانية مفادها: (عمرك 16 سنة، الآن تستطيع أن تتزوج، تستطيع أن تنضم للجيش، وتستطيع أن تعمل بدوام كامل).
اكتشف فريق التدقيق في قناة BBC أن هذه الحقائق لا تعطي الصورة الكاملة للحقيقة، فقد وضّح فريق التدقيق قائلًا: “لا تستطيع أن تنضم للجيش عندما يكون عمرك 16 أو 17 إلا بموافقة والديك، وكذلك لا تستطيع الزواج إلا بموافقتهما أيضًا ما لم تقم بالزواج في سكوتلندا، ومنذ عام 2013 لا يستطيع من هو في عمر 16 او 17 العمل بدوام كامل في إنكلترا”.
مثالٌ آخر عن المراوغة، ما جاء في الحوارات التي أجراها دونالد ترامب بخصوص دعاوى التمييز في مجال الإسكان، فقد أكّد أن شركاته لم ترتكب أي ذنبٍ بهذا الخصوص.
قد يكون هذا صحيحًا جزئيًّا لأن تحقيقاتٍ قامت بها مجلة نيويورك تايمز وجدت أن شركات دونالد ترامب قامت بالتمييز في مجال الإسكان على أساسٍ عرقي.
إن فن المراوغة لا يُستخدم في السياسة فحسب، بل هو شائعٌ الاستخدام في حياتنا اليومية، على سبيل المثال عندما يخبر بائع سيارة المشتري أن سيارته قد اشتغلت جيدًا في هذا الصباح البارد بدون أن يكشف عن حقيقة أن السيارة تعطلت قبل أسبوع وقام بإصلاحها، أو عن وكيل عقارات يخبر المشتري عن قطعة أرض نائية أنَّ هناك كثيرًا من الطلبات عليها عندما سُئِل عن مقدار المحصول الذي تنتجه.
إن المراوغة شائعة لأننا نواجه دائمًا العديد من التحديات التي يجب إنجازها.
يقول تود روجر: “إن المراوغة أداةٌ مهمة، نحن نريد أن نحقق هدفنا الضيق (بيع بيت أو سيارة) ولكننا نريد من الناس أن يرونا صادقين وخلوقين في كلامنا”.
نستطيع أن نحدد المشاكل المصاحبة لاستخدام المراوغة وانعكاساتها على المجتمع، فالناس ضجروا من كونهم ضحية لأكاذيب وخدع السياسيين، وبدأت الثقة تقل بكلامهم، ففي 2016 أظهرت نتائج استفتاء أُجري في بريطانيا أن البريطانيين يثقون بوكلاء العقارات والمصرفيين والصحفيين أكثر من ثقتهم بالسياسيين.
بالرغم من حقيقة أننا دائمًا نتوقع أن السياسيين المتمسكين بالسلطة يكذبون علينا، لكن يبقى التحدي هو معرفة مكامن الكذب والحقيقة في كلامهم، خصوصًا إذا كانوا يكذبون باستخدام المراوغة.
الكذب يستطيع أن يخدم أغراضًا اجتماعيةً ملتوية، فيستطيع الشخص أن يرسم صورة أوضح أو قصة أكثر تعبيرًا باستخدام الكذب عنه باستخدام الحقيقة أو مساعدة السياسيين في التملص من الاجابة على سؤال حرج.
يقول تود روجر: “إنه أمرٌ غير أخلاقي، وهو يسيء لحريتنا وديمقراطيتنا، لكن هكذا يعمل وعي الانسان”.
لسوء الحظ، فإن الأكاذيب تلعب دورًا في تواصلنا الاجتماعي منذ نعومة أضفارنا، فنحن نخبر أطفالنا قصص الجنيات وسانتا كلوز، أو نشجع أطفالنا على أن يكونوا شاكرين على هدايا لم تعجبهم.
يقول فيلدمان Feldman: “نحن نعطي أبناءنا تعاليم مختلفة، وما يتعلموه في النهاية هو أن الصدق أمرٌ حسن جدًّا، لكن في بعض المواقف لا بأس بل ومن الأفضل الكذب”.
ففي المرة القادمة، إذا سمعت حقائقًا تبدو غريبةً أو شخصًا يقوم بتشتيت الإجابة على السؤال، فكن حذرًا من أن تنخدع بتصديق أن هذه هي الحقيقة.

المصادر:
www.sci-ne.com
www.flipboard.com
ش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.