مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

لا جديد منذ 23 عاماً.. “تأمُّلات مُستَقِلَّة في الاستقلال”*

ناجي بيضون**

يُولد ابن العالم الثالث مرعوباً من المستقبل ويموت مرعوباً من الماضي.

يقضي ابن العالم الثالث حياته “خائناً”.

فهو أمَّا “خائن” لحكومته إذا كان معارضاً، وإمَّا خائن لوطنه إذا كان موالياً.

يتأمَّل ابن العالم الثالث حاضره فيجد أن استقلال وطنه الذي مات من أجله الكثيرون قد وُلد ميتاً.

يقرأ ابن العالم الثالث:

وطنٌ دعائمهُ الجماجِمُ والدمُ

تتهدَّمُ الدُّنيا ولا يتهدَّمُ

 

يُمسِك بجمجمته ويتنهَّد متسائلاً:

تُرى.. لماذا لا يكون الدعم بالبناء والتنمية والرخاء والسلام؟!

لماذا يجب أن تكون الجماجم والدماء وحدها دعامة للوطن؟!

 

يترك جمجمته وشأنها مرعوباً.. فيتذكَّر معدته الخاوية. إلَّا أنَّ “الاطمئنان” يعود إليه عندما يُرَدِّد مع المتنبي:

 

ومن لمْ يَمُتْ بالسَّيفِ ماتَ بغيرهِ

تعدَّدَتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ

 

لكنَّ خيالَهُ يسرح بعيداً.. يقول في نفسه:

 

قبل الاستقلال كان أبناء المستعمرين “يزورون” بلادنا فيجدون، في أرضها الخصبة وخيراتها الوفيرة، ملاذاً لهم. أمَّا بعد الاستقلال فقد أصبحت البلاد فقيرة والأرض جرداء..

يُفكِّر “بردّ الزيارة”.

يحمل جمجمته ومعدته ويرحل، بعيداً، هارباً من حاضره المحاصر برعب الماضي ورعب المستقبل، ليصبح بلا ماضٍ ولا مستقبل.

هناك يُتابع التأمُّل إلَّا أنَّه يبدأ بالقراءة. يقرأ لأحد المُفَكِّرين الغربيِّين:

“إنَّ الاستقلال كان وبالاً على بلدان العالم الثالث. إنَّ على العالم المُتَقَدِّم أن يُفَكِّر بصيغة أخرى لإدارة شؤون تلك البلدان: انتداب، وصاية، استعمار…”.

ينقز” عندما يقرأ الكلمة الأخيرة…

**

سأنتقل معك في هذه اللحظة، عزيزي القارئ، لزيارة صاحبنا هذا لنقطع عليه تأمُّلاته السوداء ونروي له هاتين الحكايتين علَّنا نكسب ثقة فنُحاول بعدها إقناعه بالعودة إلى بلاده “الحُرَّة السيِّدة المُستقلَّة”:

تقول الحكاية الأولى:

كان “العم أزرق” وهو رجل أفريقي لا علاقة له “بالعم سام”، يؤيِّد بقاء الاستعمار في بلده. وقد ألَّف من أجل ذلك حزباً وترشَّح للانتخابات على أساس المُطالبة ببقاء الاستعمار في بلده. ولم ينل سوى صوت واحد وهو صوته.

مات العم أزرق. ولكن الناس في بلده يترحَّمون عليه الآن ويتمنّون لو عاد ليترشَّح من جديد. لأنَّه كان بعيد النظر، فبعد رحيل المُستعمِرين الذين كانوا يأخذون نصف خيرات البلد، ويتركون الباقي “للاستثمار” حلَّ محلَّهم أناس من “أهل” البلد أكلوا الأخضر واليابس، بحيث لم يبق في البلد شيء واحد.

تقول الحكاية الثانيَّة:

في أواخر عهد الانتداب الفرنسي في لبنان ابتدأت الاضطرابات والتحرُّكات المطالبة برحيل الاستعمار الفرنسي وأخذ الفرنسيون يعتقلون رجالات الاستقلال في لبنان.

ثمَّة سياسي لبناني، كان مشهوداً له “بالتعاطف” مع الانتداب ومن أشَّد عملائه حماسة، وجد أنَّ الرياح تغيَّر اتجاهها وأنَّ الفرنسيين خارجون لا محالة، فقام على رأس مظاهرة يُهاجم الفرنسيين بعنف ويطالب بخروجهم من البلاد.

كان على رأس قوَّات الأمن الفرنسيَّة في ذلك الوقت كولونيل ذكي اسمه بتشكوف.

وعندما ورده تقرير عن تصرُّفات صاحبنا السياسي قال لمرؤوسيه ساخراً:

لا تعتقلوه.. دعوه يفعل ما يشاء.. فأنا لا أريد أن أجعل من هذا المُنافق رجلاً وطنيَّاً.

سيتَنهَّد صاحبنا عند سماع الحكايتين وسيبتسم لنا. إلَّا أنَّه سيتفقَّد جواز سفره ويتأَّمله مليَّاً..

سَيَترُكنا مذهولين بعد أن يُفهِمُنا أنه مُضطَّر للذهاب لإرسال برقيَّة إشادة برئيس بلاده الدائم كي يتمَّكن من تجديد جواز سفره لتجديد إقامته بعيداً عن وطنه.

وبعد، عزيزي القارئ، ورغم كل ما تَقَدَّم اسمح لي أن أُحيِّي من هذه الزاوية وطني لبنان في عيد استقلاله الخمسين. اسمح لي أن أبتسم وأنا أذكره لأن الوطن، أي وطن، مكان جميل ومعنى رائع، من الغباء أن تذكره دون أن تبتسم أو تفرح.

 

* يستعيد ناجي بيضون هذه المقالة التي كتبها في دبي سنة 1993… منذ 27 سنة لم يتغير الكثير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.