مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

قراءة قانونيّة في حكم المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان باغتيال الحريري: ضحّت بالمنطق وأصول الإجراءات الجنائية وعناصر الحكم نفسها تثبت براءة المتهم عيّاش

حكم باطل لتمسكه بدليل ظرفي ينبطق على نصف سكان بيروت ولتناقضه الفاضح بين أسبابه ومنطوقه..

 

محمد أبو زيد*

على مدار ساعات استمعت عند صدور الحكم في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري إلى أسباب الحكم كاملة والتي نطقت بها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في 18 آب الحالي.

وهناك قاعدة أصولية استقرت في الضمير القانوني، وتؤسس للعدالة في أبهى صورها وهى أن (الأحكام الجنائيّة تُبنَى على الجزم واليقين، وليس على الشك والتخمين…)..

فكي تصح إدانة شخص ما بجريمة ما لا بد أن يثبت على نحو قطعي ارتكابه فعلاً جرماً من الأفعال المكونة للجريمة، أي أن يكون فاعلاً أو شريكاً..

فالفاعل هو مَن يرتكب الجريمة بنفسه، أما الشريك فهو الذي يقوم بعمل من الأعمال التحضيريّة للجريمة. وصور الاشتراك في جريمة هي التحريض والاتفاق والمساعدة.

ويجب على المحكمة في حالة إدانة الشريك إن تبينت أركان مساهمته الجنائية في الجريمة.

والسؤال المحوري هو كيف تمّ تنفيذ جريمة اغتيال السيد رفيق الحريري، ومَن هو الفاعل؟ وما هي العلاقة التي ربطت الفاعل بالشركاء؟

الإجابة التي قدّمتها المحكمة في أسباب حكمها لا تسوّغ ولا تبرّر مطلقاً النتيجة التي انتهت إليها.. فقد قالت المحكمة في أسباب حكمها إنه قد استقر في يقينها أن الجريمة قد تمّ تنفيذها عن طريق عمل انتحاري حيث قام الفاعل او المنفذ بتفجير نفسه لدى مرور موكب المجني عليه رفيق الحريرى.. ورغم وصف المحكمة لأشلائه بدقة إلا أنه تعذّر تحديد شخصه، وهي نتيجة تثير الريبة بالنظر الى مهنية عملية التحقيق الجنائي وكفاءة المحققين.. ويقيني أن التعمية على شخص المنفذ للجريمة كانت بمثابة الباب الخلفي الذي يمر عبره الاتهام السياسي.

وإذا كان الفاعل مجهولاً أو تعذّر تحديده كما تقول المحكمة، فكيف يمكن عقلاً ومنطقاً، تحديد الصلة التي ربطته بالشريك المدان وهو السيد/ سليم عياش؟ مع الوضع في الاعتبار ان حزب الله الذي حفرت المحكمة أنفاقاً في حكمها لتصل الى اتهام أحد أفراده، ليس معروفاً عنه اللجوء الى أسلوب الاغتيال الجسدي لخصومه، وليس معروفاً عنه اعتماد أسلوب العمليات الانتحاريّة..

وإذا كانت المحكمة قد أكدت عجز فريق التحقيق الدولي بالقضية عن معرفة هويّة الفاعل الذي ارتكب العمل الانتحاريّ، وانتمائه الحزبي والتنظيمي، فإن افتراض وجود علاقة يؤيدها عامل ظرفيّ يتمثل في نطاق عمل الهواتف الخلويّة واقترانها بموقع الجريمة، يُعدّ عبثاً قانونياً، واستخفافاً بالعقول، وتضحية بكل ما هو متعارف عليه في الإثبات الجنائي.

فالمحكمة لم تقدّم دليلاً مادياً واحداً على أن السيد/ سليم عياش هو الذي حرّض وحفّز الفاعل المجهول على ارتكاب الجريمة، ولم تقدّم دليلاً على أنه قد اتفق معه على تنفيذ تلك الجريمة (وبداهة فإن هذا مستحيل أصلاً لعدم معرفة الفاعل).. ولم تقدم المحكمة دليلاً عن ان عياش قد ساعد الفاعل على ارتكاب الجريمة..

فعلى أي أساس أدانت المحكمة سليم عياش؟…

الحقيقة أن ما ساقته المحكمة كأدلة ومبرّرات لإدانة سليم عياش هي في حقيقتها أسباب براءته.. وهو الأمر الذي يفضي إلى بطلان الحكم للتناقض بين أسبابه ومنطوقه..

فرغم توافر الأدلة الماديّة القطعية على وجود سليم عياش بالحجّ، إلا أن المحكمة تنكر ذلك بأدلة واهية.. كأن تقول إن إعطاء التأشيرات للحجاج بمطار بيروت كان يتمّ بشكل جماعي من دون التحقق من أشخاص المسافرين وهو قول يعوزه الدليل على أنه قد تمّ ختم جواز سليم عياش من دون أن يسافر للحج، ويعوزه دليل على أن عياش لم يدخل الأراضي السعودية.. وهذا ما لم تقدّمه المحكمة بالمطلق..

أما الدليل الظرفي الذي قدّمته المحكمة والخاص بنطاق عمل الهواتف الجوالة لسليم عياش واقترانها بموقع الحادث، فهو يصلح لإدانة نصف سكان بيروت.. فوفقاً لما قرّرته المحكمة فإن أي لبناني اقترن هاتفه بالنطاق المكاني لموقع الحادث لا يعدّ متهماً فحسب وإنما مدانا.

نحن بالحقيقة أمام حكم قضائي ضحّى بالمنطق، وبأصول الاستقصاء الجنائي، وبأصول المحاكمات الجنائيّة للوصول إلى هدف سياسي محدّد سلفاً…

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.