مجلة وموقع إعلامي شامل
موقع ومجلة حرمون

كوكو الأرمنيّ.. ظاهرة وحدة الحياة في حي الصنوبرة

زياد كاج*

كان مُقدَراً لكوكو الأرمنيّ أن يصبح معلماً وظاهرة مميّزة للعيش المشترك في شارع الصنوبرة في رأس بيروت.  جارنا في السراء والضراء، وفي الاحتماء من القصف العشوائيّ وعشوائيّة بعض البشر.. ففي زمن الحروب الأهليّة، تتولّد صداقات سريعة، وأيضاً عداوات أسرع. البنايات في المدن — خاصة في بيروت — قرى عموديّة صغيرة. كنا كجيران كوكو نحتمي بالحيطان  في أروقة الطابق الأول والقصف العشوائي من العيار الثقيل في الخارج يحفر زفت الطرقات، يحرق السيارات، ويمزق أجساد البشر. نقف مشدودي الأعصاب أمام باب شقته الأكثر أماناً، ولدى سقوط قذيفة قريبة، يعلو الصراخ والدعاء على صوت تساقط قطع الزجاج من الطوابق العليا. كوكو لم أسمعه يصرخ يوماً. كسر الرقم القياسي كأرمني يسمع أدعية إسلاميّة حتى حفظها عن ظهر قلب.

جاء كوكو الى بناية “السديري” (عُرفت شعبياً باسم بناية T.V. Taxi ) هاجراً صالونه في نادي الشيريلين القريب لارتفاع الايجار. أقنع بعد إلحاح جارنا الخياط الجنوبي “أبو سامي” وحلّ في شقته القريبة من شقتنا في الطابق الأول. مزيّن نسائي، شعره خليط من الشقار والاحمرار، معظم زبوناته من كبار السن من الطبقة الميسورة، ومن سيدات البناية. الحرب أشعلت فتيل الجيرة الطيبة بسرعة. انطفأت أعمدت الإنارة في شارعنا وعرفنا نور الشمعة وقنديل الكاز أبو فتيلة. اُغلقت المعابر بين البيروتتين وعلق كوكو لأشهر لم يرَ خلالها عائلته وأطفاله في برج حمود.  أبي كان يدعوه للعشاء معنا كل مساء. لا تُغلق أبواب البيوت بيننا خلال السهرة. يتردّد لكنه يستجيب بعد تكرار الدعوة. “الأكل معكم بيفتح النفس”، كان يردد، خاصة أن طاولة أبي طالما زيّنها كأس الويسكي أو العرق. يأتي بالثلج من أوتيل البريستول.

صار كوكو مع الأيام أكثر من جار. نفتقده حين يصمت المدفع ويفتح معبر المتحف. خُطف بعد سقوط النبعة. أوقفه حاجز لـ”جيش لبنان العربي” قرب الحمام العسكري وسجن لأيام مع جارنا ماركار. بمساعدة المختار عيتاني، تمكّن أبي من تخليصهما وعودتهما سالمين. كان كوكو يفاخر أن جماعته هم الوحيدون الذين لم يحملوا البندقية خلال الحرب. أغلقوا مناطقهم وانتظروا نهاية الحريق.

كوكو — “أبو غارو” — تحوّل علماً أحمر في البناية والحي. الجميع يحبونه لدماثة أخلاقه ولحماسته اللافتة لمساعدة الآخرين (حريك رأس بيروت). يفتقدونه عندما يطيل الغيبة. صادق “شوفيرية” صاحب مكتب T.V. Taxi، عدنان الحاج. كانوا يجلبون له كل ما يطلب من أسواق الشام بأسعار زهيدة. أحبّه الجميع خاصة البسطاء: جارنا أبو بشير الحلبي وابنه وليد، نعيم حداد وزوجته، آل الدويهي وأبو ديب، آل جحا الزحلاوية، الخواجة جان مايك، وبكل تأكيد الخواجة مراكار وأوهانس وزوجته شاكيه لكونهم كانوا من ملته. آل الصيداني وغلاييني وعيتاني في الحي كانوا يخافون عليه.

صاحب شخصية مميزة وظريفة كان كوكو وأنا كنت الأقرب إليه. قرب صخرة الروشة للصخرة الصغيرة الأخرى. ابن برج حمود حولته الحرب رغماً عنه الى رأس بيروتي منفتح وعنيد. ضحكته في عتمة دور السينما كانت ترفع نسبة الضحك بين الجمهور. لولا بعض الجيران الأرمن لنسي لغته الأم. أحب الكورنيش البحري وسوق الروشة الذي ربما كان يذكّره بأسواق الدورة وأراكس. لم أفهم سر اقتناءه القمصان بأعداد كبيرة. يشتري منها من كل الألوان، وعندما يفاصل، كان بإمكانه ببرودة أن “يجلط” صاحب البسطة. يستمتع بذلك. لا أنسى كيف أمسك بي يوماً أمام محل الأحذية مقابل مطعم بربر للمناقيش عندما علم أنني على وشك شراء أول حذاء “كلاركس” بسعر يوازي كل معاشي الأول!

شغفه الأول كان الرسم والموسيقى. كان يساعد أخاه في شراء أدوات العزف الغالية. أصبح الرجل نجماً عالمياً في أميركا.  الأب القاسي الطباع الذي شهد المجاعة والتهجير فرض عليه مهنة الحلاقة النسائية. فزيّن صالونه بلوحات للرسام الأرمني بول غيراغوسيان الذي فقد ساقه في حادثة في مصعد بناية الزهراء القريبة. أول رسمة نقلتها بالأسود كانت صورة راهبة تصرخ وسط المجازر الأرمنيّة. لاحقاً، صرت مساعداً له في الصالون حيث اكتشفت عالم النساء والجمال والثرثارات. لم يكن كوكو يحب مهنته. بل كان يمقتها. فنقل إليّ العدوى. كان عليه أن يؤمّن لقمة عيش عائلته في المنطقة الشرقية. بكى أمامي في إحدى الليالي عندما علم أن أبنه غارو سيخضع لعملية جراحيّة عاجلة وهو غير قادر على عبور المتحف.

بيعت بنايتنا لمليونير سوري من آل الدباغ فتغيّر اسمها والناطور. أبو علي حل وسطنا نازحاً من قريته الجنوبية طيرحرفا بسبب الاجتياح الإسرائيلي. ترك ناس وحل ناس جدد. المحامي أسامة العارف صار وكيل البناية. مالت البناية للون الأحمر اليساري. بقينا صامدين في الطابق الأول ومعنا كوكو والرسام هاني صالح الذي قتلته الميليشيات على جسر الرينغ، ومكتب المحاماة التابع للعارف. شقيق جورج حاوي فتح مكتب هندسة على الروف، وحلّت معه بعض العائلات اليسارية. كوكو بدوره تغيّر. صار ثوروياً يميل الى التمرّد على مهنته وركبه هوس حلم أن يصبح “مهندساً معمارياً” تماماً مثل صديقه المهندس عبد غلاييني المتخرج حديثاً من جامعة بيروت العربية. حاولنا إقناعه، لكن عبثاً. فحوّل إحدى الغرف الى مكتب لرسم الخرائط الهندسيّة. وطالما شاهدته ممسكاً بيد المهندس عبد لمشورة. حتى أنه راسل شركات عدة في الخليج للعمل. كانت تنقصه الشهادة.

خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 صمد كوكو معنا ونام في الملجأ على الأرض بين الصراصير والزواحف ووسط الرائحة العفنة. عطش وجاع وخاف معنا تحت رعد قصف الطيران والبارجات. حاصر شارون المتوحّش بيروت الغربية كأنه حيّة كوبرا متعطّشة للدماء والجثث. في الشهر الأخير قررنا الصعود الى ضيعة أمي في بحمدون، فغادر معنا كوكو وافترقنا عند حاجز غاليري سمعان. عدنا بعد شهر فعاد كوكو. خُيّل لنا أن الحرب انتهت بلا رجعة.

في أوائل التسعينيات سكت المدفع. استمرت الحرب بأشكال اُخرى. صار كوكو يتردّد أكثر إلى برج حمود حيث عائلته المكوّنة من شاب يعمل في صناعة المجوهرات وفتاتين. تعارفنا على زوجته الفاضلة وأولاده الذين صاروا يأتون بسيارته الرينو 12 الخضراء لزيارة الصالون. صحيح أنه عاد الى الاستقرار في برج حمود، لكن قلبه بقي في رأس بيروت. “هون أحلى.. ما فيي أترك هون”، كان يردّد أمامي ويعبّر من وقت لآخر عن غصة وألم داخلي بسبب قسوة أخويه المهاجرين الى أميركا وكندا. مع أنه، كما فاتحني، كان داعماً لهما أيام الضيق والحاجة.

تغيّر لون بنايتنا. كان عليها أن تخلع اللون الأحمر بعد انفراط الاتحاد السوفياتي وتراجع اليسار في العالم العربي. وكان على جارنا أبو علي أن يتحوّل من “حزب السنديانة الحمراء” الى مؤيد لموجة “البندقية والمسبحة واللحى” لأنها حررت له أرضه وأعادته الى قريته الحبيبة. بيعت بنايتنا الى أخوين طبيبين من آل شاهين. رحل أسامة العارف الى عالم اللاوجود، وجاء وكيل جديد لتسوية أوضاع البناية مستفيداً من قانون الإيجارات الجديد الذي لم يكن لمصلحة المستأجر القديم. صارت البناية تسمى ” بناية شاهين”. تفتح فمها كل يوم والوكيل الشاطر “يخربط” ويخلع الضرس – المستأجر القديم.

كوكو كان أول الضحايا، كضرس عقل ملتهب.

قاوم جارنا الأرمني متكلاً على رأسمال حضوره وتاريخه في الحي؛ تهرّب ورفض. قاوم وقاتل وعلا صراخه مع الوكيل في أروقة البناية. يطلب من شقيقتي أن تقرأ له يومياً أخبار قانون الإيجارات الجديد للمستأجرين القدامى.. تدخل الوسطاء وسعاة الخير وأصحاب المصالح. في لحظة ضعف رضي كوكو أن يقبض المبلغ المعروض عليه. فغادر بنايتنا وشارع الصنوبرة مكسور الخاطر. عندما سكن فترة في برج حمود أدرك أنه ارتكب خطأ فادحاً. “لماذا عاد الى هنا… ما عليه أن يفعل؟”. مبلغ كبير في المصرف لن يريحه ولن يريح من حوله.

بقي كوكو يحنّ ويعود الى رأس بيروت وشارع الصنوبرة. يقف على الرصيف المقابل يتأمل شقته وتلك اللافتة العريضة التي كانت منصوبة على الشرفة في الطابق الأول، ومطبوع عليها اسم KOKO بالحرف العريض وباللون الأحمر. كانت اللافتة عزه وكان يضيئها ليلاً قبل الحرب. فهو الشاهد على تحولات بنايتنا الثلاثة: المرحلة السديرية (السعودية)، ثم الدباغية (السورية) ثم الشاهينية (البورجوازية الشيعية الجنوبية).

ذاب كالشمعة في أزقة وبيوت برج حمود العتيقة. التقيته مرتين قبل سنوات: مرة في شارع أراكس حيث أكلنا سندويشات فلافل. قال لي إنه كاد أن ينسى اللغة العربية. شعرت أن كوكو رأس بيروت قد أضاع هويته هنا. لم تسعفه البيئة الأم – الأرمنية رغم صدرها الرحب. في المرة الثانية، كان طريح الفراش مصاباً بفالج ولا يقوى على الكلام. حزنت لرؤيته على هذه الحال. عزائي الوحيد أنه عرفني. تصنّعت التفاؤل الثقيل.

يوم التقيته أول مرة في الدورة قال لي “هنا في هذه الكنيسة الصغيرة سيصلون علي وعليك أن تأتي”. كنا نقف في الشارع العام ولم ألمح الكنيسة في الزاروب الضيّق.

لم أتمكّن من الوفاء بوعدي لأنني علمت برحيله بعد انفجار العنبر 12 في مرفأ بيروت القريب من برج حمود.

جين يكثر الرحيل المفجع.. يصبح يسيراً.

 

*روائيّ لبناني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.