مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الدكتور فادي علي قانصو لـ موقع حرمون : خيار صوملة لبنان محتمَل وقطع الطريق عليه بخطة إصلاحيّة جديدة وتنازلات متبادلة من الجميع

رغم تشابه وضعنا مع وضع فنزويلا لكننا لا نزال في بداية الأزمة وإن الأرقام ما زالت قابلة للاحتواء نسبياً إذا صدقت نيات الإصلاح وتم تسريع خطته

الأولوية اليوم لإعادة تحفيز التدفقات المالية الوافدة وخفض الواردات وتعزيز الصادرات للحدّ من العجز التجاري القائم

الحل ممكن بـ: تقشّف في الإنفاق العام، تعزيز الإيرادات بمكافحة التهرب الضريبي التي تُقدّر بحوالي 5 مليارات دولار، إصلاح قطاع الكهرباء. خصخصة مؤسسات عامة كقطاع الاتصالات وطيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان

 

نشأ في أسرة اتخذت عقيدة الحياة الحرة نهجاً، وتمرست بانتمائها الفكري النفسي الروحي فأصبح دينها وديدينها اليومي، ينطبق لديها القول على الفعل ويندمجان. وقدمت للبنان سيرة عطاء ورجال شأن عام ما زالت بصمتهم لافتة.

الدكتور فادي علي قانصو، ضيف موقع ومجلة حرمون في هذا الحوار، حائز على شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة Aix-en-Provence في فرنسا، وعلى ماجيستير وإجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة القديس يوسف في بيروت. باحث وكاتب اقتصادي متخصّص في الشؤون الماكرو اقتصادية والجيوسياسية في لبنان وفي منطقة الشرق الأوسط، وفي الشؤون المصرفية ومكافحة الفساد والحوكمة الإدارية والشراكة بين القطاعين العام والخاص. أستاذ جامعي محاضر في مواد الاقتصاد الدولي والاقتصاد الكلّي والجزئي والإحصاء والرياضيات منذ العام 2006.

توجهت الزميلة فاطمة ملحم إلى الدكتور قانصو بالأسئلة الاتية ادناه وتفضل بإجابات وازنة علماً وخبرة ومعرفة. آملين أن تشكل أساساً لخطة إصلاح وطني عام..

 

الخبير الاقتصادي الدكتور فادي علي قانصو
  • ما هو تقييمك للوضع الاقتصادي الراهن في لبنان؟

مع بداية العام 2020، دخل الاقتصاد اللبناني العليل غرفة الإنعاش عقب إصابته بداء الركود التضخّمي، وهي حالة مزمنة يُصاب فيها الاقتصاد بانكماشٍ حادّ في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أي نسب نمو سلبيّة) بالترافق مع ارتفاع ملحوظ في نسب تضخم أسعار الاستهلاك، مما يؤدّي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، لا سيّما لناحية تداعياته السلبية على معدّلات البطالة في ظلّ توجّه المؤسسات في الإجمال إلى تسريح عمّالها بُغية تقليص النفقات التشغيلية لديها جرّاء ارتفاع تكاليف الإنتاج، ناهيك عن انعكاساته الثقيلة على القدرة الشرائية للمواطنين وخاصّة ذوي الدخل المحدود وحتى المتوسّط. وقد ترافق هذا الترّدي في أداء الاقتصاد الحقيقي مع أزمة ماليّة ونقدية خانقة أدّت إلى تدهور تدريجي في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية بدءاً من شهر أيلول 2019 ليناهز عتبة الـ10,000 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد، وينطلق معها لبنان في جولة مفاوضات جدّية مع صندوق النقد الدولي، للخروج من أعتى أزمة اقتصادية ومالية تواجهها البلاد على الإطلاق، وذلك في ظلّ تخلّف الدولة اللبنانيّة عن سداد مستحقاتها بالعملات الأجنبيّة، ناهيك عن تداعيات وباء كورونا على كافة القطاعات وانتهاءً بالانفجار الضخم الذي هزّ مرفأ بيروت وما أعقبه من استقالة للحكومة اللبنانية. عليه، من المتوقّع أن يشهد لبنان انكماشاً اقتصادياً حادّاً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة قد تتخطّى عتبة الـ20% في العام الحالي، هي الأسوأ منذ العام 1989.

 

  • هل ينطبق السيناريو الفنزويليّ على الواقع الاقتصادي في لبنان؟

مع دخول الاقتصاد اللبناني فعلياً نفق الركود التضخّمي، تبادَر إلى مسامعنا على مدى الأشهر الماضية، الكثير من التساؤلات حول مدى انطباق السيناريو الفنزويلي على الاقتصاد اللبناني. في الواقع، يصحّ القول بأن جذور الأزمة الاقتصادية في كلا البلدين تتشابه إلى حدّ كبير، لا سيّما على صعيد الأزمات السياسية الداخلية في كلّ من فنزويلا ولبنان، أو على صعيد افتقار البلدين إلى التنوّع الاقتصادي، أم لجهة تفشي ظاهرة الفساد في إدارات الدولتين، ناهيك عن لجوء حكومات فنزويلا ولبنان إلى الاستدانة المفرطة لسنوات طويلة، ما أدّى بطبيعة الحال إلى أزمة مالية ونقدية حادّة في فنزويلا في العام 2018، من تضخّم جامح في الأسعار بلغ مستويات قياسية لا يستوعبها العقل، قُدّرت بحوالي 35,000%، إلى انهيار لافت في قيمة البوليفار مقابل الدولار من 10 بوليفار للدولار الواحد في شباط 2018 إلى 248 ألف بوليفار للدولار في آب 2018. وهو ما بدأنا نشهده مؤخراً في لبنان مع معدّل تضخّم في الأسعار تخطّى عتبة الـ500% مع بداية شهر تموز وفق الخبير الاقتصادي العالمي “ستيف هانكي”، وذلك بالتوازي مع انخفاض لافت في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق الموازية إلى مستويات غير مسبوقة. وبالتالي فإن ما حصل في فنزويلا شبيه إلى حدّ كبير بما بدأ يحصل اليوم في لبنان، وإننا لا نزال في بداية الأزمة وإن الأرقام ما زالت قابلة للاحتواء نسبياً إذا صدقت نيات الإصلاح التي تبقى اليوم رهن تشكيل حكومة جديدة بأسرع وقت ممكن لا سيّما وأننا لم نعد نملك ترف الوقت.

 

  • ما هي الحلول المطلوبة اليوم للخروج من الأزمة الاقتصادية؟

لا شكّ في أن الاختلالات البنيوية القائمة في لبنان، لا سيّما على صعيد القطاعين الخارجي والعام، عنصرا الهشاشة الأبرز في الاقتصاد اللبناني بعجزهما المزدوج، قد تفاقمت حدّة تردّيها خلال السنوات الأخيرة. إلا أن المخارج ما زالت متاحة نسبياً إذا تمّ اتخاذ خيارات قاسية وتدابير جذرية وفي حال أُطلِقت عجلة الإصلاحات الهيكلية بشكل ملائم وبأسرع وقت ممكن وبدون أي تلكّؤ أو مماطلة، وإلا فلا مفرّ من الانهيار الاقتصادي المرحلي الشامل. من هنا، فإن الأولوية اليوم تكمن في إعادة تحفيز التدفقات المالية الوافدة وخفض الواردات وتعزيز الصادرات للحدّ من العجز التجاري القائم. لبنان قادر على تعزيز حجم صادراته من خلال اتخاذ تدابير جدّية لتعزيز الإنتاج المحلي على حساب الواردات من خلال تحفيز السلع الموجهة نحو التصدير والسلع البديلة للاستيراد. في هذا السياق، من المهم تحسين وتوسيع نطاق البرامج القائمة لدعم الصادرات واستحداث برامج تحفيزية جديدة تتوجه نحو القطاعات التي تتمتع بنسب متدنية من الاستثمار إلى القيمة المضافة الناجمة عنه. كما أن تشجيع الإنتاج المحلي يجب أن ينطوي على رفعٍ للرسوم الجمركيّة لحماية المنتجات المحلية، تـأمين حوافز ضريبية للمنتجين المحليين، دعم أكبر قدر ممكن من عملية استيراد المواد الأولية، ناهيك عن ترويج الإنتاج المحلي في الخارج مع التركيز على المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. في موازاة ذلك، المطلوب أيضاً تصحيح ضروريّ للاختلالات القائمة على صعيد المالية العامة وعجوزاتها المتفاقمة، يتأتّى عن عدد من التدابير التي تتمحور بشكل خاص حول تقشّف في الإنفاق العام، تعزيز الإيرادات عبر مكافحة التهرب الضريبي التي تُقدّر بحوالي 5 مليارات دولار، وإصلاح قطاع الكهرباء. كما وأن هنالك مجال أيضاً لخصخصة بعض المؤسسات العامة مثل قطاع الاتصالات وطيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان، ما من شأنه أن يؤدي إلى اقتطاع جزئي في مخزون الدين العام. وفي حال تمّ تنفيذ جميع هذه التدابير، من الممكن خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 180% اليوم إلى ما يقارب 100% خلال خمس سنوات، وتحقيق صفر عجز في المالية العامة في حينه.

 

 

  • هل من سيناريو تفاؤلي ينتظر لبنان في الأفق؟

أي سيناريو تفاؤلي هو رهن الاستقرار السياسي والأمني في لبنان وفي المنطقة بشكل خاص، وهو ما يرتبط بشكل رئيسي إما بتسوية سياسية محتملة قد بدأت تظهر ملامحها في الآونة الأخيرة، أو بتأثير الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة الأميركية على المنطقة، وذلك في ضوء هزيمة، على ما يبدو مرتقبة حتى الآن، للرئيس الأميركي الحالي “دونالد ترامب” في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل، ما من شأن ذلك أن يحمل في طيّاته ارتياحاً إقليمياً ومحلياً في ظلّ الحصار الاقتصادي الخانق على إيران وسورية ولبنان. في الواقع، إن سيناريو كهذا ينبغي أن يترافق حُكماً مع برنامج إنقاذ إصلاحي شامل ينخرط فيه صندوق النقد الدولي من أجل إعطاء مصداقية للمساعي الإصلاحية المطروحة وتعزيز القدرة على استقطاب المساعدات المرجوّة من الخارج، وهو ما يعوَّل عليه أيضاً لتحرير جزء من مساعدات مؤتمر “سيدر” والتي تصل في الإجمالي إلى 11 مليار دولار. وبالتالي فإن ضخ ما يوازي 20 إلى 25 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة كفيل بإحداث صدمة إيجابية تُعيد ضخّ الدمّ من جديد في شرايين الاقتصاد الوطني المتعطّشة إلى السيولة بالعملات الأجنبية، ما من شأن ذلك أن يُؤمّن الاستقرار الاقتصادي المنشود والقادر على إخراج لبنان من فخّ الركود في فترة لا تتجاوز العامين، وذلك بالتوازي مع استقرار مالي ونقدي من شأنه أن يوحّد أسعار الصرف عند مستويات تعكس القيمة الحقيقية لليرة اللبنانية مقابل الدولار والتي لا تتجاوز عتبة الـ5,000 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد كحدّ أقصى.

 

  • ما هي السيناريوهات الأخرى؟

إن تقييم كافة المؤشرات الاقتصادية بالترافق مع قراءة معمّقة لكلّ ما استجدّ من أحداث مترابطة على الصعيد المحلي والإقليمي وحتى العالمي، تجعلنا نستنتج أنه وبالإضافة إلى السيناريو التفاؤلي هنالك سيناريوهان آخران محتملان. سيناريو المراوحة، هو الأكثر احتمالاً حتى هذه اللحظة في ظل هذا التراخي المُستهجن من قبل الدولة اللبنانية والذي استجدّ مؤخراً مع استقالة الحكومة. ويفترض هذا السيناريو أن لبنان لن يحقّق أي خرق جدّي على صعيد الإصلاحات الهيكلية الضرورية أو حتى على صعيد مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي لا سيّما في ظلّ غياب للتوافق على أرقام الخسائر المالية بين مختلف العملاء الاقتصاديين حتى الآن، وبالتزامن مع فرضية أن لبنان باقٍ في عين العاصفة الإقليمية، أي دون تغيير ملموس في السياسة الأميركية المتّبعة في المنطقة في ما يخص ملفات إيران وسورية وحزب الله. في ظل هذا السيناريو، فإن احتياطيات مصرف لبنان الأجنبية والبالغة اليوم حوالي 20 مليار دولار (دون احتساب احتياطيات لبنان من الذهب والمقدّرة بحوالي 16 مليار دولار)، ستبقى عرضة للاستنزاف المستمرّ منذ ما يقارب العام نتيجة تمويل حاجات الاقتصاد الوطني الأساسية من النفط والقمح والأدوية. عليه، فإذا اعتبرنا بأن حاجات لبنان من العملات الصعبة تُقدّر بحوالي 10 مليارات دولار سنوياً (بعدما تقلّصت إلى النصف في ظل التراجع الملحوظ في حجم الاستيراد)، فإن احتياطيات المركزي قد تكفي “نظرياً” لما يقارب العامين حتى تُستنزف بالكامل. غير أن هذا الاستنزاف التدريجي في الاحتياطيات الأجنبية ستكون له تداعيات خطيرة على سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي وبالتالي على القدرة الشرائية ومعدلات البطالة ونسب الفقر المدقع، بحيث من المتوقع أن يتّبع سعر الصرف مساراً تقلبيّاً تصاعدياً ليبلغ مستويات قياسية وهمية قد يصعُب توقّع سقوفها.

يبقى السيناريو الأسوأ (أو السيناريو التشاؤمي)، فهو قابل للتحقّق إذا ما طالت فترة السيناريو الثاني (أي سيناريو المراوحة) لأكثر من عام ونصف أو حتى إذا ما ترافق السيناريو الثاني مع اضطرابات سياسية وأمنيّة في الشارع بين مختلف مكوّنات المجتمع السياسي اللبناني قد تدفعنا باتجاه الفوضى “الخلّاقة”، أو مع اضطرابات اجتماعية قد تدفع إلى ارتفاع معدّل الجريمة وحالات النشل والسرقة. إن هذا السيناريو، للأسف، قد تردّد صداه في الآونة الأخيرة في أروقة بعض الباحثين الدوليّين تحت مسمّى “صَوْمَلة” لبنان، أي تحويل لبنان إلى صومال ثانٍ. إلا أن تفادي سيناريو كهذا ممكن جدّاً وهو يتطلّب منّا أقصى درجات الوعي والحكمة.

 

  • هل من كلمة أخيرة تودّ أن توجّهها في ختام هذه المقابلة؟

علينا أن نعترف اليوم بأن نظامنا السياسي الاقتصادي القائم حالياً في لبنان والذي يعيش على التسوّل لم يعد قادراً على الاستفاقة من الكوما ما لم نحقّق صدمة إيجابية تُخرج اقتصادنا الوطني من موته السريري. نحن بحاجة اليوم، قبل الغد، إلى تغيير جذري ودراماتيكي في جوهر نظامنا السياسي ينفض الغبار عن مفاصل الاقتصاد والدولة، نحو نظام مدني جديد يُفصل فيه الدين عن الدولة، لأن الضرب في الميت حرام وأن جرعات “المورفين” لن تعيدنا، للأسف، إلى وضعنا الطبيعي. من هنا، فإن لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى سواعد من تبقّى له من شبابه، بكفاءاتهم وخبراتهم، شبابه الذين أصبحت أدمغتهم سِلعاً جاهزة للتصدير بعد أن تُباع في مزادات المحاصصة العلنيّة. عليه، لقد باتَ الإجماع الداخلي اليوم أساسيّاً والانخراط الملائم لكافة قوى المجتمع اللبناني ضروريّاً، مع الحاجة إلى تقديم كلّ التنازلات الملحّة وتخفيض منسوب التباينات وتعزيز القواسم المشتركة في ما بيننا، وإطلاق عجلة الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لأننا لم نعد نملك ترف الوقت، من أجل وقف النزف المستمر وصون وطننا الحبيب، الذي سيحيا بأبنائه ومن أجل أجياله الصاعدة. كيف لا؟ ونحن، أبناء الحياة، نستحق أن نعيش حياة كريمة، لا بل حياة كلّها وقفات عزٍّ فقط. من هنا، ينبغي أن نحافظ على إيماننا رغم صعوبة ودقّة الوضع الراهن دون أن ننسى أننا مررنا بفترات عصيبة في تاريخ لبنان الحديث وكنّا نقول في كل مرّة إنها آخر الدنيا وقد استطعنا أن نتجاوز هذه الخضّات مع الوقت بصلابتنا وعقيدتنا، من دون أن نغفل للحظة بأنه “ليس عاراً أن نُنكَب، ولكنه عارٌ إذا حوّلتنا النكبات من أشخاص أقوياء إلى أشخاص جبناء”.

الضغط الاقتصادي يدفع الناس إلى مواجهة مع غالبية السياسيين وقطاع المصارف

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.