مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

المكان في نص الصراع الروائي العربي المعاصر.. رواية صخرة الجولان لعلي عقلة عرسان نموذجاً

د. فضيل حلمي عبدالله*

 

شهد فن الرواية في عصرنا الراهن حداثة ورؤىً جديدة في صياغة السرد الروائي، إلا أنه يبقى هذا الفن حديثاً في أدبنا العربي إذا ما قورن بالأدب الغربي. ومن دون الخوض في أغوار نشأة هذا الفن، فهو يعبّر عن مرآة حياة أي مجتمع من المجتمعات تبعاً لثقافاته وعاداته وتقاليده وأزماته ومآسيه وانتصاراته.

والرواية هي اللوحة والوحدة التي أبدعها الإنسان المثقف كي يلتقط ملامح أخيه الإنسان قبل الموت والعدم. أما الروائي فهو القادر على تحويل رؤيته الفكرية إلى محور تتشكل حوله الأحداث وينتصر لوجهة نظره، وقناعاته ويشكل ذلك في أحداث روايته. ووجهة النظر هذه تقوم بتحكيم الرأي العام في المجتمع ومن هنا تأتي القيمة الجمالية كوسيلة معيارية للتوسط بين الرؤية المعرفية والأداء الفني وهي الأقرب إلى الخصوصية في وجهة النظر. والروائي لم يعد مشغولاً الآن بتأكيد الثوابت الفكرية في مجتمع ما، على الرغم من فاعلية هذه الثوابت وإنما شغل الروائي إعادة توزيع الأضواء على القيم الثابتة والأخرى المتحولة والمناهضة ومن ثم يحدث قلقاً يفسح به المجال لوجهات النظر المتصارعة وهذا ما أدى إلى ولادة بما اصطلحه النقاد بـ”رواية الأصوات” التي تركز على الزمان والمكان في الإدراك العقلانيّ فكان من الطبيعي أن يستعينَ الروائي بها، فجاء مثلهما في المسيرة الروائية مختلفان. فهناك روايات تبرز المكان وتأثيره أكثر من إبرازها للزمان، وهناك روايات تعنى بالزمان أكثر من عنايتها بالمكان.

وهذا ما يختصّ حديثنا عن “الجولان” كمكان في النصّ الروائي المعاصر إلا أنّ هذا المكان “الجولان” لا يمكن أن تفصله عن زمانه، فهل يستطيع الروائي العربي السوري على وجه الخصوص أن يتناولَ هذا المكان الذي يمثل قضية أرض وشعب هُجِّرَ من دياره قسراً من دون أن يربطه بالزمان، وهذا الربط لا يتمثل بطبيعة واحدة، وبامتداد واحد، بمعنى أنّ الزمانَ يعزز مفردات المكان والعكس كذلك. وتجد أنّ الزمانَ والمكانَ في “رواية الأصوات” أشبه بالسالب والموجب، وعلى الرغم من تنافرهما إلا أنهما كما قلنا يعززان بعضهما ويوجدان الصراع الروائي المعاصر، فيما إذا تناول قضية كبيرة تتداخل فيها الجوانب السياسية والإنسانية والفكرية والأخلاقية والوطنية وحتى والجماليّة إن صحّ التعبير.

إن النصّ الروائي المعاصر إلى الآن لم يتناول قضية الجولان كنصَ متكامل الجوانب. وهذا انعكاس بطبيعة الحال للرواية العربية عموماً التي وقعت بين السياسة والجمال الفني فما بالك إن كان المكان هو الجولان الذي يشكل نتاج الحرب والسلام في منطقة ساخنة بالصراعات والأيديولوجيات والتسويات إن أردت، فكيف يمكن لروائي معاصر بما يحمله من فكر أن يطلقَ صوتاً بديلاً عن الصوت ويرسم لوحةً تنبض بالحياة وجوانبها معقدة وهو قادر على ذلك فأدواته بين يديه من أبطال وأحداث والحوار الذي يمكن أن يصوغه على لسان أبطاله وشخصياته، وما يسم هذه الشخصيات من مشاعر، بالرغم من تعقيدات البناء الفني لهذه الأدوات، والنص الروائي قادر على إعادة بناء المجتمع وتشكيله فيما إذا توافرت العوامل المساعدة التي يجب أن يخلقها الروائي بذكائه. وعلى الرغم مما قدّم من كتابات روائية لم نجد نصّاً أثَّر كل التأثير في المجتمع إلا على نطاق محدود لأن النصوص الروائية أتعبت أصحابها ولم تتمكن بالقدر المطلوب في ترتيب الأحداث وتلاحقها واندماجها. وهذا يعود للكاتب نفسه لأنه لم يمتلك ذكاءً فنياً وهو أصعب وأقدر للأفكار، إنّ بناءَ نصّ فني متكامل الجوانب في قضية شغلت كبار السياسة في العالم فضلاً عن الصراع والاحتلال الصهيوني..

 

إن الروائي الحقّ قادر على خلق أفكار حرّة حية نابضة بالحياة والحركة من خلال إيحاءات وإشارات وبذلك ينتج نصّاً روائياً مؤثراً يفعل الذكاء الفني للرؤائي. وهذا لا نريده لمجتمعنا فحسب من أجل المتعة الفنية والسرد المحكم والأحداث المتتالية والصراع والجمال الفني الذي قدّم النص بل نريده كذلك رسالةً إلى الجانب الآخر من العالم إيماناً بالقضية وعدالتها وبهذا يستنتج إلى ما يمكن أن يقع في المستقبل. فأين قضية الجولان من النص الروائي المعاصر؟

 

وإذا ما بحثنا عن نصّ روائي خالص متكامل الجوانب الفكرية والفنية يعالج قضية الجولان، فلن تجدّ نصاً واحداً بالرغم من محاولة بعض الروائيين أمثال الدكتور عقلة عرسان الذي أنجز رواية “صخرة الجولان” التي تناول فيها قضية الأرض والوطن إلا أنه رأى كل شيء جزئي في موجودات هذا العالم وهذا عنصر قوة في الرواية وهي نتيجة مترتبة على الخصائص التي درسها الأديب، فهو لا يقرّر لنفسه شيئاً بل تقرره العوامل المحيطة وارتباطها بالمشكلات بذاتها، والمعركة تدخلها القوى المتواجدة على الساحة تخلق مأزقاً يجد فيه الكاتب نفسه أما أن يمسك بزمام الوجود أو يتركه لذاته، إن طبيعة التعارض تشير إلى التقابل الحاد بين القيم التي تبعث مفاهيم مجتمع الأديب وبين غرائب الهجمة المقبلة التي تخلق الخوف والقلق والحروب هي اللغة المقبلة إلى منطقة الأديب فارضةً عليه الإحساس بالانتماء وإن هذا الشعور هو عملية وجود الإنسان في مجتمعه وبيئته وهو شعور ملطف، لكن الاضطراب المقبل مع العدوّ هو ظاهرة تجعل الكاتب إنساناً ليس في بيته، إن هذا الفعل الروائي الذي وضعه الكاتب من تعيين دقيق السلوك لأشخاصه من بساطة وفقر ونكبات يعني هذا أننا سوف نلتقي بهذه الشخصيات لأنها من الموجودات في هذا العالم الذي بناه الكاتب، وينبغي لنا أن لا نعجب من هذا الانفعال ازاء ما يجري، فأنت ترى ما يجري من خروقات في استعمال المخترعات العظيمة في عمليات القتل والتدمير وتصبح مألوفة، وترى الاضطراب الذي يصيب شخوص الأديب في محنة الأحداث القاسية التي جرفت بيته، ولم يجد هناك مبرراً لرغبته من الإفلات والهروب من الزمن، فالحصار قائم والقتل محيط بكل شخوصه..

 

إن هذا الجدل يدفع بالروائي علي عقلة عرسان إلى تحويل بعض رؤاه إلى دفقات من التنوير أوفر قيمة للأشياء المتحركة وترى الرغبة في الحياة والتمسك بالأخلاقيات التي تنبع من ضمير إنساني عالٍ، وإن الفكر الذي يطرحه الكاتب عرسان يحدثنا باستمرار بأن الحياة آتية إلى الحرية وأن العقل يحدثنا بعناد عن قوة ستخرج من تحت الدمار الذي أرتكبه الكيان الغاصب، وإن العدو الصهيوني الجاثم سينكفئ ويرحل ولا شك في أن ما قدّمه الأديب علي عقلة عرسان هام، ولكنه غير مكتمل الصورة على الصعيد الروائي، وهذا لا يقلل من قيمة النص الذي عمِلَ من أجله بل يؤسس لرواية مكتملة الجوانب ونحن نتابع ونرى ما هو كائن في النصوص المعاصرة وهذه المتابعة النقدية فيها قيمة وقوة للنصوص الروائية اللاحقة، وبالعودة إلى قضية الجولان كمكان في النصّ الروائي المعاصر الذي عالجه عرسان واعتبره البعض من النقاد نصاً هاماً وأنا أقرُّ بذلك لا لأن الكاتب علي عقلة عرسان من الأدباء المشهورين بل لطبيعة المكان الذي تناوله الكاتب ومن تنبع أهمية النص كمكان ومن ثم تتبعها القيم الأخرى الفنية والجمالية والفكرية فيما لو اكتملت في النص الروائي فلو ناقشنا عنوان الرواية “صخرة الجولان” الذي اختاره الكاتب، فهذا العنوان تقليدي فيه خطاب سياسي ما يجعل المتلقي في حالة نفور لأن المتلقي أو القارئ العادي قد ملّ من الخطابات السياسية الفارغة، وليس من الضرورة أنَّ كلّ نصٍ يحمل الهم الوطني يجب أن يحمل عنواناً سياسياً، وهناك الكثير من النصوص العربية الروائية المعاصرة عالجت الحياة.. الحياة الوطنية والثورة وتداعياتها في الجزائر من دون أن تحمل عنواناً سياسياً، مثال ذلك الروائية “أحلام مستفانمي” من رواية “ذاكرة الجسد” ومثال آخر من إسبانيا فالكاتب الإسباني سرفانتس في رواية “دون كيشوت” الذي عالج مأساة إسبانيا منذ تحطم أسطول الأرمادا الإسباني إبان الصراع على اقتسام العالم الجديد؛ وعلى الرغم من الإشكالية في العنوان التي تعدُّ واحدة من الإشكاليات في النص الروائي المعاصر..

 

إن كتّاب الرواية لم يفحلوا إلى الآن في إنجاز رواية واحدة مكتملة الجوانب الآنفة الذكر في تناول قضية الجولان كنموذج للرواية الحقّة. وهذه إشكالية تضاف إلى الأدب العربي، في منطقة جغرافية تشهد صراعاً ديموغرافياً وهويةً وانتماء وما يحسم أمر هذا الصراع هو ذكاء الروائي وما يتمتع به من أدوات لأن السرد الروائي يحتاج بالدرجة الأولى إلى الذكاء الفني الذي نقصد به المعرفة بتجليات الأمور والرؤية المستقبلية ودقة الملاحظة والثقافة المختزنة والنباهة بالإضافة للدراية التامة بمشكلات السرد الروائي من أجل تذليل هذه المشكلات وإخضاعها للبناء الروائي المحكم. وفي هذا السياق لم يعد النص الروائي المعاصر حيّاً ويحتل مكانةً هامة في عصر الرقميات والتكنولوجية وعالم الإنترنت وروايات الإنترنت التي لا تُعدّ ولا تُحصى فكيف بنصّ معاصر يستكمل الشروط ويفرض نفسه بالرغم من عالم غارق بالمشكلات والأزمات، وهو قادر كما أسلفت فيما توافر للنص الروائي المحكم المبنيّ على جوانب خفية فد لا يدركها الأديب أو الروائي نفسه الذي كشفها مسبقاً الناقد الحاذق، فقضية مثل الجولان قادرة على خلق نصّ روائي معاصر ينافس الأدب العالمي فيما إذا تكاملت عملية السرد الروائي وعملية النقد الحديث، لأن النص الروائي المعاصر لم ينجز بعد إلا إذا تكامل أو وازى الحركة النقدية الأدبية فهما مجالان متكاملان لإنجاز نص روائي معاصر قادر على خلق ثقافة جديدة تنذر بأسلوب جديد في عالم الكتابة الروائية، فما بالك إن كنّا نحمل في وجداننا قضية كقضية الجولان تحمل في جوانبها الإنسانية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية الوطنية ناهيك عن أرض الجولان التي عمرها تسعة عشرَ عاماً ووجود ثلاثمئة موقع أثري تعود إلى العصر الحجري. إذاً عوامل شروط إنجاز نص روائي معاصر، ولكن كما أسلفت يحتاج هذا إلى ذكاء فني في السرد الروائي فما على الروائي إلا أن يعيدَ النظر فيما قرأَ وسمعَه وتعلّمْ من تجارب تراثية غنية سابقة والانفتاح على الحداثة بشكلها الايجابي والسلبي من أجل خلق حداثة متوازنة قادرة على المواجهة في معارك الفكر المقبلة، وبذلك يستطيع الروائي أن يرسم ملامح النص الروائي المعاصر الذي يحمل قضية لا يمكن أن تسقط مهما امتدّ الزمن.

 

* كاتب وإعلامي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.