مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الاقتصاديّ السوريّ منذر زيدان لـ حرمون : تمسّ الحاجة لإحداث الحكومة تنمية اقتصاديّة شاملة تعزّز دفاع الاقتصاد ضد العقوبات وتلبّي الاحتياجات المحليّة

الدول التي استطاعت تكييف اقتصادها بسرعة ليصبح اقتصاد أزمة نجحت في مواجهة كورونا

أساس النهضة هي العنصر البشريّ، وقيام خطة حكومية شعبية تتوزع المهام والأعباء ويشترك فيها الجميع

حوار يوسف أبو الخير

ارتفاع في الأسعار وغلاء المعيشة أسبابها وكيفية معالجة العديد من المشكلات التي ظهرت بشكل كبير في السوق السوري بالإضافة لعدم وجود التكامل الاقتصادي العربي ومعوقاته والتنافس الاقتصادي بين قطبي التجارة الصين وأميركا أسئلة مهمة يجيب عليها الدكتور منذر زيدان مصرفي سابق وأستاذ جامعي حالي.

 

الدكتور منذر زيدان

* ارتفاع الأسعار ما أسبابه؟ وهل اتجهنا إلى التضخم؟

 

التضخم هو ارتفاع مستمر في المستوى العام للأسعار، بصفة مستمرة تميّز ظاهرة التضخم، وكذلك يجب أن يطال الارتفاع أسعار غالبية السلع،

وهذا ما يحصل في الاقتصاد السوري حالياً، أما عند عدم وجود الاستمرارية في ارتفاع الأسعار (استقرار) لا نستطيع القول إن هناك تضخماً.

هذا التضخم له أسباب عدة هي نتيجة الواقع الحالي للاقتصاد السوري:

السبب الأول والأساسي هو ضعف القطاع الإنتاجي المسؤول عن ضعف العرض السلعيّ للمنتجات المحلية، بسبب تعرّض هذا القطاع في سورية للحرب عبر السنوات الماضية وتدميره، مما أضعف بشكل كبير وملموس الطاقة الإنتاجيّة للاقتصاد السوريّ.

السبب الثاني هو زيادة عرض النقود نتيجة لجوء الحكومة لتمويل عجز الموازنة بديون من المصرف المركزي. وهذا أيضاً هو نتاج ظروف الحرب التي تضطر الحكومة لإجراء كهذا.

السعر المتوازن هو نتاج علاقة متوازنة بين الإنتاج الموجود في الاقتصاد وبين كمية النقود الموجودة في السوق. وعندما يكون السعر متوازناً يعني أن هناك كمية من السلع تنتج داخل الاقتصاد الوطني وتعرض للبيع يقابلها في الوقت نفسه طلب على هذه السلعة ينبع من حاجات الناس. وهذا التوازن في السعر يعني أن يكون السعر مقبولاً بالنسبة للمستهلك ومقبولاً للمنتج الذي يعرض السلع. وهذا مفقود في الأسواق السورية حالياً.

 

 

ما السبب وراء ارتفاع الأسعار بالرغم أن بعض المنتجات هي صناعة وطنية؟

حقيقة ما يجري داخل الأسواق السورية هي ارتفاع اسعار المواد الأساسية نتيجة ارتفاع الاستهلاك لمستوى اعلى من الإنتاج، وهذا يشكل زيادة في الطلب على السلع داخل الأسواق المحلية والسوق المحليّة غير قادرة على تلبية جميع المتطلبات فيلجأ الى الاستيراد، ولو كانت للاقتصاد المحلي طاقة قادرة على تلبية حاجات المستهلك من خلال استنفار قطاعات الإنتاج المحلية لكانت الامور ستتجه الى السعر التوازني. وجود الصناعات الوطنية في الوقت الحالي هو وجود ضعيف وغير مستوفٍ المتطلبات. هناك صناعات تعتمد على مواد أولية مستوردة، وهناك صناعات تحتاج للدعم لإعادة الإقلاع، وفي الوقت الحالي وفي ظل العقوبات يصبح لزاماً أن توفر كل سبل الاهتمام بالصناعة الوطنية للوصول لطاقة إنتاجيّة تلبي الاستهلاك.

 

كيف يمكن للمواطن السوري أن يؤمن متطلبات حياته الأساسيّة مع الارتفاع الكبير بالأسعار وضعف القدرة الشرائية للمواطن؟

عندما تتوفر لدينا الطاقة لتلبية جميع احتياجات المواطن سواء مواد أولية وسلع وسيطة والسلع الاستهلاكيّة نصل لدرجة الاكتفاء الذاتي. ومعالجة هذا الموضوع لا تتم خلال فترة زمنية قصيرة بل تتطلب جهوداً مستمرة ووقتاً، لأن الاقتصاد منهك بسبب الحرب ويجب أن يحمل المواطن كتفاً مع الحكومة من خلال اعتماده على الطاقة الذاتية واستحداث منابت إنتاج صغيرة ومشاريع تنموية صغيرة وجمعيات تعاونية يستطيع من خلالها الوصول لدرجة الاكتفاء الذاتي والتنسيق الأهلي الذاتي لدعم الاقتصاد الوطني. طبعاً هذا كله لا يتم إلا بالتنسيق مع الحكومة والتي يجب أن تتبنى سياسات اقتصادية ناجحة.

 

لاتباع سياسات اقتصادية مالية ونقدية توفر العدالة بتوزيع الدخل وتزيد القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود

 

كيف يمكننا تحقيق الاكتفاء الذاتي وطرح سلع بالسوق تناسب المواطنين وأصحاب الدخل المحدود؟

درجة الاكتفاء الذاتي المراد الوصول لها هي حالة منشودة تحتاج الى وقت وخطوات ومثابرة ونحن نسعى لأن نوجه الطاقات المحلية بالاتجاه الصحيح، عندما يصل المواطن للاكتفاء الذاتي نكون قد عالجنا معظم المشكلات، بالنسبة لتأمين السلع بأسعار تراعي المواطنين أصحاب الدخل المحدود فهذا يحتاج أولاً إلى زيادة الإنتاج كما تمّ الحديث سابقاً، وثانياً يحتاج للعدالة في توزيع الدخل، أي معالجة أسباب انخفاض القدرة الشرائية للدخل. والمسبب الأساسي لهذا يرجع الى سوء توزيع الدخل المحلي. نشاهد في سورية أن هناك الحد الأدنى للأجور هو 50 ألف ليرة سورية ونشاهد شريحة أخرى دخلهم يقارب الـ 500 ألف ليرة سورية. هذه الحالة تجعل المنافسة بين أصحاب الدخل المرتفع وأصحاب الدخل المنخفض غير عادلة وحكماً ستميل الأسعار في السوق لأصحاب الدخل المرتفع لأن السلع في السوق منتجة بكميات قليلة. هذا الخلل في توزيع الدخل يعالج باتباع سياسات اقتصادية مالية ونقدية بهدف تحقيق العدالة في توزيع الدخل والتي تؤدي لزيادة القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود، عندها سيشعرون بانخفاض الأسعار تلقائياً. ولا يمكن لسياسة زجر الأسعار وتقديمها لأصحاب الدخل المحدود بأسعار تناسب دخلهم أن تؤثر إيجابياً ما لم تعالج الأسباب الحقيقية وراء انخفاض قدرتهم الشرائية.

 

كيف يمكننا النهوض بالصناعة والزراعة وتسهيل أمور الصناعيين والفلاحين؟

ما يجب علينا فعله اليوم هو إحداث تنمية اقتصادية شاملة تؤدي لتعزيز قدرة الاقتصاد السوري الدفاعية في مواجهة العقوبات وضغط الاحتياجات المحلية.

وهذا يتطلب النهوض بالقطاعين الصناعي والزراعي إضافة لتعزيز الخدمات. الاقتصاد السوري بالدرجة الأولى هو اقتصاد زراعي لذلك يجب علينا أن نستغل كل الإمكانيّات المتوفرة من أراضٍ زراعية ومحاصيل وإعطاؤها فرص النجاح اللازمة للنهوض بالاقتصاد. وخصائص القطاع الزراعي في سورية تمنحه مرونة عالية للاستجابة السريعة للتنمية الزراعية وهي الخطوة الأهم والأسرع. القطاع الصناعي لا يقل اهتماماً عن القطاع الزراعي وهو القاطرة الميكانيكيّة الأكثر فعالية وإنتاجاً وتعطي متانة الاقتصاد، يجب علينا أن نركز على الصناعات الوطنية التنافسية التي تسهم بالنهوض الاقتصادي وتأمين الدعم المادي والإعفاءات وضمانات للصناعيين للاستمرار وتحقيق سياسة راسخة لإحلال المستوردات وفرض سياسة حمائيّة للصناعة الوطنية وإيقاف الاستيراد الذي ينافس الصناعة المحليّة. للوصول لمستويات الاكتفاء ومن ثم تصدير الفائض.

 

هل من الممكن أن نرى قفزات اقتصادية متتالية وناجحة بفترة قياسية وعلى ماذا تعتمد؟

الاعتماد على الذات ورفع الكفاءة والإخلاص والإيمان بالنجاح هي بالأساس جهود داخلية، عندما نبتعد عن إلقاء اللوم على الآخرين أو الانهزام أمام التحديات الاقتصادية الخارجية، سندرك أنه يجب أن تستنفر طاقاتنا الذاتية المحلية وندرك أهمية الوعي والالتزام بالعمل لتحقيق قفزات اقتصادية. وهنا نؤكد أن أساس النهضة هو العنصر البشري. لا نستطيع تحقيق قفزات متعاقبة ما لم يكن لدينا كادر بشري متخصص يخوض سباقاً مع الزمن ليصل الى اهدافه المنشودة وتحقيق نمو في الناتج المحلي الإجماليّ.

 

يستحيل جمع العالم العربي في كيان اقتصادي واحد

 

لاحظنا العديد من التجارب الاقتصادية في أكثر من دولة مثل التجربة الفيتنامية والتجربة البرازيلية وغيرها ماذا ينقص العالم العربي لتحقيق تجربة خاصة تنهض بالبلاد العربية إلى مستوى اقتصادي جيد؟

نلاحظ أن هذه التجارب هي وليدة عشرات السنين من العمل الدؤوب والجاد بالإضافة للسياسات الناجحة، النظرة للواقع العربي الآن تظهر مجموعة كبيرة من التحديات والمعوقات أمام وجود نهضة عربية اقتصادية شاملة تحقق للمواطن العربي مستويات اقتصادية شاملة ومرضية ونلاحظ أن اختلال الهيكل الاقتصادي بين الدول العربية لأنها تتبع سياسات متباينة ومختلفة، من حيث بنائها الهيكلية الاقتصادية فهي تبني اقتصادها على السياسة “القطرية”، كل دولة عربية لديها سياسات وعلاقات اقتصادية مختلفة مما يعيق بناء هيكلية سواء حقيقية او مالية ومن الصعب تجميع الدول العربية في كيان ضخم اقتصادياً وموحّد.

ونلاحظ أنه لا توجد دولة عربية لا تعاني من أزمات ومشاكل داخلية ولتحقيق النهضة الاقتصادية العربية يجب أن يكون هناك تكامل عربي. وهذا الشيء في وقتنا الحالي صعب التحقيق بسبب غياب الإرادة الفاعلة في اتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي.

 

وفي ظل جائحة كورونا كيف استطاعت دول أن تحمي اقتصادها؟ وهل نجحت في ذلك؟

أن جائحة كورونا شكلت “صدمة فجائيّة” للاقتصاد العالمي في زمن قياسي تعرّضت جميع القطاعات الاقتصادية الى الإيقاف شبه التام أثر بشكل كبير على الاقتصاد وانعكس على المردود مما أدى الى انخفاض مستوى الإنتاج العالمي. وهذه الجائحة خلقت فرصاً لبعض القطاعات الاقتصادية كالتسوق عبر الإنترنت والخدمات الإلكترونية واستفادت منه هذه القطاعات إنما سلبياتها كبيرة ولا يمكن مقارنتها بالإيجابيات.

وفي جائحة صحية كهذه لا يمكن أن نتحدّث عن خسارة أو ربح مادي رقمي، لأن الدول الأكثر نجاحاً (ربحاً) هي التي استطاعت أن تكيّف اقتصادها بشكل سريع ليصبح اقتصاد أزمة، في مؤشر النجاح لتقييم الدول في ظروف الكورونا هو مقدار قدرتها على تكييف اقتصادها والتحول بزمن قياسي من اقتصاد يعمل بظروف عادية الى اقتصاد أزمة لتجاوز هذه المرحلة الصعبة.

 

الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأميركية على العالم ما زالت بعيدة عن الانهيار

 

هل نلاحظ انهيار الهيمنة الاقتصادية الأميركية وخروج الصين كقوة اقتصادية عالمية؟

الهيمنة الاقتصادية الأميركية على العالم هي بعيدة عن الانهيار في قوتها الاقتصادية والعسكرية لا يمكن لأحد نكرانها. هي تفرض سيطرتها على التعاملات التجارية واقتصاديات العديد من الدول واستغلت انهيار العالم اقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية مما مهّد الطريق لبناء هيمنتها الاقتصادية بسبب عدم وجود منافس في ذلك الوقت، ولكن من المؤكد أن هناك محاولات لخروج أقطاب منافسة للهيمنة الأميركية، الصين اليوم كنموذج لديها محاولات ناجحة وتضع استراتيجيات وأهدافاً واضحة للخروج من الهيمنة الأميركية وما تقوم به الصين اليوم هي محاولات ناجحة وبمسارها الصحيح وطبعاً توجد أمامها معوقات.

 

اليوان الإلكتروني خطوة نحو عالم اقتصادي جديد إذا حققت النجاح

 

بعد طرح الصين عملتها الإلكترونية هل سنشاهد تحوّلات في المعاملات التجارية معها وتخبّطاً العملة الأميركية؟

إطلاق الصين عملتها الإلكترونية “اليوان الالكتروني” خطوة هدفها الخروج من الهيمنة الاقتصادية الاميركية على التجارة الدولية، الصين تمتلك حجم صادرات كبيراً ونجاح هذه التجربة على المستوى الداخلي للصين حقق تسويات لمدفوعات داخلية ولاقت نجاحاً داخلياً. والتحدي الأكبر أمام الصين هو تحقيق النجاح الإلكتروني لعملتها مع شركائها التجاريين في الخارج ومن الصعوبة أن يحصل اليوان الصيني على الثقة التجارية كما هو حال الدولار الأميركي، في نجاح الصين في المستقبل في إطلاق عملتها بكل تأكيد ستؤثر بشكل “دراماتيكي” على التجارة الدولية. ولا ننكر أن احتياطات كل الدول تهيمن عليها العملة الأميركية، عند التحول من العملة الورقية الى العملة الالكترونية بكل تأكيد بحاجة لقيام الدول بمواءمة اقتصادها مع الخطوة الجديدة ومن الممكن أن تلحق الضرر بالقطاع الاقتصادي لبعض الدول لأنها تملك احتياطات كبيرة من القطع الأجنبي، العملة الالكترونية تحتاج لدرجة عالية من الأمان والثقة بسبب الاعتماد على التكنولوجيا والتقانة.

فعند نجاح هذا التوجّه سيكون لدينا نظام نقدي وتجاري عالمي جديد، وسيحقق النجاح على حساب الدول الأقل تطوراً تكنولوجياً وستكون هي الضحية الاقتصادية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.