مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

العصر الحجريّ

د. قصي الحسين*

في ظل “العصر الحجري” الذي تعيشه البلدان العربية والبلدان الإسلامية قاطبة، منذ الإحتلال الأميركي لبغداد، في9/4/2003 ، دخل العالم كله، العصر الحجري( بسكون الجيم) ، تلاحقه “لعنة بابل”.
رد العالم أجمعه، على إحتلال بغداد، فأغلق المدن والعواصم. ومنع الدخول والخروج، وإنتقم لإغتيال بغداد عروس الرافدين.
ما الفرق بين العصر الحجري، والعصر الحجري. فهذا كله حجر. وهذا كله عودة إلى عصر الحجر والإنجحار في الحجر، والإنجحار في الجحر.
لماذ ذهب العالم إلى هذة الخطيئة العظمى وذبحوا بغداد وأرض العراقين من الوريد إلى الوريد. من دجلة، إلى الفرات.
لماذا غادر العالم النعيم والتنعم، وصفع نفسه بالحجر. وإنجحر بالجحر.
يتطلع العالم اليوم إلى “قرار ما”، تتخذه عواصم القرار، لإنقاذ الإنسانية من براثن الإحتلال ومن براثن الجشع ومن براثن الإستيطان ومن براثن التوطين. بل من تجديد عصر الإستعمار. ومن إحتلال كامل فلسطين، ب”صفقة قرن” غشوم، أو ب”صفقة قرن” معدلة، لا تدوم.
منذ إحتلال بغداد، دخل العالم في عصر الذهول تلاحقه لعنة بابل.
كانت الطبيعة أقوى. أغلقت العالم على نفسه. نسجت حول عنقه، شرنقة كورونا، وإنسحبت.
إبتعدت عنه، إنتقاما لبغداد ودمشق وبيروت وطرابلس وتونس الخضراء والقدس والضفتين.
كيف يمضي العالم إلى النوم، في ليل المجازر. كيف تذبح الأنهر أمام عينيه: دجلة والفرات والنيل والأردن والوزاني والحاصباني والليطاني. كيف تنام العواصم الكبرى في بحار الجثث المتلاطمة، على شرشف من دماء. كيف يقبل العالم بأهله، على يومه، والنار تحت أقدامه. والبحر غول المهاجرين والمنكوبين والمهجرين.
منذ دعاء المحتلين على بغداد بالعصر الحجري، تداعى العالم، بلدا بلدا، تساقط مثل حائط مهجور قديم. دخل إلى الكهف خجلا، وإنحجر، حتى تعود بغداد إلى الشمس.
لعنة بابل، بل لعنة بغداد، تلاحق العالم اليوم. فمتى يخرج من عصر الحجر، ويخرج شعوبه من الحجر والعصر الحجري.
متى يستيقظ ضمير الوحش. متى يتوقف الوحش عن القتل. متى يسأم من طلب الضحايا، وجبات يومية يشبع بها جوعه القديم.. متى يتوب عن الجريمة. متى تستيقظ في نفسه التوبة، وتموت الجريمة.
عالم تسرح فيه الوحوش في عمق الليل، تلتهم الأوطان والأطفال. ثم تغسل يديها، ببعض المساعدات وببعض الوجبات ، وببعض الهبات: تبيض أموالها.
متى تستيقظ أيها العالم وتقتل الوحش فينا. متى تنهض المدن لحرياتها. متى توسع للمجرمين السجون. متى تمسك بأذيال اللصوص والناهبين. ومتى تعفر الجباه بالعدالة والحرية. ومتى تبزغ شمس بغداد من جديد.
بغداد، في العصر الحجري، جريمة كونية، إنتقمت لها الأرض، وساقت العالم كله قدامها: إما الحجر أو القبر.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.