مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تجربَة نَدوَة فوَطن*

د. نعمت حبيب غندور**

هل يمكن استرداد صورة حياة وطن، مدى نصف قرن، من تجربة هيئة من هيئاته العلمية التطوعية؟

الحياة هي تجربة الخطأ والصواب!

تلك هي حياة البشر مجتمعاً وأفراداً!

وذلك هو الوطن في كينونته وصيرورته!

فهل تكون تجربة إحدى هيئاته مصغراً لمعاناته الخطأ والصواب، والألم والأمل؟

أنشئت ندوة الدراسات الإنمائيّة عام 1964، لإشاعة التوعية الإنمائية بين المواطنين محكومين وحكاماً.

والتزمت مفهوماً شاملاً للإنماء، بأنه إنماء الإنسان كل الإنسان.

وللأب لوبريه الذي كانت له تجربته مع لبنان، تعريف للإنماء بانه الارتقاء بالمجتمع من مستوى ما دون إنساني الى مستوى إنساني!

وفترة نصف قرن  كانت تكفي لاستحداث مثل هذا التطور في لبنان!

وهذا ما جرى في سنغافورة، وهي دولة في مثل حجمنا، في آسيا الشرقية، اذ تطورت في هذه الفترة، من دولة متخلفة الى دولة متقدمة، أي من مجتمع ما دون إنساني الى مجتمع إنساني!

ونحن انحدرنا في الفترة نفسها من مجتمع ما دون إنساني الى مجتمع ما دون حيواني، أي من مجتمع متخلف الى مجتمع مستبهم!

وفعلنا ذلك، ونشيد أنشادنا الذي نتغنى به هو اننا وطن الإنسان، ووطن الإشعاع، ووطن العظمة، ووطن العنفوان!

فما هو إشعاعنا على العالم اليوم سوى وهج إرهاباتنا، وبريق تهريباتنا، وأنين رهائننا، وصدى حملاتنا في إعلام العالم بعضنا على البعض!

إنشأنا الندوة عام 1964 في سبيل التوعية الانمائية.

فلم اخترنا التوعية؟

لأن لبنان كان متخلفاً ولم يكن يعي أنه متخلف!

ولأن فريقاً من ابنائه كان يعتقد انه متقدم، ويتهم فريقاً آخر بالتخلف، ويزين لنفسه أن هذا الفريق لن يتقدّم أبدا.

وما أزال اذكر وزيراً للتصميم، أي الوزير المسؤول عن إنماء كل اللبنانيين، وأنا أقدم إليه أحدث كتاب اصدرته الندوة، فيقول لي: إن جهدكم يذهب سدى!

فأسأله لماذا؟

فيجيب بلا استيحاء: “إن هناك فئة متخلفة في لبنان وستظل متخلفة الى الأبد”.

فقلت له: والإنسان الذي تتغنى به في كتاباتك وخطبك؟

فأجاب: إن الإنسان هو شيء وأن هؤلاء المتخلفين هم شيء آخر.

فإذا كنا نميز مثل هذا التمييز بين إنسان وآخر، وبين مواطن وآخر، فكيف لا ننتهي الى قتل أحدنا للآخر وقنصه وخطفه على الهوية؟

إن الإنماء كما تصورناه، هو إنسانية جديدة.

وإن التخلف هو حالة عارضة لدى الإنسان فرديا ومجتمعياً.

لكن المهم أن يعيه الإنسان ليستطيع التحرّر منه.

وكما أن سياسة التخطيط الإنمائي هي واجب الدولة، فإن التوعية لأحوال التخلف التي تستدعي هذا التخطيط، والتبصرة بأهداف هذا التخطيط هما أيضاً وظيفتا الدولة. فإذا قصرت الدولة كان على أهل الفكر ان ينهضوا بالواجب.

وقد جاءنا الرئيس فؤاد شهاب بالأب لوبريه، الخبير الإنمائي العالمي الفرنسي، ليرينا بالدراسات والإحصاءات أننا متخلفون في كل الميادين، وان من اخطر ظواهر تخلفنا الفجوات بين مداخيلنا، وبين قطاعاتنا، وبين مناطقنا، وبين فئاتنا، وبين أفرادنا. وأنذر بأن هذه الفجوات التخلفية هي بؤر تفجر تهدّد وجود لبنان!

فاحتدمت الحملة على الأب الخبير الكاثوليكي الفرنسي، وهو المستشار الإنمائي لقداسة بابا روما!

وأخبرني السفير الفرنسي في ذلك الحين، ان بعض كبار النواب ذهبوا اليه، ليشكو اليه الرئيس شهاب، انه يريد ان يرتقي بالمسلمين من أموال المسيحيين، وليطالبوه بسحب الأب لوبريه من لبنان، من قبل ان يحمد ما لا تحمد عقباه، ومن قبل ان تخسر فرنسا صداقة الذين يحبّونها من اللبنانيين!

وكان الرئيس شهاب يشكو لي أن المسيحيين يعتبرونه مسلماً، لأنه متحدّر من سلالة الرسول!

وكان اليساريّون يعتبرونه رجعياً بينما كان اليمينيون يعتبرونه شيوعياً، وكل ذلك بسبب ما التبس عليهم من سياسته في سبيل الإنماء والعدل الاجتماعي التي كان يعتبرها مؤدية الى التلاحم الوطني!

والطائفيّة في نظرتنا الى الإنماء والتقدم كانت قرينتها الإقطاعية!

فلم يكن بدّ من مواجهة الآفتين بإشاعة التوعية الإنمائية في كل لبنان ولدى جميع اللبنانيين!

فتحوّلنا بمؤتمراتنا من العاصمة الى مراكز المحافظات والى مراكز القائمقاميات.

لأن الإنماء لا بد من أن ينطلق من القواعد، وأن يعم كل الشعب.

وهو ألزم ما يكون في القواعد الريفية.

فنظمنا مؤتمر الإنماء في أشد هذه القواعد تخلفاً، قاعدة الهرمل.

فاذا بكبير نواب الهرمل في ذلك الحين ينذرنا بالابتعاد عن منطقته، وإلا؟ وما شأننا نحن أساتذة جامعات بيروت بالهرمل؟ لكن لبنان كله وطننا، أليس كذلك؟ وكيف نرضى بأن يتقدم حي في بيروت، وبان لا تكون الهرمل في مثل تقدمه؟ وأصرّ علينا شعبنا وشبابنا في الهرمل أن نعقد المؤتمر وارتفع المعترض بالشكوى الى رئيس الجمهورية. لكن المؤتمر عُقد وكان تجاوب مواطنينا في الهرمل معنا من أروع ما لقينا في كل لبنان.

وهذه المقاومة الضاربة لدعوتنا الإنمائية، من الزعامات الطائفية والاقطاعية، أقنعتنا بأن معضلة لبنان الإنمائية هي سياسة قبل أن تكون اقتصادية او اجتماعية وأظهرت لنا ان التخلف السياسي هو الوجه الأقبح لتخلفنا. فلا بد من نظام سياسي إنمائي ليتسنى لنا ان نتقدم. ولا بد لنا من قيادة سياسية ملتزمة التزاماً حقيقياً للإنماء، ليتطوّر لبنان من دولة متخلفة الى دولة متقدمة.

وكان العقل لا العنف سبيلنا المفضل لإحداث مثل هذا التغيير النظامي والقيادي.

فنظّمنا حلقة دراسية حول النظام السياسي الأفضل للإنماء، أشركنا فيها ممثلين لجميع الأحزاب والقوى السياسية في لبنان.

وانعقد إجماع الباحثين والمحاورين على ان التغيير الديموقراطي السلمي يبدأ من القاعدة، أي من تغيير النظام الانتخابي، والنظام الحزبي، لتنبثق من الانتخابات قيادة منظمة، تعبر عن إرادة الشعب في الحرية والتقدم والعدل.

فألفنا لجنة تمثل سبعة عشر حزبا لبنانيا مع نخبة من أساتذة علم السياسة. لوضع نظام انتخابي جديد للبنان جديد.

ووضعت اللجنة النظام المنشود، بعد جهود استمرّت عامين.

وصيغ النظام الانتخابي صياغة تجعل النظام الحزبي العصري ينبثق من العملية الانتخابية أي من القاعدة الشعبية نفسها.

فالتنظيم الحزبي لا يُفرض بمراسيم فوقية!

ولم نكن نبتعد في ما نقوم به عن رسالة التوعية الانمائية!

لان الانماء السياسي هو بُعد من أبعاد المفهوم الجديد للإنماء الشامل والمتكامل، من الإنماء الاقتصادي الى الإنماء التربوي، مروراً بل ابتداء بالإنماء السياسي؟

وجاء إجماع كل أحزاب لبنان على مشروع موحد لقانون انتخاب جديد مفاجأة لزعماء السياسة في لبنان. وذهب به المرحوم كمال جنبلاط الى البرلمان. وناقشناه في لجنة التصميم برئاسة المرحوم موريس الجميل. وتحاورنا حوله مع رئيس لجنة العدل ناظم القادري. ووضعه المرحوم بهيج تقي الدين في طليعة المشاريع المقترحة لإصلاح النظام الانتخابي!

لكن مجالنا التاريخي بعد عام 1972 لم يكن مجال إقناع وإنماء وإحياء، بل كان مجال إكراه واغتصاب وتقتيل وإفناء!

فظل المشروع ينتظر عند باب قصر بعبدا وقصر ساحة النجمة!

ولا بدّ من أن يعود كل منهما فيتحقق فيهما من مشاريع الإنماء والتقدم ما لم يتحقق بعد!

ولعل نوابنا الكرام يذكرونه وهم يضعون الوثيقة الإصلاحية التي ستدعوهم اللجنة الرئاسية للجامعة  العربية لوضعها!

ولم تكن تغيب عن الندوة الآفاق الخارجية لتخلف لبنان وتقدمه. فنحن جمهورية منفتحة على العالم. ونحن الدولة الوحيدة في العالم الثالث يفوق قطاع الخدمات فيها قطاعي الزراعة والصناعة. وهذا الانفتاح هو مصدر قوتنا في الأحوال العادية. لكنه مصدر ضعفنا في الأزمات. ويتفاعل لدينا الانفتاح الاقتصادي والسياسي ايجاباً وسلباً. فكان علينا ان نتعهد بالدراسة علاقتنا الإنمائية العربية والدولية. وكان علينا ان نتعهد بالتحاور الاختلافات اللبنانية الفلسطينية لتفادي التصادم.

وعقد أول لقاء بين ممثلي احزابنا اليمينية وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في مقر الندوة. فافتتح بالصراخ واختتم بالعناق. ولو أقرّت مبادئ التعاون التي اعتمدت في هذا الاجتماع، لدى مراجع المحاورين، لنجونا من انفجار الثالث عشر من نيسان 1975، ومن كل ما ادى اليه من عواقب تستفحل حتى اليوم!

ولا أذكر كل الذي ذكرت بكاء على الإطلال فمنجزات الندوة في نصف قرن تراث قوامه اثنان واربعون كتاباً مرجعياً في الإنماء، وعشرون مؤتمراً وطنياً وإقليمياً ودولياً، ومئة حلقة حوار، وعلاقات تعاون مع جميع الهيئات اللبنانية، وتواصل مع الهيئات الإنمائية العربية والدولية. وهي عضو مراقب لدى الأمم المتحدة، باشتراكها في تجمّع المنظمات غير الحكومية. والندوة هي هيئة علمية، وليست حكومة ولا حزبا سياسية، لذلك مهمتها أن تقدم أبحاثاً علمية لا ان تصنع قرارات سياسية. لكن مسؤوليات العلماء والسياسيين واحدة في لحظات الوطن المصيرية.

ونحن نعيش هذه اللحظات المصيرية منذ عام 1975 حتى الآن. فلا عذر لنا ان نتباهى بأننا وعينا بالعلم، وان نعاتب غيرنا الذي لم ينفذ بالفعل. لأن الهوة بين العلم والفعل هي خطيئة العلماء بمقدار ما هي خطيئة السياسيين. ومسؤولية تداركها هي مسؤولية الفريقين! ولعل هذا هو ما حمل افلاطون على أن يتصور حاكمه المفضل الملك الفيلسوف او الفيلسوف الملك. والبيان الذي أصدرنا أخيراً، بالتعاون مع أربعين هيئة فكرية، بالدعوة الى الحوار، والوفاق الوطني، ولإحلال السلام، ولتحقيق الاصلاح، ولإعادة الشرعية، ولإنجاز الجلاء، التقى فيه واجبنا الفكري والواجب السياسي العلوي.

وكانت لندوتنا جلسات مع جميع رؤساء جمهورية لبنان ورؤساء حكوماته، منذ أنشئت حتى الآن، سعياً وراء التفاعل بين العلوم والسياسة، وبين الفكر والسلطة.

وكان من أمتعها جلسة الرئيس شارل حلو الذي ارتضى بديموقراطيته المعهودة، أن تكون جلسة “محاكمة إنمائيّة”، بعدما أنهى ولايته في رئاسة الجمهورية.

وكانت التهمة إليه أنه رحب ترحيباً حاراً بتوصيات مؤتمرات الندوة، التي كنا نرفعها اليه بعد كل مؤتمر، لكنه لم يكن يعمل لتطبيقها.

فردّ محتجاً وسارداً ما حقق من مشاريع إنمائية، لكنه استطرد، وهو يضغط صدغيه بيديه ضغطا شديداً، وقال: “إنكم لا تعرفون الهم الأكبر لرئيس جمهورية لبنان”.

فسألناه عنه، فأجاب: “ان همه الأكبر هو ان يبقى لبنان!”.

فقلت: “أن يبقى لبنان هو أن يتطور!”.

أذكر هذه المحاكمة بل هذه المحاورة الرائعة. واذكر أيضاً ان الندوة عقدت مؤتمرها الأول للإنماء الوطني، برعاية الرئيس حلو، في 14 – 15 – 16 نيسان 1966، حول “الدولة والإنماء في لبنان”.

وأراجع مستهل البيان، الذي صدر عن المؤتمر، فأجد فيه نموذج الدولة، الذي لا نزال نتطلع اليه في لبنان، انه نموذج التطور بلبنان”… بالنهج الديموقراطي من دولة سائرة في طريق النمو الى دولة متقدّمة، وتطوير المجتمع اللبناني من مجتمع طائفي تعايشي الى مجتمع تقدمي عصري واحد، وتحديث جميع بنيات هذا المجتمع بحيث تنتظم الإنتاجية فيه وتطرد اطراداً موصولاً ثابتاً، يؤدي اطرادها المنتظم الى رفع مستوى حياة كل مواطن لبناني، ويؤمن استيعاب الطاقات الإنسانية الجديدة التي تتزايد عاماً بعد عام، ويتيح لهذه الطاقات أن تجعل من النظام الديموقراطي اللبناني التجسيم الحي للحرية والعدالة، وان تصنع منه نموذجاً للإنماء الديموقراطي”.

ان هذه الرؤية الديموقراطية الإنمائية لعام 1966 لا تزال هي نفسها رؤية كل مواطن لبناني عام 2014.

فماذا ننتظر لننطلق في تحقيقها، ولو كان ذلك بعد خمسين عاماً؟

ننتظر أن تصالحنا اللجنة الرئاسية الثلاثية لجامعة الدولة العربية!

ولماذا لا نسبقها الى التصالح بعضنا مع البعض؟

إن الانطلاق هو الآن من مستوى أدنى لبلوغ مستوى أعلى!

فنحن الآن على عتبة القرن الحادي والعشرين.

وإنماء اليوم والغد هو غير إنماء الأمس!

فالتحدي أكبر.

لكن الاستجابة من شعبنا النبيل ستكون هي أيضاً استجابة خلاقة أكبر!

 

* مستوحاة من فكر الراحل د.حسن صعب، بمناسبة العيد الـ 56 لتأسيس “ندوة الدراسات الإنمائية” التي أسسها ورعاها سحابة ربع قرن (1964-2000).

** قرينة المفكر الراحل د. حسن صعب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.