مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

ملف السبت 11 من حرمون: المقاوم محسن إبراهيم بعد شهر من رحيله (جزء 1)

رعادة الفكر اليساريّ وراية الناصريّة: عند ارتطام المقولات بميدان التغيّرات العاصفة

إعداد وتقديم هاني سليمان الحلبي*

 

ليس سهلاً سنّ أقلام النقد في مسيرة سياسي حافلة بالعواصف إلى حد كافٍ من التناقض..

نديم الرئيس جمال عبد الناصر الموثوق والمحبب، المرجع في الإعلام وصياغة الخطاب والشعارات الناصرية واليسارية، الخطيب الشيوعي اليساري المفوّه، المقاتل في الميدان في جبهات عربية عدة طيلة عقدين من السنوات، الأمين العام التنفيذي للحركة الوطنية المضرّجة بانقساماتها وأحزابها وفصائلها، بعد استشهاد عمود سمائها ومؤسسها كمال جنبلاط، الداعي مع رفيقه جورج حاوي لإطلاق المقاومة الوطنية المسلّحة في منتصف أيلول 1982، صاحب النقد والاعتذار، وربّما النقد الوحيد والاعتذار الفريد عن إباحة لبنان للمقاومة الفلسطينية بذريعة ان موجباتها ومسؤولياتها فوق طاقة لبنان، وصولاً في اعتذاره إلى مقاربة الموقف اليميني المتطرف ومحاذاة مقولاته الكيانية ويتوجها كونه المستشار اللصيق لأبي عمار ياسر عرفات، “الختيار” الفلسطيني العتيد في المحطات الفاصلة، بما فيها اتخاذ قرار إبرام اتفاق أوسلو ونتائجه الخطيرة، والشروع في تأسيس سلطة فلسطينية لم تتعدَّ دور اتحاد بلديات مصادر الصلاحيات.. ومن بعده لسلفه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي قرر إعلان حداد وطني عام لمدة يوم إثر وفاة الراحل إبراهيم يوم الأربعاء في 3 حزيران الفائت..

هنا سيرة ذاتية وباقة من المقالات متنوعة الأهداف والأساليب والمواقف،

حاولنا في الأقل تسجيل وثيقة للتاريخ.. بعض وفاء لمقاوم متقاعد، عزيز الاحترام لنفسه، شكاك في سيرة عنيفة وصلاً إلى اعتبار أنها ربما غدت خارج الزمن..

محسن إبراهيم.. قامة لافتة في سيرة السياسية اللبنانية وظاهرة يجدر البحث فيها.. لخصوبتها وتنوعها وغناها.. البقاء للحق.

 

محسن إبراهيم وأبو عمار.. رفقة خندق واتجاه في المحطات كافة

سيرة ذاتيّة

ومحسن إبراهيم (1935 – 3/ 6/ 2020) سياسيّ لبنانيّ، وأمين عام منظمة العمل الشيوعي في لبنان. وهو رفيق ياسر عرفات وكمال جنبلاط وجورج حاوي. أحد آخر رموز الحقبة الثورية التي دمجت بين التحرر القومي والنهج الاشتراكي.

ويُعدّ الراحل الكبير محسن إبراهيم الذي ولد في العام 1935 في بلدة أنصار (جنوب لبنان)، أحد أهم القادة اليساريين في السبعينيات والثمانينيات. انضمّ إلى حركة القوميين العرب قبل أن يؤسس منظمة الاشتراكيين اللبنانيين سنة 1968. وسنة 1970 اندمج تنظيمه مع لبنان الاشتراكي ليشكل منظمة العمل الشيوعي في لبنان. أصبح أميناً عاماً للمنظمة ثم أميناً عاماً للحركة الوطنية اللبنانية أحد أهم أطراف نزاع الحرب الأهلية اللبنانية. في 16 أيلول 1982 إبان الغزو الإسرائيلي أطلق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مع الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي. مع تنامي الدور السوري في منتصف الثمانينيات انحسر دوره ليغيب تدريجياً عن الساحة السياسية.

أجرى نقداً ذاتياً لتجربة الحركة الوطنيّة قائلاً إن الحركة: “في معرض دعمها نضال الشعب الفلسطيني ذهبت بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً”. واعتبر أن الخطأ الثاني “هو استسهالنا ركوب سفينة الحرب الأهليّة تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديمقراطي”.

وفي الذكرى الأربعين لرحيل رفيقه الشهيد القائد جورج حاوي رأى إبراهيم كتب أن “الحركة الوطنية ارتكبت خطأين: أولهما أنها استسهلت الحرب الأهلية معبراً لتغيير بنية النظام الطائفي. وثانيهما أنها أباحت لبنان للمقاومة الفلسطينية، مما حمّله فوق طاقته وأدى إلى انشطاره شطرين متقاتلين، في ظل تخلّي الدول العربية قاطبة عن التزام نصرة الشعب الفلسطيني ودعم ثورته”.

وظل إبراهيم على صلة بالقائد التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، تعبيراً عن الوفاء والالتزام بهذه القضية حتى استشهاده. “كما نسج علاقة نضال مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن”.

ومنحت لإبراهيم اوسمة عدة. ففي 23 فبراير 2017، منح رئيس دولة فلسطين محمود عباس محسن إبراهيم وسام الاستحقاق والتميز الذهبي، تقديرًا لتاريخه مع القضية الفلسطينية.

وعكف إبراهيم على الكتاب والتأليف كلما سنحت له الفرصة، أبرز كتبه:

  • إسرائيل: فكرة، حركة، دولة – 1958.
  • مناقشات حول نظرية الأمل العربي الثوري – 1963.
  • الحرب وتجربة الحركة الوطنية اللبنانية – 1983.
  • آفاق العمل الوطني – 1984.

وتُوفي مُحسن إبراهيم يوم الأربعاء 3 حزيران 2020. ونعاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وأمر بتنكيس الأعلام وإعلان الحداد ليوم واحد لوفاته.

ونعت منظمة العمل الشيوعي “إلى الشعب اللبناني والشعوب العربية أمينها العام محسن إبراهيم، الذي وافته المنية بعد عمر مديد أمضاه من دون انقطاع في خدمة القضايا الوطنية والقومية”.

ومما جاء في النعي: “ولد الأمين العام محسن السيد علي إبراهيم في العام 1935، وأسهم منذ شبابه، بكل ما يملك من فكر وطاقة قيادية في تشكيل حركة القوميين العرب، وأسهم إسهامًا كبيرًا في المعارك القومية الكبرى، بدءاً من مصر ومعاركها إلى الجزائر، وحرب تحريرها إلى اليمن وكنس الاحتلال البريطاني عن أرضها، وظل لبنان وفلسطين حاضريْن في تفاصيل نضاله المثابر حتى الرمق الأخير”.

وتؤكد المنظمة أن إبراهيم “لم يكن مجرد قائد عادي في مسيرات كبرى كالتي شهدتها المنطقة العربية في صراعها على امتداد أكثر من سبعين عامًا، كما لم يرَ في مساراتها ومنعرجاتها ما يستوجب التقديس والتنزيه عن النقد، هادفاً بذلك استخلاص الدروس التي تصَّوب الخلل الذي عانته وتعانيه في مجرى التجارب القاسية. فمن المساهمة في تأسيس حركة القوميين وتولي مع رفاق له قيادة فروعها وخصوصاً فرع لبنان، إلى الاندماج مع ثورة 23 تموز/ يوليه 1952 بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر في مصر. ومن الدفاع عن حق المقاومة الفلسطينية في الانطلاق من كل أرض عربية نحو فلسطين المحتلة، إلى خوض غمار تجربة الحرب الأهلية في لبنان، والعمل تحت قيادة الزعيم الوطني الكبير كمال جنبلاط في تجربة تأسيس جبهة الأحزاب والشخصيات والقوى الوطنية التقدمية، تتويجاً بتشكيل الحركة الوطنية اللبنانية وصياغة برنامج التغيير السياسي، إلى تولي مهام الأمانة العامة التنفيذية للمجلس السياسي المركزي للحركة الوطنية، بعد اغتيال الزعيم الوطني كمال جنبلاط، تتويجاً بالإعلان مع أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي البيان الأول لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية رغم عمق الجراح التي خلفها الغزو والاجتياح الصهيوني وما تركته الحرب الأهلية من ندوب في جسد الوطن”.

ويلحظ البيان أن محسن إبراهيم “راهن على معركة مع العدو الصهيوني حدد شعاراتها بالتحرير والتوحيد والديموقراطية، معوّلاً على مسارات تتجاوز انقسامات الحرب وخنادقها التقسيمية بعد أن رأى في استمرار النزاع الأهلي حرباً عبثية، لن تقدم سوى مزيد من تفكيك وحدة الأرض والشعب وتدمير مقوماته. ومع توقيع اتفاق الطائف ومخارجه الطوائفية لأزمة الكيان اللبناني، عكف محسن إبراهيم على نقد تجربة الحركة الوطنية واليسار في الفكر والممارسة، وانكفأ نحو الداخل التنظيمي عاملاً بجهد فكري قلّ نظيره على تشريح تجربة اليسار اللبناني والعربي منذ الخمسينيات وحتى اليوم”.

وغرّد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عبر “تويتر” “إلى بني معروف إلى كل من آمن وناضل من أجل فلسطين وعروبة لبنان وتطوره الديموقراطي والعلماني. إلى المناضلين اللبنانيين في الحركة الوطنية. أنعي إليكم المناضل اللبناني والعربي والأممي الكبير محسن إبراهيم. خير صديق وخير حليف لكمال جنبلاط. إلى يوم الوفاء. إلى يوم محسن إبراهيم”.

 

مقالات

 

محسن إبراهيم الحكاية المفقودة

ساطع نور الدين

تبدأ الحكاية في صيف العام 1973، عندما دخل الرفيق محسن إبراهيم على زعيم حركة “فتح” ياسر عرفات، الذي كان معتزلاً في عليّة مسكنه في حي الفاكهاني في بيروت، ليسأله إذا كان ينوي تشكيل وفد للذهاب الى سوريا لشكر رئيسها حافظ الاسد على إعادة فتح الحدود اللبنانية السورية، بعد إغلاقٍ دامَ نحو مئة يوم، وأُشيع في حينه أنه كان دفاعاً عن المقاومة الفلسطينية التي كانت تخوض معارك واسعة مع الجيش اللبناني.

حاول عرفات، الذي لم تكن قد مضت بضع سنوات على اعتقاله وعدد من قياديي حركة فتح في دمشق بواسطة وزير الدفاع حافظ الأسد، التملص من الرد، ثم توجه الى أبي خالد بالقول: إذا كنتم تريدون الذهاب الى سوريا، لا تسألوني، ما شأني أنا بهذا الأمر الذي يخص العلاقات اللبنانية السورية؟ لم تغلق الحدود من أجل الثورة الفلسطينية، ولم تفتح من أجلها أيضاً..

ظل عرفات معتكفاً لأيام بينما كانت دمشق تغصّ بالوفود اللبنانية الرسمية والحزبية والشعبية، لشكر القيادة السورية، التي تبين في ما بعد أنها انتهزت فرصة الاشتباك اللبناني الفلسطيني لكي تضغط على السلطة اللبنانية من أجل إسكات المعارضين السوريين المقيمين في لبنان، ومن أجل تنظيم العمالة السورية وحقوقها، ومن أجل تسليم مطلوب بتفجير مطبعة..

ظلّ أبو خالد حتى الممات يحفظ ذكرى تلك الواقعة التي تضيء على زاوية مظلمة من العداء المستحكم بين القيادتين السورية والفلسطينية، والذي دفع الفلسطينيون ثمنه باهظاً جداً، وما زالوا، مثلما دفع اللبنانيون ثمنه مضاعفاً جداً، وما زالوا ربما، لا سيما منهم الذين “حملوا على ظهرهم” القضية الفلسطينية وشعبها وثورتها، ورفضوا إنزالها حتى الرمق الأخير.

على رأس هؤلاء، كان أبو خالد. حسم خياره من اللحظة الاولى، وحافظ عليه حتى اعتزاله في “عليّة” منزلية مشابهة، بعدما سلم بـ “الهزيمة المزدوجة” أمام اسرائيل عندما اجتاحت العاصمة بيروت في العام 1982، وأمام سوريا عندما دخلت الى لبنان مراراً وتكراراً منذ صيف العام 1976 حتى خروجها العسكري الأخير في ربيع العام 2005.

طوال فترة الاعتزال الذي امتد حتى رحيله، كان ابو خالد بمثابة “حاجز معنوي” على طريق المصنع المؤدي الى دمشق. يقطعه، أو يحاول أن يقطعه، أمام الرفاق والحلفاء والاصدقاء الذين خانتهم الذاكرة، وغاب عن بالهم ما فعله النظام السوري بحق اليسار اللبناني وبرنامجه الرابح حتى لدى الأوروبيين والأميركيين والروس، وبحق القضية الفلسطينية ومخيماتها اللبنانية (ثم السورية لاحقاً)، فضلاً عن الانشقاقات والشروخ العميقة التي أحدثها ذلك النظام في الجسمين الفلسطيني واللبناني على حد سواء.

عن ذلك الفصل من سيرة ابي خالد، سكَتَ جميع الذين بكوه ونعوه ورثوه. كأن الرجل الذي ناضل ضد ذلك النظام مثلما قاتل ضد العدو الإسرائيلي، ما أطيح به من موقعه اللبناني والعربي المميّز إلا صدفة.. وما كانت “هجرته” السياسية مع القيادة الفلسطينية عندما غادرت بيروت في أيلول العام 1982 إلا سياحة، أو حتى انحرافاً اتهمه به كل من اختار السير على طريق دمشق.. لأنه ساعد في اتفاق أوسلو الذي “أعاد نحو نصف مليون فلسطيني من الصومال والسودان واليمن وتونس وغيرها.. الى الداخل الفلسطيني وجواره، بعد تهجير دامَ نحو عشر سنوات، لكي يكملوا الصراع، بدل أن يتحولوا الى مبعدين دائمين لا تربطهم بفلسطينهم وبقيادتهم سوى دورات تدريبية على إنتاج المشغولات اليدوية والمطرزات وتصميم الرقصات الشعبية”..

حاول أبو خالد العودة أكثر من مرة من “هجرته” الفلسطينية، الى الداخل اللبناني، في خطابين شهيرين أحدهما في وداع رفيق الدرب الأقرب جورج حاوي، وجه فيهما النقد الذاتي المطلوب لما كان يعتقد أنه يطوي صفحة الحرب الأهلية ويسهم في التأسيس لمرحلة وطنية لبنانية ما، لكنه شعر على الفور أن الاوان قد فات على مثل هذا الحلم. فلبنان الذي يتمناه يبتعد أكثر فأكثر، وسوريا التي تناهض ذلك اللبنان ما زالت مقيمة هنا، وإسرائيل التي تهدد ذلك اللبنان لم تخرج تماماً، وفلسطين التي لم يعد لها ذكرى طيبة في ذلك اللبنان، صارت خارج المكان والزمان.

لا يجوز وداع محسن إبراهيم بغير تلك الذكريات بالتحديد. التاريخ لا ينسى ولا يرحم.

 

 

محسن إبراهيم وبيروت التي تموت

غسان شربل*

حاولت في البداية ألَّا أصدّق ما أرى وأسمع. تمنَّيت لو كان الأمر خدعة تلفزيونية. وتمنَّيت أيضاً أن يكون مسرح الأحداث غريباً لا يعنيني. لم أوفق. فأنا أعرف الشوارع، وأكاد أعرف المباني؛ إنها بيروت. وغمرني خجل فظيع. خشيت أن يتابع الأولاد ما أتابع فتصدمهم حقيقة البلاد التي نحاول ألا تسقط تماماً من ذاكرتهم.

قلت غمرني الخجل وأنا على بُعد آلاف الأميال. شبان موتورون ينتشرون في أحياء المدينة يبحثون عن فرصة اشتباك مع مواطنيهم. وكان بينهم من يطلق شتائم نابية بحق رموز تخصّ المذهب الآخر. شتائم تستحضر سموم التاريخ لسكبها فوق جروح الحاضر. ودائماً يُعثر على من يردّ الإساءة بمثلها. ومع الألفاظ النابية تردد صوت طلقات نارية وأعمال رشق بالحجارة. كان المشهد المؤلم يدور في شوارع بيروت محاولاً إيقاظ خط التماس الشيعيّ – السنيّ الذي عاود إطلالته في القرن الحالي بفعل تزايد عدد المغامرين وانحسار عدد العقلاء.

في جزء آخر من المدينة كان يدور مشهد مخجل آخر. كان ذلك على خط التماس بين الشياح وعين الرمانة، أي في المكان الذي شهد في 1975 الرصاصات الأولى في الحرب اللبنانيّة. وهنا كان الاحتكاك بين الشيعة والمسيحيّين. وبسرعة قياسيّة تردّد صوت عيارات نارية، واستُحضِر قاموس الحرب وكراهيّاته. وتشاء الصدفة أنني أعرف تلك الطريق. وأنها للأسف تفصل بين طائفتين وقاموسين وتصوّرين مختلفين لمصير سلاح المقاومة ودور «حزب الله»، خصوصاً بعدما تبين أن الجنرال ميشال عون لم يحمل معه إلى قصر بعبدا مشروع حل لهذا الخلاف الجدّي حول مستقبل لبنان وموقعه وترتيب التعايش بين مجتمعاته.

والحقيقة هي أن بيروت تموت. تموت بصفتها تجربة تعايش. واقتصادها يموت. وأمنها يتصدّع. البطالة قياسيّة والخبز يزداد صعوبة. وعلى الصعيد العملي شاركت الدولة الفاسدين في السطو على مدّخرات الناس. ها هي بيروت تموت. قطاعها المصرفي يموت. جامعاتها اللامعة تستعدّ لمصير سيئ. لم تعُد المدينة تعد بشيء في حسابات المستقبل. ومَن لم يهاجر يحسد مَن فعل.

قبل يومين من هذه المشاهد البيروتية المريعة كنت غارقاً في مشاهد بيروتية مختلفة. غاب محسن إبراهيم، الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي»، صاحب القدرة الاستثنائيّة على القراءة والتحليل، وإن تباينت نظرتك معه جذرياً. غيابه فتح لدى جيل من اللبنانيّين الذين لم يُقدّموا بعد استقالتهم من وطنهم دفاتر الذكريات. تعرف بيروت جيداً هذا الفتى الجنوبيّ الذي تقدَّم مظاهراتها واعتلى منابرها وشغلها بمقالاته ومعاركه وتحليلاته. تعرف بيروت الرجل الذي لم يكسر الغزو الإسرائيلي لبيروت في يونيو (حزيران) 1982 إرادته. الرجل الذي أطلق مع جورج حاوي، الأمين العام لـ«الحزب الشيوعي اللبناني»، نداء المقاومة الوطنية من منزل كمال جنبلاط في بيروت. وتشاء الصدفة أن يرتبط شهر يونيو (حزيران) أيضاً باستشهاد حاوي، واستشهاد سمير قصير.

يصحّح محسن إبراهيم الروايات. ينفي أن يكون لعب مع جورج حاوي دوراً في تحريض كمال جنبلاط على التشدّد في لقائه الأخير مع حافظ الأسد. ويقول إنهما طلبا من جنبلاط ألا يرجع بأجواء خلاف مع الرئيس السوري. يؤكد أن ياسر عرفات كان خائفاً على حليفه جنبلاط، وكان يعتقد أن لقاءه مع الأسد قد يجنّبه المصير الذي انتهى إليه.

كان محسن إبراهيم دفتر المدينة يوم كانت حية حالمة يتسابق اللاعبون في العثور على موقع فيها أو اعتراف منها. جمال عبد الناصر الذي ربطته بإبراهيم علاقة ومودّة كان مهتماً بصورته في الشارع البيروتي. وقال إبراهيم إن الزعيم المصري كان يسأله عن التفاصيل اللبنانية بعد أن يستهلّ الحديث بالاستفسار عن أحوال كمال جنبلاط، ويعرّج على صحيفة «النهار» اللبنانية، ومقالات رئيس تحريرها ميشال أبو جودة. واستنتج إبراهيم أن عبد الناصر كان يعتبر أن بيروت تعطي ما يشبه الشرعية للزعامة العربية. ويضيف: «لهذا لازم حلم انتزاع الاعتراف من بيروت كل الذين أصيبوا بعقدة عبد الناصر. القذافي اشتهاها، وصدام تمناها، والأسد قبض عليها بعدما شكك بنواياها».

أحياناً ينعقد خيط من الود بين الصحافي والسياسي. وهذا ما حصل. وكان اللقاء بمحسن إبراهيم مثيراً مفيداً مهما اختلفت مع مقاربته. قدرة على التفاصيل والاختصار والرسم بالكلمات. وقدرة على تجديد حرارة الجلسة بملاحظة أو لقطة تُضحك وتُصيب. وقبل ذلك كله كان اللبناني الأوسع تجربة في السياسة العربيّة، وكان قوس صداقاته يمتدّ من الجزائر إلى عدن.

وكانت السباحة في ذاكرته ثريّة ممتعة. يحكي ويستدرك. كأن يتوقّف ليقول ضاحكاً: «وَاجهتنا مهمة حساسة إذ كان علينا في البداية أن نقنع القذافي بأن حبش عربيّ أصيل، وإن كان اسمه جورج». ويضيف: «وكان من همومي خلال أي زيارة لليبيا إقناع وليد جنبلاط بعدم المغادرة قبل انتهائها، فقد كان يُصاب بالملل بعد وقت قصير من وصوله». ويفاجئك أحياناً بملاحظات من نوع أن «عرفات كان يعدّ حافظ الأسد رئيساً لدولة مهمة اسمها سوريا، لكنه كان يُعدّ نفسه رمزاً لقضية جاذبيتها أوسع من الخرائط، ولم تكن هناك كيمياء بين الرجلين». أو حين يلاحظ أن «اثنين لم يتوقعا أن يصل الدور الإيراني إلى ما وصل إليه، هما حافظ الأسد ورفيق الحريري».

سألت محسن إبراهيم عن سبب سير عرفات في خيار أوسلو، فقال: «قرأ الوضع الدوليّ بعد غياب الاتحاد السوفياتي. وقرأ الوضع الإقليميّ بعد معاقبة العراق على غزو الكويت. قرأ الأوضاع العربية وموازين القوى الدولية والأحوال المالية، وخاف على قضيته من النسيان والضياع. اعتبر أن الانتظار على أي شبر فلسطيني نوع من الضمانة، بعدما تأكد أنه ممنوع من الإقامة على خط التماس للاشتباك مع الجيش الإسرائيلي والتذكير بحقوقه».

كانت لمحسن إبراهيم علاقة خاصة بالقضية الفلسطينية. وعلاقة خاصة بعرفات انتقلت أيضاً لتستمرّ مع الرئيس محمود عباس، رغم اعتكاف إبراهيم عن أيّ عمل سياسي على الساحة اللبنانية منذ الثمانينيات، مكتفياً بالتفرغ لمراجعات اعترف فيها بثغرات وأخطاء.

قصّة محسن إبراهيم قصة طويلة مهمة مثيرة. وأقسى ما فيها ليس موت الرجل، بل موت المدينة التي كان من نجوم منابرها ومعاركها وأحلامها الباهظة.

*رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

(جريدة الشرق الأوسط – الاثنين – 16 شوال 1441 هـ – 08 يونيو 2020 مـ رقم العدد 15168)

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.