مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

أزمة استيراد المستلزمات الطبيّة في لبنان بعد تفاقم الأزمة الاقتصاديّة بعد حراك 17 تشرين 2019 وأزمة كورونا (جزء رابع)

56

الدكتور طلال حمود*

والمهندس هادي البساط**

المهندس هادي البساط

في البداية لا بُدّ من الإشارة الى اننا قسّمنا هذا البحث الى اربعة اجزاء بحيث انني خصّصت الجزء الأوّل منه للتمهيد حول تأثير الأزمة الإقتصادية والمعيشية والإجتماعية الخانقة التي ضربت لبنان منذ حوالي سنة. وكان ذلك الجزء مُخصّص لطرح الإشكالية الناتجة عن هذه الأزمات ومدى تأثيرها على الشعب اللبناني بشكلٍ. وتناولت في الجزء الثاني من هذا البحث بعض المُعطيات العلمية العالمية المُتوفّرة حول تأثير الوضع الإقتصادي-الإجتماعي ودوره في زيادة امراض القلب الشرايين. كذلك وتمّ تخصيص الجزء الثالث منه للإضاءة على تأيثر هكذا عوامل على الحالة اللبنانية.

اما الجزء الرابع والأخير فقد اعدّه المهندس هادي البساط وهو نائب رئيس نقابة مستوردي الاجهزة والمستلزمات الطبية في لبنان، وسوف يتكلّم فيه ازمة القطاع الصحي في لبنان وحول تأثير الأوضاع الإقتصادية-الإجتماعية فيه على إستيراد المستلزمات الطبية وعلى نوعية الخدمات الطبّية الموجودة في لبنان ومخاطر التردّي الحاصل على إستمرارية العمل في هذا القطاع نتيجة إرتفاع اسعار الدولار والصعوبات التي تواجه حالياً إستيراد المستلزمات الطبية الضرورية جداً في كل الخدمات الطبية التي تقدّمها المستشفيات في لبنان.

 

وبداية لا بدّ من القول إنّ أزمة المستلزمات الطبية بدأت منذ شهر نيسان من العام 2019 عندما امتنعت بعض البنوك عن توفير العملة الصّعبة من أجل الإستيراد من الخارج. تفاقمت هذه الأزمة في شهر أيلول تحديداً مع توقُّف كُلّي لجميع البنوك ولجميع الشّركات عن تأمين العملة الصّعبة وتحديداً الدولار للإستيراد من الخارج وتحديداً للقطاع الطّبي. عندئذٍ إجتمعت الشركات للمستلزمات والأجهزة الطّبيّة وطالبت الرئاسات الثلاثة وحاكم مصرف لبنان بالتّدخل الفوري لأن مخزون هذه المستلزمات الطّبيّة أصبح في شحٍّ هائل، إلّا أنّه إِتُّخِذ القرار بدعم المشتقات النّفطيّة والقمح والدّواء دون دعم المستلزمات الطبيّة ممّا زاد من تفاقم هذه الأزمة وأدّى إلى شح في المستلزمات الطّبية عند المستشفيات عموماً. إلّا أنّه وبعد جهد جميع الجهات المعنيّة وخصوصاً نقابة مستوردي الأجهزة والمستلزمات الطّبيّة، تمّ الإتفاق مع حاكم مصرف لبنان على دعم المستلزمات الطبيّة في شهر تشرين الثاني،إلّا أنّ هذا الإتّفاق وهذا التّعميم الذي صدر من المصرف المركزي لم يكن له في حينه آلية تطبيقيّة واضحة فأصبح إنتقاء المستلزمات المدعومة يخضع لإنتقائية غير واضحة والفواتير المدعومة والتي يجب دفعها إلى الخارج أصبحت أيضاً تخضع لإنتقائيّة معيّنة، على سبيل المثال فقد توقف المصرف المركزي حالياً عن دعم الفواتير التي يعود تاريخ إصدارها إلى ما قبل شهر أيلول 2019 ممّا يزيد من تفاقم الوضع إذْ أنّ الشركات المصنِّعة بالخارج والتي ساعدت وتحمّلت وكلاءها المحليّين بتسهيلات دفع طويلة الأمد وذلك لمساعدتهم على تحمّل تأخّر المستشفيات اللّبنانيّة بالدفع خلال عام 2019 وذلك لتأخّر الدولة اللّبنانية من تسليم أيضاً مستحقّات المستشفيات خلال ذلك العام، للأسف القرار الذي إتّخذه المصرف المركزي حالياً يعاقب هذه الشركات التي كانت الداعم الرّئيسي لتمويل القطاع الصحّي في ال 2019 وبالتالي دعم هذه الفواتير يؤدي إلى توقّف شركات في الخارج من تسليم بضائع جديدة إلّا في حين تسليم أو دفع مستحقاتها القديمة. من ناحيةٍ أخرى لقد أصدر وزير الإقتصاد ورئيس مجلس الوزراء تعميماً وطلباً من حاكم مصرف لبنان يحدّد فيه المواد التي يجب دعمها لجائحة كورونا وكانت تتضمّن ٨٠ مادّةً إلّا أنّه للأسف رفض المصرف المركزي الإلتزام بهذه اللّوائح وقام بدعم مادّة واحدة فقط وهي جهاز التّنفس الإصطناعي أمّا باقي المواد المتعلّقة بالكورونا لم يتم دعمها وعلى سبيل المثال كل الفحوصات المخبرية وكل الماسكات المتعلّقة بكورونا. أضف إلى ذلك إنّ تعميم المصرف المركزي لا يلحق الأجهزة وقطع الغيار الطبية وبذلك يتجاهل طبيعة العمل الطبي الذي يُعتَبَر مترابطاً إذْ أنك لا يمكن أن تقوم بزراعة روسور للقلب دون إستخدام جهاز الأشعة أو التمييل الذي هو جهاز ولديه قطع غَيار ويحتاجها لإستمرارية العمل الطبي،وأيضاً إنّ العمل الطبي إن كان مخبرياً او عن طريق الأشعة أو حتى العملية الجراحية لها تسعيرة واضحة من قِبل الجهات الضامنة في لبنان وبالتالي إنّ عدم دعم قطع الغيار سيؤثر بشكل مخيف على تسعيرة هذه الفحوصات أو العمليات الجراحية إذْ أن قطع الغيار سوف تكلّف المستشفى أكثر من ثمن الجهاز نفسه في حال أي عطل في هذا الموضوع. أمّا بالأرقام فقد تمّ الإتفاق مع المصرف المركزي ووزارة الصحة ونقابة المستشفيات ونقابة المستوردين للأجهزة والمستلزمات الطبية أن يكون الدعم بحدود العشرين مليون دولار شهرياً لهذا القطاع، إلّا أنّه منذ تسعة أشهر لم تتجاوز قيمة الدعم خمسون مليون دولار مقابل مئة وثمانون مليون دولار أي ما يقل عن 30% من القيمة المُتَّفق عليها أساساً. وهذا ينذر ب:

أولاً : عدم وجود مستهلكات ومستلزمات طبية كافية لإجراء العمليات الجراحية.

ثانياً ينذر بأن ّ إنحدار المستوى الطّبي إذ سوف تلجأ المستشفيات إلى استخدام المواد ذات الإستهلاك الأحادي سوف تقوم بإعادة تعقيمها وإستهلاكها لأكثر من مريض وربما أيضاً تتّجه المستشفيات نحو البضائع الأقل جودة والأرخص وربما المساومة على جودة ونوعية العمل الطبي الذي لطالما تغنّى به اللبنانيون وتغنّى به القطاع الصّحي في لبنان أمام المنطقة.

إنّ تعميم المصرف المركزي المتعلّق بدعم المستلزمات الطبيّة لا توجد آلية تطبيق واضحة له، على سبيل المثال إنّ العديد من المصارف لا يزال يرفض كلياً تنفيذ هذا التعميم لجميع الشركات كما يوجد مصارف أخرى ترفض تنفيذ التعميم بعض الشركات وتقبل للبعض الآخر وذلك يخضع للعلاقة التجارية بين الشركة والمصرف، هذا من ناحية المصارف.أمّا من ناحية المصرف المركزي فليس هنالك لائحة أو قائمة للمواد المدعومة فعلى سبيل المثال قد يقوم المصرف المركزي برفض الكثير من المستلزمات الطبية على سبيل المثال أفلام الأشعة، جهاز القوقعة الذي يساعد مرضى السمع والنطق بالإضافة الى العديد من المواد الأخرى ورغم كل هذه العراقيل ورغم كل ما تقدّم فلقد تعهدت نقابة مستوردي المستلزمات والأجهزة الطبية بأن تقوم بالقبض من المستشفيات حسب تعميم المصرف المركزي أي أنها ستقوم بقبض فواتيرها 85% حسب سعر الصرف الرسمي و15% حسب سعر صرف السوق، وعليه وضعت النقابة جميع الشركات تحت طائلة مسؤولية الملاحقة القانونية في حال تبيّن أنّ أي شركة تقوم بالإستفادة من تعميم المصرف المركزي ولا تقوم بتنفيذه من جهة المستشفيات، إلا أنّ بعض المستشفيات وللأسف يقوم بإستغلال هذا الأمر ورغم أنها تقوم بشراء مواد حسب تعميم المصرف المركزي أي 85%حسب سعر الصرف الرسمي و15%حسب سعر صرف السوق إلّا أنها تقوم بالطلب من المريض بدفع 100% حسب سعر صرف السوق ولذلك تمّ الطلب من نقابة المستشفيات باتخاذ إجراءات مماثلة للتحقيق مع كل مستشفى يقوم بإستغلال هذا الموضوع. علماً أن رغم تنفيذ التعميم من قِبل الشركات المستوردة والمستشفيات إنّ فارق السعر الناتج عن تأمين 15% من سوق الصيرفة يترتّب بفارق سعر 26%حالياً وهذا الرقم قد يزيد أو ينقص حسب سعر صرف السوق. أما الأزمة الكبرى فهي تكمن في قيمة مستحقات الشركات لدى المستشفيات والتي يفوق متوسط عمرها أكثر من 18 شهراً، إذ أنّ الشركات كانت في الماضي تقوم بتمويل القطاع الصّحّي لعدم قيام الدولة اللبنانية بدفع مستحقاتها للمستشفيات وبالتالي للشركات المصنِّعة في الخارج إلا أنّ وقف التسهيلات المصرفية في لبنان وتخفيض التصنيف الإئتماني للدولة اللبنانية وعدم إمكانية إستخدام الأموال الموجودة في المصارف التابعة للشركات من أجل إستيراد المواد الطبيّة يزيد من الضغط المالي على هذه الشركات التي لم تعد تستطيع تمويل عملها ولا حتى تستطيع أن تستمر بمنح المستشفيات هذه التسهيلات، وأنّه على الدولة اللّبنانية وعلى المستشفيات إيجاد حلول جذرية لتسديد مستحقات الشركات التي لديها إلتزامات مع الخارج لا تستطيع التّخلّف عنها بعكس إلتزامات المستشفيات والتي يُعتبَر دينُها داخلي ويمكن المفاوضة عليه إلّا أنّ دين الشركات فهو خارجي مقابل ضمانات مالية ضخمة لا يمكن المفاوضة عليها بعد الآن ممّا يُنذر بإنهيار الشركات المستورِدة وبالتالي ضرب القطاع الصّحّي كاملاً من خلال عدم تأمين البضائع ذات الجودة كما تعوّد القطاع الصّحّي في لبنان.

أمّا فيما يخص الشركات ملتزمة القبض فحسب تعميم المصرف المركزي وهو 85% حسب سعر الصرف الرسمي و15% حسب سعر صرف السوق لجميع المواد الخاضعة بتعميم المصرف المركزي إلا أنه هناك العديد من المواد وهناك العديد من الشركات لم تستطع الإستفادة من تعميم المصرف المركزي للأسباب التي ذكرتها سابقاً وبالتالي نعم إنها تضطر أن تطلب أن تقبض ثمن البضائع حسب سعرف صرف السوق.

وأضيف إلى ذلك فإنّ تأمين 15% من قيمة الفاتورة حسب سعر صرف السوق، نعم إنه يؤثر على مُجمَل الفاتورة بحوالي 26-27% إذا ما اعتبرنا سعر صرف السوق 4200L.L إذا ازدادت تزداد قيمة الفاتورة واذا انخفضت تنخفض قيمة الفاتورة وهذا للمواد الخاضعة للتعميم وللشركات التي إستطاعت أن تنفّذ التعميم وللأسف ليست كل الشركات إستطاعت تنفيذ التعميم وليست كل المواد خاضعة للتعميم.

معظم الشركات خففت حجم أعمالها وخفّضت من عدد موظفيها وربما الأجور لأنها أصبحت ليس لها القدرة على تمويل هذا القطاع ولا على تحمّل مخاطر قيمة المستحقّات الموجودة في السوق، ومن ناحية أخرى بخصوص كيفية تسعير المستشفيات نحن كنقابة مستوردين وضعنا خط ساخن مع Email وWebsite للتبليغ عن أي شكوى بخصوص أي تسعير قد يكون غير منطقي أو غير عقلاني، وبالتالي ستقوم النقابة بالتحقيق بمساعدة المصرف المركزي ووزارة الصحة للتبيان إذا ما كانت الشركة والمادة يقوم بدعمها المصرف المركزي وفي حال تبيّن عكس ذلك سيتم إتخاذ الإجراءات المناسبة بحق الشركة التي تتلاعب بهذا الموضوع. وطلبنا من نقابة المستشفيات تحمّل مسؤولية هذا الموضوع وملاحقة أي مستشفى تتلاعب بالأسعار في حال كانت تشتري بحسب دعم المصرف المركزي وفي حال تبيّن أن المستشفى تشتري حسب التعميم ولكن تخبر المريض أنها غير مستفيدة من التعميم أو من الشركة التي إستفادت من التعميم يجب ملاحقتها أيضاً.

أمّا بالنسبة للمستقبل من المؤكد سوف تواجهنا صعوبات كبيرة خاصّةً مع إزدياد في الشّح بالدولار وارتفاع جنوني آخر له فمن الطبيعي والمؤكد أنّ المواطن اللبناني سوف يتأثّر به شئنا أم أبينا وقد نشهد إنهيار القطاع الصّحيّ كاملاً وإنهيار المستشفيات وإنهيار الشركات معها لأنّا لم تستطيع الصمود مع كل هذه الضغوط التي نعيشها.

 

 

*الدكتور طلال حمود- طبيب قلب – مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود.

**نائب رئيس نقابة مستوردي الاجهزة والمستلزمات الطبية في لبنان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0