مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تكرار التجربة.. حين يدفع الغرب لبنان شرقاً

112

خليل القاضي*

قيل الكثير وكتب أكثر حول الحتمية التاريخية، وإعادة التاريخ نفسه وإن كان بظروف مختلفة لجهة المكان والشخصيات، إلا ان إعادة التاريخ تبقى ثابتة لجهة المفاعيل التي تنتج عن تلك الإعادة، ما يدفعني للحديث عن إعادة التاريخ لنفسه ليس للدخول في نقاش فلسفي او فتحاً لحوار حول الحتمية التاريخية وماهيتها ومدى صوابيتها، وإنما ما جعلني استعيد الحديث عن تلك الإعادة للتاريخ لنفسه، هو تنامي الحديث عن التوجه شرقاً في لبنان من باب السعي للنهوض من الكبوة الاقتصادية التي يرزح تحت أعبائها البلاد والعباد في لبنان الذي كان يوماً سويسرا الشرق، وكي لا أستغرق في السوداوية التي يتفنن بعض ساسة لبنان في نثرها علينا صبحاً ومساءً.

أعود الى صلب الموضع الرئيس وهو الاتجاه شرقاً، وكيف أن التاريخ أبى إلا أن يُعيد نفسه في هذا الطرح. وهنا أعود الى التاريخ خصوصاً أننا قبيل أسابيع من تاريخ ذكرى خطاب الرئيس جمال عبد الناصر التاريخي في 26 تموز عام 1966 حين أعلن القرار الأميركي البريطاني مضافاً اليه البنك الدولي سحب إقرار تمويل السد العالي. وفي ذاك الخطاب يذكر الرئيس الراحل عبد الناصر الاسباب  التي أدت الى ذلك القرار الذي كان السبب الرئيس في توجّهه شرقاً لإنجاز السد العالي، حيث قال ما مضمونه إن مفاوضات القاهرة مع البنك الدولي بدأت في خريف سنة 1955 حيث تقدّمت كل من انكلترا وأميركا بعروض جزئيّة للمشاركة في تمويل قروض مشروع بناء السد العالي تبلغ في جملتها 130 مليون دولار واشترط لهذه المعونة موافقة البنك الدولي على تقديم قرضه لمصر البالغ 200 مليون دولار. إلا أنه وبعد مفاوضات استمرت عشر سنوات تعثرت بعد طلب واشنطن ولندن والبنك الدولي مجموعة شروط تضمنت شروطاً مجحفة تتناول السيادة الوطنية على مصر كأساس لتنفيذ المشروع:

الشروط التي وضعتها اميركا وانكلترا من أجل تمويل مشروع بناء السد كانت على النحو التالي:

  • أن تتعهد مصر بعدم إبرام أي اتفاقات مالية او الحصول على أي قروض من دون موافقة البنك الدولي.
  • أحقية البنك الدولي في مراجعة ميزانية مصر.
  • مراجعة ميزانية مصر حتى لا يحدث تضخم.
  • أن تتعهد مصر بتركيز تنميتها على مشروع السد العالي فقط وتخصيص ثلث دخلها لمدة عشر سنوات لهذا الغرض.
  • استبعاد الكتلة الشرقية كلية من المشروع وأن تجري عقود الإنشاء على أساس المنافسة.

وهذا ما جعلني استحضر المفاوضات التي تجريها الحكومة اللبنانية مع صندوق النقد الدولي الذي قدم او اقله طرح شروطاً كثيرة مرتبطة بالإصلاحات القانونية والتشريعية ومكافحة حقيقية للفساد الا ان هناك شرطاً يُعتبر الاكثر اقلاقاً وهو الموافقة على اعتبار لبنان دولة مفلسة حتى عام 2040 وهذا يعني سرقة مقنعة للبلاد والعباد، وأمام هذه المفاوضات اطل الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في اكثر من خطاب ليقول للشعب اللبناني حكاماً ومواطنين أنه في حال استمر الغرب وصندوق النقد الدولي في فرض شروطهم المجحفة ان لا يسقط من بالهم التوجه شرقاً وتحديداً في اتجاه الصين وروسيا وايران، والذي دونه عقبات عقلية قبل لوجستية، فالرافضون للتوجه شرقاً منطلقاتهم سياسية غير اقتصادية ولكن عليهم الاقتناع ان التعنت الغربي سيكون هو الموجه لنا نحو الشرق، كما ان رفضهم للتوجه نحو الشرق مرفوض فقط لأن السيد نصرالله من طرحه على مبدأ “عنزة ولو طارت”. وقبل الرفض علينا مناقشة الطرح. فالتوجه شرقاً قد لا يكون محصوراً بالدول التي ذكرها السيد نصرالله، ويمكن اضافة الهند ذات الاقتصاد الصاعد وهناك دول الخليج إضافة لدول شرق آسيا لا سيما ماليزيا واندونيسيا التي قد تكون مهتمة بالاستثمار في لبنان الواقع في منطقة غرب آسيا بالنسبة لهم والأقرب لأوروبا، فهل يدفع الغرب لبنان شرقاً قسرًا كما فعل مع عبد الناصر؟

الإجابة ستحملها الأسابيع والأشهر المقبلة لننتظر ونرَ.

*صحافي لبناني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0