مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تقاطع شارعَيْن

61

د.قصي الحسين*

ليس جديدا على لبنان، كثرة الشوارع والزواريب فيه. فهذا من طوابعه القديمة.
كنا نشهد بين الحين الآخر، تقاطع هذة الشوارع والزواريب في لبنان، حتى تستحيل إلى متاهة.
تتداخل الطوائف فيما بينها، وتتقاطع على المصالح. وتتداخل العصبيات فيما بينها، وتتقاطع على المصالح. وتتداخل المناطق فيما بينها، وتتقاطع على المصالح.
وكذلك يتداخل الزعماء، وتتداخل الأحزاب، والتيارات والقبائل والعشائر. وجميعها تتقاطع على المصالح، في البرهة المناسبة.
ينقسم اللبنانيون فيما بينهم. وليست هناك خطوط ثابتة للفصل. وليست هناك أهداف ثابتة وغايات ثابتة ومصالح ثابتة. وليس لهم أعداء ثابتون ولاخصوم ثابتون. وإنما يتم التعايش على الرمال. وفي أرض الزلازل. وعلى فوهات الخلجان والوديان والبراكين. وفي مدافع النار والماء.
وكان اللبنانيون المنقسمون والمتقاطعون، كثيرا ما يهب إليهم من ينجدهم، ويصلح أحوالهم، ويسوي ذات البين بينهم. كان يعتمدون على النخوة والشهامة والرعوية، وأخلاقيات الريف، وساسة و سياسةالمدينة.  كانت لهم، أعراف وتقاليد وأصول متبعة. فلا يدعون النار في بيوت الجيران، ولا يدعون الطوفان، يحمل الناس، ولا يدعون الرصاص، يلعلع فوق الرؤوس.
كانت تقاطعاتهم عابرة. وكانت عداواتهم مؤقتة. وكانت حملاتهم قصيرة النفس. فهي مثل إشتعال العود، سرعان ما يخبو، فلا يعود إلى الإشتعال مرة أخرى، إلا بعد حين.
مضى الزمن بلبنان واللبنانيون على هذا النحو، طوال القرون و العهود والعقود. وطوال الشهور والفصول والأعوام.
ما عرف لبنان حربا فيه، كمثل هذة الحرب الخبيثة، بين شوارعه، التي يعيش.
وخلال المئوية الماضية، بلغ الإنقسام مبلغه:
1- الإنقسام على الإنتداب الفرنسي.
2- الإنقسام على الوحدة مع سوريا.
3-   الإنقسام على حلف بغداد
4- الإنقسام على الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة.
5-  الإنقسام على مشروع منظمة التحرير الفلسطينية.
6-  الإنقسام على الدخول السوري.
7-   الإنقسام على الخروج السوري.
8- الإنقسام على التدخل في سوريا.
9- الإنقسام على التدخل في غزة واليمن والعراق والبحرين
10- الإنقسام على التدخل  في شؤون الدول العربية والأجنبية.
يؤول هذا الإنقسام اللبناني، منذ برهة الخروج السوري، لرؤية التقاطع اللبناني، وقد إمتد إلى الخارج.
لم يعد هناك من مصلح صالح للتحكيم بين الشارعين، كما جرت العادة.
ذلك أن تقاطع الشارعين، إتصل بسياسة القطبين.  ولذلك بدت سياسة التهدئة هي الإلزم للبنان، عن غيرها من بنيات الحلول الأخرى.
لم تعد عسكرة الشارع المقابل للمقاومة نافعة ولا ناجعة.
ربما جاء “قانون قيصر”، ليشعل النار بين الشارعين، على تقاطع سياسة القطبين، بين طهران ونيويورك، نيابة عن موسكو. وبين إسرائيل وطهران، نيابة عن نيويورك.
ولم يعد أمام اللبنانيين، إلا العيش في عصر الأزمة الكبرى، بين طهران ونيويورك.
ذلك أن الأزمة بين طهران وإسرائيل، هي من التفاصيل.
لم يعد أمام اللبنانيين، إلا التفاهم مع “دولة المقاومة”، بعدما أخذت قصور السرايات والرئاسات بالإنتخابات.
فالصراع على الشرق الأوسط، بين نيويورك وطهران، قد يمتد لآجال. ولا ينفع اللبنانيين أن يحترقوا كأعواد الثقاب، في معمعان الرسائل المتبادلة، بين الأقطاب: طهران وروسيا، وإسرائيل وأميركا.
لبنان اليوم، في عهد المقاومة، “مشروع فتنوي” أمام أنظار العالم. ربما يستدرج كديك رومي، إلى تقاطع الشارعين، حيث مرسح النار، فيرمي به أصحابه، في وسطها، ويجلسون للتفرج عليه، ويصنعون لذلك إحتفالية بكائية تعودوها، من تراث البلاد، القائم على ثنائية دم الإغريق والفينيق.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0