مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

قواعد اللعبة

79

د. قصي الحسين*

“اللعبة السياسية”، توأمها “اللعب بها” في لبنان والعالم. ولكن ما يجري في لبنان، يخالف قواعد اللعبة في بلدان العالم كلها. لا شبيه ولا نظير، لما يجري عندنا على هذا الصعيد، من شغب ومن تهوين.
منذ (ثورة17 ت1)، نزل اللبنانيون جميعا، بلا إستثناء، إلا من “خف وزنه وثقل حجمه”، يشاغب باللعبة السياسية، بلا ضوابط ولا قواعد. لا من جهة الحاكمين، ولا من جهة المعارضين.
تعادل الطرفان في الشغب بكفتي الميزان. فمرة نجد الحاكمين ثوارا. ومرة نجد المعارضين حكاما.
نزلت ميليشيات الحاكمين، إلى الساحات. يشق صراخها آذان السماء. يكيل أهلها الإتهامات، وكأنهم كانوا خارج الحكم في يوم من الأيام.
يفجرون على الناس، ويأكلون رؤوسهم، بالترهات والأوهام. يعيبون فساد القطاعات: الكهرباء والإتصالات والأمن والتعليم والإتصال بدول العالم، والتواطؤ مع السفارات بالخارج كله، شرقا أو غربا لا فرق. وهم أنفسهم كانوا قد إستلموا وإلتزموا هذة القطاعات، وتعاقبوا عليها، وتبادلوها، وشاغبوا وقاتلوا وإقترفوا وتواطأوا، وإستعانوا بالتحالفات الداخلية والخارجية، وإستقووا، وإستدرجوا القوى للإمساك بهذة المرافق، ذات الميزانيات الملأى، وذات الصناديق المليئة، بحجة أنها وزارات سيادية، وأنها من حقهم، وأنهم الأجدر بها فلا يؤتمن الأقلوي عليها. ولا يمكن إسنادها إلى الطوائف الصغرى.
أما المعارضون فكانوا ينزلون ميليشياتهم، ويمسكون ويحتفظون بأحزابهم. “رجل” في ساحات الإحتجاج والثورة، ورجل في العتبات السياسية. كفلاح عتيق، “رجل في الفلاحة، ورجل في البور”. تنبح حناجرهم القمر، في الإتهامات، وتراهم يفاوضون تحت الطاولات.
أحزاب عريقة في المعارضة، تدعي دوما الظلامة. وتملأ الساحات بالإحتجاجات. وأنها تدافع عن المظلومين. وأنها تدافع عن مصالح الشعب. وحين تصل إلى المجالس النيابية و الوزارية، تدع الدف جانبا،وتأخذ في “رقص الحنجلى”، تضع على رأسها “قبعة الخفي” وتسد أذنيها بالقار، وتسلك طريق التخفي و الهمس، بقرض الميزانيات وب(قرط المصريات) في العتمة، وعلى السكت و”السكيت”. ولا من رأى ولا من درى. يحسبون أن الناس طرشان وعميان، فلا يرون ولا يسمعون.
لبنان كما يحتاج للإحتجاجات، فهو يحتاج للعودة إلى أصول، بل إلى قواعد اللعبة والتمسك بها. ويحتاج للإنضباط ضمن قواعد اللعبة. يحتاج لتفاهم لبناني بالعمق، على الإنضباط ضمن قواعد اللعبة، وعدم الإستهتار أو التهاون بها.
هناك إنتخابات نيابية لإنتاج السلطات ولإنتاج القوانين السالكة والناظمة لها، على صعيد المسارات المدنية والأمنية والمجتمعية كافة.
وفساد عملية الإنتخابات، هو رأس المعاصي. لأنه يفتح الطريق، أمام فساد البلاد كلها. وعلى النيابات العامة المدنية والعسكرية، أن تقوم بواجباتها لأجل حمايتها، وحماية الوطن بحمايتها.
ودور المجلس النيابي، في بناء هياكل الحكم وهياكل الإدارة وهياكل المجالس التشريعية، وفي الرقابة على حسن إنتظام العمل، إنما هو باب الحكم والنظام، وباب الإنتظام. ودوره عظيم للغاية، لأنه باب الحكم الديقراطي والعدالة المجتمعية.
وإلغاء هذا الدور وتعطيله، إنما هو تعطيل للنهوض الوطني كله. فلماذا التهاون، في تحسين “اللعبة الديمقراطية”. ولماذ تطويع الإرادة الشعبية وحملها لغير غاياتها المرتبطة بها أصلا.
دعنا نفكر ولو لبرهة واحدة، بعدم الخروج عن “قواعد اللعبة” الديمقراطية. فلا نفسدها. ولا نحرقها. ولا نعبث بها ولا نتآمر عليها. ولا نضع العصي في عجلاتها. ولا نزور إنتخاباتها. ولا نزور إرادة الشعب، في إنتاج السلطة الصالحة بها. ولا نأتي بوزير للداخلية، يفسد الطبخة كلها. ويوصل البلاد إلى الإنسداد. ويحضر للإنفجار الناس.
لو عاد الحكام للوعي بأهمية دور المجلس النيابي، لتهيبوا النزول إلى الساحات.
لو عاد المعارضون، للعب دور المعارضة الحقيقية تحت قبة البرلمان، لإمتنعوا عن الإنضمام للثورة ولحركات الإحتجاج.
فهل يأخذ الحكام والمعارضون عظة، مما أصاب البلاد على أيديهم، خصوصا في الآونة الأخيرة، فيبطلون دور “المراهقة السياسية”، الذي يلعبونه، منذ (ثورة 17 ت) حتى اليوم. وهل تعلمت الإحتجاجات درسا، مما جرى لها، ومما تشوهت به، ومما دنس راياتها، ونداءاتها. تلكم هي قواعد اللعبة تلكم هي أصولها، فلا تضيعوا أصول الإنتظام في اللعبة الديمقراطية. وإنتظروها في مواعيدها، وإفتحوا لها الأبواب..

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0