مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

قراءة موجعة لكتاب “الأسباب والعوامل الحزبيّة الداخليّة في تاريخ استشهاد سعاده… وما بعده” للباحث شحادة الغاوي (جزء 1)

جوزف غطاس كرم

الكاتب جوزف غطاس كرم

تمهيد

عن “دار أبعاد”، وانسجاماً مع  قناعة الناشر المعلنة على الغلاف الأخير للكتاب: “إن عقيدة سعاده ومنهجه الفكري والعملي يحضّان على معرفة الحقيقة وإعلانها ونصرتها دائماً، ومهما كان الثمن”، وتكريساً لأهدافها في حفظ التراث الفكري، الأدبي، السياسي والتاريخي للحزب السوري القومي الاجتماعي، نشرت الدار كتاب “الأسباب والعوامل الحزبيّة الداخليّة في تاريخ استشهاد سعاده… وما بعده”  في 557 صفحة، للباحث والكاتب السوري القومي الاجتماعي “شحادة الغاوي”، الذي قام بكتابته وجمع وثائقه ودراستها وتحليلها بجهد كبير كي يأتي كتابه نوعياً وبمثابة وثيقة إضافية في المكتبة القومية التي تحتوي الأبحاث والدراسات المتعلقة بالجانب التوثيقي، والوثائقي للنهضة السورية القومية الاجتماعية.

قام الكاتب والباحث السوري القومي الاجتماعي “شحادة الغاوي” باستنطاق الأعمال الكاملة لسعاده” الصادرة عن مؤسسة سعاده للثقافة عام 2011، ومذكرات القوميين الذين رافقوه، كما بعض الكتابات التي نشرت في بعض الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية التي تناولت كارثة استشهاد “سعاده”، وما حلّ بحزبه من بعده، داعماً استنطاقه ببعض الوثائق الرسمية لبعض الدول الغربية والعربية بعد تحليل ما تكتنزه من معلومات تاريخية وسياسية وأمنية تتناول الحوادث الأليمة التي تعرض لها مفجّر النهضة السورية القومية الاجتماعية، ومؤسس حزبها الزعيم “أنطون سعاده”، فأتى استنطاقه بمثابة “قراءة ناقدة في تاريخ صاخب” لزعيم النهضة السورية القومية الاجتماعية والكوارث التي أصابته… وأصابت حزبه من بعده.

 

الألوان التي تبتهج لها عيون القوميين الاجتماعيين

تكتسب لوحة الغلاف الأول لكتاب “الأسباب والعوامل الحزبية الداخلية في تاريخ استشهاد سعاده… وما بعده” للكاتب والباحث السوري القومي الاجتماعي “شحادة الغاوي” روعتها من بساطة تصميمها التي تتشكل من الألوان التي تبتهج لها عيون القوميين الاجتماعيين وهي تحدق فيها، مثل الرمادي الفاتح، الأحمر، الأبيض والأسود، وكذلك الخطوط المستطيلة التي تتوسّطها العبارات الطويلة التي تشكل عنوان الكتاب، والتي تفصل بوضوح بين المساحات اللونية الرئيسية في أساسيات الغلاف الأول، فهل أراد مصمم الغلاف الانطلاق من فكرة الزعيم “أنطون سعاده” التي تقول:

“سيأتي يوم، وهو قريب، يشهد فيه العالم منظراً جديداً وحادثاً خطيراً، رجالاً متمنطقين بمناطق سوداء، على لباس رصاصي، تلمع فوق رؤوسهم حراب مسنونة، يمشون وراء رايات الزوبعة الحمراء يحملها جبابرة من الجيش فتزحف غابات الأسنة صفوفاً بديعة النظام فتكون إرادة للأمة السورية لا تردّ، لأن هذا هو القضاء والقدر”؟!.

الأسئلة كثيرة واحتمالية، خاصة، أن تصميمه واضح ومشعّ مثل الشمس، وحجم الجماليات اللونية والخطوط المستطيلة هي من الأشكال والألوان المحبّبة كثيراً للأذواق الفنية للسوريين القوميين الاجتماعيين.

والمشهد الأكثر بروزاً في لوحة الغلاف الأول هو الرسم التجريدي الجانبي لوجه الزعيم “أنطون سعاده” المخطّط باللون الأحمر القاني فقط، والموحي بالدماء الذكية التي بذلها الزعيم “سعاده” في سبيل نهضة أمته، وأعتقد أن المصمّم قد لجأ إلى استخدام هذا اللون على خلفية عبارة رائعة وحازمة للزعيم، تشير إلى:

“إن الدماء التي تجري في عروقنا هي ذاتها وديعة الأمة فينا، متى طلبتها وجدتها”.

 

. شخصيّاً، لم أعد أذكر بالضبط اسم الفنان الذي رسم هذه اللوحة لوجه الزعيم منذ سنوات، وإذا لم تخنِّي ذاكرتي أعتقد أنها من رسم الفنان “أسامة حديب”، إلا أني أستطيع الجزم أنها تميّزت بقدرته الإبداعية على رسم وجه الزعيم بالشكل الذي يتخيّله، سواء من الواقع أو من الخيال في شكل جديد تماماً قد يتشابه أو لا يتشابه مع الشكل الأصلي للوجه، ولكنه، استطاع بسهولة إعادة صياغته برؤية فنية جديدة تجلى فيها حسه وخياله باللون الأحمر، وبنسب التعرّجات الجانبية التي وظفّها في رسمه كي تحمل الناظر إلى تأملها والبحث فيها على المواضيع الفكرية التي أثارها المفكر “أنطون سعاده”، وشخصيّاً، سبق لي، وتأملت بهذه اللوحة عشرات المرّات، وأعدت رسمها على الحاسوب لنفسي، لأعبر من خلالها عن انطباعاتي، وتصوراتي الشخصية لفكر “سعاده”.

 

قناديل الكتاب

استهلّ المؤلف الباحث “شحاده الغاوي” كتابه بلائحة المحتويات من عناوين الكتاب، ثم ألحقها بكلمة إهداء لروح والده الذي قاوم “بشدة انتماءه للحزب”، والذي نصحه بأن تكون “ثقته مبصرة وليست عمياء”، وإلى الأمين “ميشال الحاج”، الذي “فتح أبصاره على نور عقيدة سعاده”، بعد ذلك توجّه بكلمة شكر إلى “الرفقاء والأصدقاء” الذين ساعدوه “في إنجاز الكتاب”، ثم أعقبها بـ “المقدمة العامة” التي تحدّث فيها عن منهجية تعامله مع الوثائق التي حواها الكتاب، وعن أهميتها  التاريخية، وقد أتم إخراجها بتبويب سهل، ميسّر وشامل لكل ما قد يتبادر إلى أذهان القراء من أسئلة وتساؤلات تجاه تلك الوثائق الواردة في هذا الكتاب القيّم، وذلك من خلال تقديم صورة واضحة لكل وثيقة، وترتيبها حسب الترتيب الزمني التصاعدي، إضافة إلى موضوعها ومصدرها، والتعليق عليها مما يجعل الكتاب قادراً على أن يكون دليلاً حسياً لإقناع القارئ ــ الدارس لتاريخ النهضة السورية القومية الاجتماعية بأهمية تلك الوثائق والحاجة الماسّة إلى دراستها وتحقيقها وتقديمها إلى أجيال الغد كإرث تاريخيّ، ولتكون بذلك مصادر تاريخيّة تُضاف إلى مصادر أخرى لتوثيق العديد من الجوانب التاريخيّة، والنواحي الغامضة في اغتيال “سعاده”، ومن بعده اغتيال حزبه حيث اعتبر الكاتب “أن خطة القضاء على سعاده قد لحظت كيفية السيطرة على حزبه والقضاء على قضيته بعد القضاء عليه” (ص.32 و 33).

وقد أكد أنّه أراد أن يظهر حقيقة استشهاد “سعاده” والكوارث التي حلّت بحزبه مهما كانت صادمة لكونها “قيمة إنسانية مجتمعية تكتسب قيمتها بمعرفتها” ص. 34، ويجب إعلانها لأن “تلاميذ سعاده ومريديه لا يخشون الحقيقة أبداً، بل يطلبونها” ص.34.

 

فصول الكتاب

 

اشتمل الكتاب على خمسة فصول تمّ إخراجها بتسلسل تاريخي، علمي، منطقي ومنهجي، تليها الملاحق التي تنتهي بفهرس لأسماء الأفراد والأعلام، الذي فرّعه الباحث إلى أسماء محدّدة، أعقبها بلائحة المراجع المتضمّنة عناوين الكتب، وأسماء المؤلفين ودور النشر.

 

الفصل الأول

يتضمّن الفصل الأول سبعة عشر عنواناً تغطي “البدايات الصعبة من التأسيس الأول إلى السجن الطويل” من 1932 إلى 1938. وقد أكد الباحث “الغاوي” من خلالها قناعته الشخصية بأن تعاليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية التي أتى بها الزعيم “انطون سعاده” هي التي أدّت إلى استشهاده، وإلى الكوارث التي أصابته، وأصابت حزبه من بعده، وقد استشهد بصحة قناعته بعبارة للزعيم يقول فيها:

“إن النهضة القومية الاجتماعية جاءت تحرق وتنير، تحرق من أتى بها وتحرق مَن يقف في طريقها، وإنما تضيء لأمة ظنّها أعداؤها قد انقرضت”.

كما يُبرز أهم نقاط الضعف من وجهة نظره في “أعضاء الحزب واستعداداتهم ومستوى مؤهلاتهم الروحية والمناقبية ودرجة استجاباتهم لما يطلبه الحزب” ص.37. وأشار إلى أن المدة “المتقطعة والمضطربة” ص.39. التي قضاها الزعيم مع هؤلاء الرفقاء الأوائل، وأسباب عدم استكماله بناء الحزب التنظيمية ونفسية أعضائه، وقد استعان بالتواريخ، وجدول بالأحداث المؤلمة تلك الفترات مقدماً معلومات مهمة، وجديدة للباحثين في تلك الأسباب.

ثم نشر جزءاً  مكثفاً من “الخطاب المنهاجي الأول” مستعرضاَ أهم ما خطه الزعيم عن تلك الفترات الصعبة التي واجهت الزعيم والحزب، تلاها سرد بعض البطولات التي ساهمت في التحرر “من السيادة الأجنبية والعوامل الخارجية” ص. 43 .

ثم تحدّث الكاتب عن عبء وجود المنافقين والخونة داخل صفوف الحزب أمثال “عزيز الهاشم” و”محمد باشا المناصفي”، وخارجه كأمثال “رئيس الجامعة الأميركية في بيروت بيار دودج الذي وشى للسلطات الفرنسية المنتدبة عن وجود الحزب” ص.48.

وقد كشف الكاتب ظروف السجن الأول “وانهيار بعض الرفقاء المسجونين، وكيف استطاع الزعيم أن يُعيد لهم تماسكهم وإيمانهم، وتحدّث عن الموقف الجبار الذي وقفه الزعيم أمام هيئة المحكمة الفرنسية حيث قال للقاضي: “أرفض التكلم بلغة غير لغة بلادي القومية”… وردّه على التهم الموجّهة له “بخرق وحدة وسيادة الدولة”، وقوله الشهير: “إن خرق سيادة بلادنا قد تمّ فعلاً في سيفر ولوزان وسان ريمو”. ص. 49.

وذكر أن الزعيم أنجز “كتابه العلمي الفريد الفائق الأهمية “نشوء الأمم” وهو سجين”. ص. 49. وأخبرنا عن فترة السجن الثاني التي تعرّض فيها الزعيم لمحاولة تسمّم، وبالرغم من مآسي أيام سجنه أستطاع أن يقوم بشرح مبادئ الحزب وإيضاح قضيته، وأنه كان “من سجنه يخطّط وينظم ويوزع الأعمال ويقود الصراع”. ص.52.

وعرّج على معاناة الزعيم مع معاونيه، مستعرضاً أهم الإخفاقات التي وقعت فيها القيادة أثناء وجوده وخروجه من السجن، والتي تركزت في فشل تنظيم استقبالات شعبيّة له، وهو ما ينعكس سلباً على قدرات المعاونين من حيث الاستعداد لمواجهة سلطات الانتداب الفرنسية، ولمواكبة الأحداث القومية الكبرى علماً بأنه كان يردّد دائماً أمامهم:

“إذا كنتم ضعفاء وقيتكم بصدري، وإذا كنتم جبناء أقصيتكم عني، وإذا كنتم أقوياء سرتُ بكم إلى النصر”. ص.54.

بعد ذلك، تطرّق الكاتب إلى الفتنة الطائفية التي أشعل نيرانها حزبا الكتائب اللبنانية المارونية، وحزب النجادة المسلم والكشاف المسلم، وقد جند القوميين لإلقاء الخطب في مناطق محسوبة دينياً على هؤلاء الطائفيين من أجل دعوتهم إلى: “الاتحاد القومي ونبذ العصبيات الطائفية المتسترة بالدين”. ص.56.

إضافة إلى مشاكل أخرى كتزايد نفوذ سلطات الانتداب الفرنسية عبر جواسيسها الذين التزموا بالحزب من أجل تحقيق مكاسب سياسيّة وشخصية في المجتمع، ودعوة الزعيم للقوميين المخلصين والمنزهين إلى مواجهة هؤلاء الفاسدين بالقضاء عليهم بعبارته المشهورة:

“اقضوا على الخيانة أينما وجدتموها”. ص. 57. كما أكد في خطاب أول آذار لسنة 1938، “إن تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القومية الجديدة ابتدأت مع ابتداء الحزب ، ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية”. ص.58.

ثم تحدّث الكاتب عن جولات الزعيم الحزبية إلى  الساحل الشمالي من طرابلس مروراً بتل كلخ وطرطوس وصافيتا حتى حدود لواء الاسكندرون التي تكللت بالنجاح الشعبي الباهر، وتحقيق الالتفاف الكبير حول مبادئ “سعاده”، بالرغم من الممارسات الوحشية التي انتهجتها سلطات الانتداب الفرنسي بحق الزعيم وأعضاء حزبه، وعن محاولات الاعتقال التي تعرّض لها في بيروت وعمان وقبرص.

وتُظهر مضامين الفصل الأول صورة مغايرة للرفقاء الأوائل الذين رافقوا “سعاده” بخلاف الصورة القدسيّة التي رسمتها لهم وسائل الإعلام الحزبية والتي تحيطها بهالة قدسيّة كبرى.

 

الفصل الثاني

يتضمن الفصل الثاني تسعة وثلاثين عنواناً تغطي الفترة الممتدة من عام 1938 إلى 1947، حيث السجون والتشرّد في الوطن، وفي الأرجنتين. ابتداءً من وصول الزعيم إلى ايطاليا مروراً بألمانيا، إذ يخبرنا الكاتب عن عدم وجود إثباتات رسمية من أن الزعيم قابل المسؤولين الرسميين الكبار في الدولتين، إنما أكد لنا من خلال مقالات الزعيم، وبعض المذكرات للرفقاء الأوائل أنه هاجم بشدة “خطر الحلف الألماني ـ الإيطالي على سورية”. ص.67. وصولاً إلى البرازيل وسجنه هناك بتهمة التعامل مع الفاشيين والنازيين، إضافة إلى معاناته في الأرجنتين مع أبناء الجالية السورية المنصرفين إلى تحصيل الماديات التي تحيي أجسادهم من دون نفوسهم، وذكر الكثير من المخاطر الداخلية الحزبية التي حدقت بالزعيم كسرقة أموال الجريدة، وأوراقه الخاصة من قبل العضو “الجاسوس جميل الصفدي”. ص.78.، وغيره من الجواسيس الذين كانوا يخالفون قرارات الزعيم، وينشرون “مقالات وكتباً مترجمة مأجورة من الإذاعة الألمانية”. ص.81، والتي فضحت حقيقة هؤلاء الجواسيس للقوميين وللرأي العام.

ثم عرضَ الأعباء والمعاكسات التي استنزفت قوى الزعيم، ولعل أبرزها اضطراره إلى العمل لتأمين معيشته بعد أن وصل به الأمر إلى حافة الجوع، كما طرح الكاتب الأخطاء التي ارتكبها بعض الرفقاء الذين شاركوا الزعيم بتجارته، معدّداً الخسائر المالية التي مُني بها، وكان أهمّها “مهاجمته والاشتباك معه جسدياً”. ص.86.، وفقدان الشعور القومي لدى مجموعات كبيرة من أبناء الجالية السورية في الأرجنتين، خاصة القوميين منهم، جعلته يتحمّل وزوجته بظروف صحية صعبة تأمين حاجات المعيشة العائلية، واستكمل الكاتب عرض إخفاقات المعاونين في إقامة علاقات دبلوماسية مع دول حيادية مثل إسبانيا، وفشل تنظيم إقامة علاقات سياسية متوازنة مع بريطانيا، على أساس: “إن الحركة السورية القومية هي حركة مستقلة”. ص.91.

كما أشار الكاتب إلى الدراسات الخالدة التي أنجزها الزعيم، ونشرها في المجلات القومية، وقد خص بالذكر دراسته “جنون الخلود” التي ردّ على تحريض الشاعر “القروي”، والتي تمّ إخراجها بكتاب “الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية”، كذلك، رائعته “الصراع الفكري في الأدب السوري”، بالإضافة إلى مقالاته ورسائله التي أعتبرها الكاتب” تحفاً ثقافية وغذاء وزاداً للفكر والروح”. ص.94.

كما تناول المؤلف “الغاوي” في القسم الثاني من الفصل الثاني من الكتاب أوضاع الوطن والحزب قبيل عودته النهائية إلى أرض الوطن، مذكّراً بسلسلة الاعتقالات والسجون التي تعرّض لها القوميون من قبل سلطات الانتدابين الفرنسي والانكليزي بسبب موقفهم المحايد، وتعاطفهم مع دول المحور في الحرب العالمية الثانية، ثم عاد وتحدّث مطولاً عن تورط بعض القياديين مع تلك القوى مستشهداً بمذكّرات بعض قادة الحزب في تلك الفترة، وتناقضها من حيث المعلومات الواردة فيها والصراعات السياسية بينهم، وانحرافاتهم العقائدية “عن سياسة الحزب وتوجيهات الزعيم”. ص.100. طلباً لسلامتهم الشخصية، واجتناباً للسجون، كي يشتركوا بنعم الحكم، ومنهم من عمل كموظف مع الجيش الانكليزي، وتساهل القيادة في المبادئ الأساسية والعقيدة من أجل الاشتراك في السلطة اللبنانية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا التورط مع الجهات الأجنبية قد جاء متأخرًا بعض الشيء، خاصة بعد أن أعلنت الحكومتان البريطانية، والفرنسية السماح بالاطلاع على الوثائق الخاصة بالزعيم “أنطون سعاده” وحزبه أوائل عام 1985، بعد مرور ثلاث وخمسين سنة عليها، الأمر الذي دفع الكثير من الباحثين القوميين السوريين، وغيرهم من المؤرخين، إلى زيارة دور الوثائق البريطانية، والفرنسية للحصول على حاجتهم فيما غاب عنهم منها طيلة نصف قرن، من خفايا وخبايا الواقع السياسي المفجع الذي نزل بـ “سعاده” وحزبه، وقد ذهب الكثير منهم في ترجمة هذه الوثائق، وبناء نصوصهم التأريخية على أصولها.

ثم انتقل إلى الحديث عن مظاهر الانحراف العقائدي والسياسي والتفكك في أعضاء المجلس الأعلى في الوطن، وسرد عدداً من الأخطاء القاتلة كمؤامرة إلقاء القبض على الزعيم عند عودته إلى الوطن ثم إعادته إلى منفاه، وإهمالهم التقيّد بالضوابط العقائديّة، السياسية والنظامية، وعرج على ظاهرة تراجع ثقة القوميين بالقيادة فضلاً عن تزايد مراسلة الزعيم للقوميين في الوطن والمغتربات ومداراته الفكرية والنظامية لمعظم القادة المنحرفين من أجل وحدة الحزب، والحرص على نظامه، وقد أجبرته هذه الظواهر المرَضِية على البحث عن صيغ لحل هذه المشاكل، محاولة إعادة الانضباط الصارم للقيادة والقوميين. بعد ذلك قارن الباحث بدقة مضامين الرسائل المتبادلة بين الزعيم وبين المجلس الأعلى في الوطن، وبين بعض الرفقاء في الوطن والمغتربات التي تناولت العوائق والمطبّات والعراقيل من درب عودته على الوطن.

وفي ختام الفصل الثاني عالج الكاتب أسباب إخفاقات الزعيم في الحصول على جواز السفر، وحجم استعداداته للاتصال بالدوائر المختصة للحصول على الجواز والعودة إلى الوطن للمشاركة في نهوض الأمة وإعادة بناء الحزب على قواعده الأساسية محذراً القوميين من “اختلاط السياسة والدبلوماسية واغراضهما” (ص.125)  بالعقيدة والإيمان وعناصر حيوية أعضاء الحزب الأساسية.

 

يتبع غداً جزء ثانٍ

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.