مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

درس حضاريّ

141

زياد كاج*

 

بعض المواقف والحوادث التي نختبرها خلال حياتنا اليومية تترك أثرها عميقاً في وجداننا وذاكرتنا. تستوقفنا فنتأملها ونتعظ. بعضها يأتي بمثابة “فشّة خلق” أو حادثة يكون لها الأثر التطهيريّ على المستوى الداخلي نشعر بعده بالراحة والتصالح مع الذات. تماماً كما يحصل في الأفلام الغربيّة المصنّفة تحت عنوان “الحركة والعنف”، حيث يُترك العنان للممثل – المجرم بارتكاب سلسلة من الأعمال الإجرامية من سرقة وعنف وقتل، مما يضع الجمهور في حالة من الكره الشديد له. والمخرج الذكي — أو المتذاكي — يُنهي عادة فيلمه بقتل المجرم بطريقة بطيئة تجعل الجمهور يتلذّذ بمشاهدته يتعذّب قبل أن يلقى حتفه.

هنا يرتاح المشاهد ويشعر أن العالم لا يزال بألف خير.

حدث أنني اختبرت هذا النوع بالإحساس “بالتطهّر الداخلي” خلال كزدورة مشي قرب مكان عملي في الجامعة الأميركيّة في بيروت أثناء فرصة الغداء. الجاني لم يكن مجرماً بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا البطل – أو البطلة — كانت ممثلة؛ ولم يوجد كاميرات ولا طاقم تصوير. كان القدر هو المخرج. الجريمة كانت اجتماعيّة – أخلاقيّة. جرت المحاكمة بسرعة فائقة. نُطق بالحكم، فقضي على الجاني “بعبارة” من قاضي الأمور المستعجلة بحد سيف الحق القاطع.

أسميتها: “محاكمة الشارع”.

كعادتي في ذلك اليوم خرجت مشياً خارج أسوار الجامعة، متنقلاً في شوارع المنطقة المحيطة دون خطة مسبقة. من شارع المكحول قصدت شارع عبد العزيز، ثم انحرفت يساراً باتجاه “كلية اللاهوت”. كانت زحمة السير خانقة والطقس حاراً. أحبّ تأمل حركة الشارع والمارة وقراءة وجوه الناس — تعرفهم ولا تعرفهم. لا هم، يكفي أن تعرف رأس بيروت. كان هذا طقسي اليومي للهروب من روتين الوظيفة وكسر نوع من العزلة المفروضة ذاتياً وعن سابق إصرار وتصميم. ففي الشوارع ووسط الناس نوع من الإلفة والشعور بالمشاركة – وإن كانت وهميّة. حتى أنني أحياناً كنت أضحك في سري لرؤية وجوه السائقين وهم في حال عصبيّة بسبب الضجيج والزحمة الخانقة. “الحمد الله” أقول، “أنا أمشي على قدمي على الأقل ولست عالقاً مثلهم”.

يلفتني عدد السيارات عندنا وتفاوت نوعياتها وموديلاتها. ففي شوارعنا سيارات من كل البلدان الصناعية: ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، فرنسا، سويسرا، المملكة المتحدة.. والحبل على الجرار. حتى أننا — بوعي أو من دونه — نصنّف الناس، حسب موديل السيارة التي يقتنونها: هل هي من الشركة أم مستوردة من معرض؟ هل هي “كيا” أم “مرسيدس”؟ طبعاً هذا بسبب ثقافتنا السائدة التي تعطي أهمية خاصة للمظاهر. يبلغ الأمر ذروته في الأعراس: فصاحب السيارة “المهرهرة” يركن بعيداً؛ أما أصحاب السيارات الحديثة خاصة الضخمة والرباعية الدفع، فيصولون ويجولون حول دور العبادة أو المطعم قبل ركنها في أقرب مكان.

كما أننا اعتدنا على كثرة السيارات في الشوارع، رغم أن المشهد سيبدو نافراً؛ بل غير طبيعي لأي أجنبي قادم من خارج البلد.

المهم.

تابعت سيري ببطء عكس السير. لفتتني سيارة “رانج” ضخمة سوداء اللون. كأنها قد خرجت اليوم من الشركة؛ زجاجها “مفّيم” (بمعنى أنه داكن اللون، يراك مَن في داخلها، ولا تستطيع رؤيته). من لوحة السيارة وأرقامها الأربعة، أدركت أن صاحبها من “علية القوم”. بدا شكل هذه السيارة لافتاً — بل نافراً — مقارنة بالسيارات الأخرى. بسبب توقف السير، اقتربت أكثر منها، فلاحظت ارتفاعها اللافت لضخامة دواليبها. نحن عادة نهاب أصحاب سيارات كهذه. فهم عادة من الناس “الواصلين” والمدعومين من “يلي فوق”.

فجأة فُتح الزجاج الأمامي لجهتي، ورُميت منه كمية من أوراق “الكلينكس” وكيس أبيض فيه بقايا طعام. استقرت النفايات على الأرض. كان في الداخل خلف المقود رجل خمسينيّ بكامل هندامه الرسمي يدخن سيجاراً ضخماً، والى جانبه جلس ابنه. استمر الأب المصون يدخن ويحدق في الشارع أمامه وكأن شيئاً لم يحصل. سيارته من الداخل – كما يُقال في بلاد النيل — “زي الفل”، ورائحة العطر تعبق فيها.

كدت أصطدم بسيدة ظهرت فجأة أمامي. “عفواً مدام”، قلت. لم تنظر إليّ؛ بدت بحالة عصبية شديدة. سيدة بكامل أناقتها، لا تبدو أنها من حديثات النعمة. خمسينية، مثقفة، وتنتمي للمنطقة. لكن ما أقدمت عليه السيدة أمامي قد فاجأني فعلاَ.

انحنت والتقطت النفايات التي رماها الولد منذ لحظات ووجهت كلامها بنبرة صارمة للأب المتعجرف: “شكراً يا محترم.. أنا لميتهم وأنا لح نظف وسخكم”. رمت الفضلات في سلة وضعها أحد أصحاب المحال امام دكانه، وتابعت سيرها. ولم تلتفت الى الوراء.

وقفت أتأملها كأنني في مشهد من فيلم. نظرت الى الرجل الذي تغيّر لون وجهه وتعابيره؛ لكنه لم يحرك ساكناً. أظنه تلقن درساً وبحضور وعلى مرأى أبنه في الأخلاق المدنية والاجتماعية لن ينساه. درساً يستحيل أن يتعلمه ابنه في كتاب التربية الوطنية (مرحبا وطنية!).

تابعت سيري وفي داخلي شعور بالفرح والراحة. “يا لها من سيّدة شجاعة ومقدامة وترفع الرأس”. لازمني المشهد طوال طريق العودة الى المكتب؛ لا بدّ أن صاحب “الرانج” الضخم قد “كش” وتقلّص أمام إرادة تلك السيدة الحديديّة. فأنا وأمثالي نضع كيس نايلون في السيارة للفضلات ونصرخ بأولادنا إن هم رموا شيئاً الى الشارع.

أخبرت الزملاء والزميلات في المكتب عند عودتي. البعض أثنى على موقف السيدة والبعض لم يبالِ تحت شعار تبريري أن البلد مبنيّ على الغلط وأن أموراً أكثر خطورة تحصل كل يوم فيه ولا أحد يبالي. بمعنى ” أننا في مزرعة سايبة.. والأمور لن تقف عند وريقات رميت على زفت الطريق”. وجدت في وجهات التظر السلبية بعضاً من المنطق: ففي بلد يبقى القاتل من دون محاسبة، وتاجر المخدرات يظهر في الإعلام في مؤتمر صحافي، وطبيب يتسبب ببتر الأطراف الأربعة لطفلة بريئة من دون محاسبة، والمئات من المساجين خلف القضبان من دون محاكمة منذ سنوات، عدا عن ملف الفساد الموجود في البلد كسجادة عجمية منذ العام 1920! والكل يعلم أن الفساد قائم ومستمرّ بقيامة واستمرار النظام الطائفي.

نحن في هذا البلد نعاني من خواء أخلاقي لافت، رغم ارتفاع عدد الملتزمين دينياً على اختلاف عقائدهم. الفردية والأنانية سوسة ناخرة جذور شجرة إنساننا. كل ما هو ملك شخصي (سواء منزل أو سيارة أو قطعة أرض) يُعتبر مقدساً وممنوع المساس به أو تخريبه. وكل ما هو عام (سواء كان شارعاً أو ساحة أو حديقة عامة أو حتى أرض مشاع…) فهو مستباح ولا حرمة له. إن الجماعات التي تأخذ بالمظاهر لكسب القبول والاعتراف الاجتماعي لهي جماعات مصيرها الفشل والزوال. طُرحت مؤخراً مسألة عمل اللبنانيات في المنازل.. فقامت القيامة! طبعاً، البعض من الرجال والنساء يفضلن مهن كسيبة أكثر!

“محاكمة الشارع” التي شهدتها في ذلك اليوم شفت غليلي ولو أنها حسب قول الزملاء “ما بتحرز”. بل تحرز المبادرة. لماذا نحن هكذا فاقدون المبادرة. ننتقد وننق ونلعن.. ولا نبادر، لا نفعل شيئاً؛ فقط نكتفي بالمشاهدة والإدانة كجمهور يتابع مباراة لكرة القدم من مسافة بعيدة. الصراخ وحده لا يكفي.

يقولون “لنا شارعنا” و”لكم شارعكم”.. نعم  “لمحاكمة الشارع”.

 

————————

*روائي لبناني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0