Ultimate magazine theme for WordPress.

لبيّك يا سيّد

19

نصري الصايغ 

 

هو “السيد”.

لم نعرف مثله أحداً. لا يشبه أحداً قبله.

وجوده ممتلئ وحقيقي. متأصل في تربة القضية. منها تولد المعاني.

مفرط في ايمانه، موغل في العبارة وأداء القول.

سليل الآيات ومسرى النبوَّة.

له سحر التواضع في إنجاز المستحيل وريادة الصعب. ثلاثة انتصارات في سنوات؟ لم يحمل تاريخ العرب الحديث مثل هذه المعجزات: واحد في الالفين، وأخير في الجرود العاصية، وبينهما، صد عدوان تموز الدولي على المقاومة ولبنان.

لا. لم نعرف مثله أحد. لا يشبه احداً قبله.

هو المنقذ من الانكسارات والخسائر. يراهن ويربح. يقول للمستقبل تعال، فيطيعه، كأنه رهن اشارة من اصبعه. أنقذنا مراراً من إدمان الهزائم. لقد نكبتنا القيادات المزوّرة بالخسائر. هزيمة تليها كارثة. أورثنا هؤلاء قرناً عربياً من العار. سلّمونا إلى مصير الزوال. تركوا لنا أمة محطمة: فلسطين سليبة، بلاد تتمزّق، شعوب تفتك بذاتها، سلطات مخيفة لشعوبها، يرتاح لها الأعداء.

لا. ليس كمثله أحد. هو “السيد” ولا يشبه احداً قبله. مع انه بشري مثلنا ومنا وأقرب الينا من أرواحنا.

فلماذا هو كذلك؟

أول الايمان انتماء وتجسيد. يصنع للآية جسداً.

هناك وقت للصلاة ومواعيد. وهناك أوقات للعقل بلا كلل. يبث في من حوله سحر الولاء وفضل العطاء. قلة في صراطه. ما لا يقوله أبلغ مما ينطق به. الأفعال مصداق للأقوال.

فليس “كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات”، على ما جاء في الإنجيل. هو صاحب الوزنات التي تزن بلاداً وشعباً وأمة، وما فرّط بذرة من تراب وما بخل بعرق أو دم… إيمانه فعل. صلاته إنجاز، صمته تصميم، إطلالته عيد:

لم آتكم بالمعجزات بل بما هو أبدع. آتيكم بما صنعت أياديكم”. ما أبلغ الآية عندما تسير على قدميها برفقة المناضلين.

أول الافعال، صنع الانتصار، يوماً بعد يوم استعداداً للإنجاز. حزبه “الإلهي” من بشر مثلنا. بشر من طينة التضحية. يؤلفون صفوفاً مرصوصة تتقدّم بصلابة، تتقن فن الكرّ والفرّ بفرح الشهادة. يطيعون بلا أوامر. يسخون عطاءً بلا منَّة. يرتقون إلى مرتبة الاستشهاد بفرح الأعراس.

…يُقال: “مَن مثلهم؟”. يصعب الجواب.

“السيد” حزب واحد بأعداد غفيرة، تؤمه طوعاً واختياراً وشوقاً. شيء من الجاذب الطبيعي، أن يكون الحزبي طوع إيمانه وتصديقه، بأن “السيد” على وعد وأنه صادق… هؤلاء فتية يصنعون ما يدهش العالم. كل ما عدا ذلك، عندنا، لا يدهش أحداً. هؤلاء حمم نص “السيد”. يتقن التبليغ باسمهم، فيؤمن به كثيرون وتنكره قلة من المكابرين والمستكبرين.

هو فلسطيني أولاً، وهو لبناني أولاً، وهو عربي أولاً، وهو مؤمن أولاً، يجمع ما لا يجمع ولا يُجمع عليه أهل فتنة. يقاوم، ويريدونه خاسراً. مهما أتاهم من برهنة وفعل، ينكرونه. هم كذلك. يؤذيهم حضوره. يكثرون عليه وجوده أعداء الداخل أصعب من أعداء الخارج.

لمقاومته سحر التقليد، ويعصى على الكثيرين .

عرفنا جمهوريات عاتية، وكان أقوى منها.

عرفنا ملكيات صارمة، وكان ندّاً لها. عرفنا أنظمة شتى، وكان على موعد ضدها. لا حدود لفعله وتأثيره. ضيقة حدود البلاد عليه. قضاياه على امتداد بصره اللبناني، الفلسطيني، العربي، العالمي. حيث يكون الظلم يكون. من حقهم أن يخشوه كثيراً. أن يعلنوا الحروب عليه. حرب واحدة لا تسد شبقهم للثأر. من حظنا أنهم فشلوا. هذا رجل على إيمان بما يشبه المعجزات: “يقول لهذا الجبل انتقل من هنا…فيطيعه”. وإلا، كيف نفسّر هزائمهم وكيف نسرح الانتصارات؟

يسبقه الأمل قبل إطلالاته. إنهم يصدقونه. الذين يرفضونه غير مقتنعين. يقولون ثم يختفي كلامهم في غبار اللغة. الذين ضده، ليسوا من صنفه. عاديون جداً. إنهم نسخ متبدّلة. غدهم ليس كأمسهم ولا كيومهم. يتلونون فقط، ويجيدون تمثيل الأدوار سيئة السمعة.. أعداؤه، يصدقونه جداً. عرفوه في امتحانات المصير ومواجهات النزال. منذ العام 1993 ومقاومته تنجز، تمتحن، تفوز. أعداؤه يلوذون بالتفسير. لا يقنعون الا أمثالهم.

ويقال بلا خجل: ليست المقاومة في لبنان لبنانية. صح. ما هو لبناني سائد، ليس ذا سمعة حسنة.

الفساد لبناني. الانقسام لبناني. الحكومة لبنانية (أنعم وأكرم). البرلمان لبناني. المؤسسات لبنانية. تعيش على الرشوة والاستتباع والزبائنية… لبنانية لبنان اليوم، رثة جداً… لبنانية الحلم والإنجاز والحرية والإنسان، تشبه المقاومة التي أبرمت وثيقة الدم مع قائدها، أن لا تطمع بمكسب، غير الانتصار. لبنان الجديد، هو لبنان الوطن، لا لبنان المزرعة المهينة. اللبنانيون يستحقون مكاناً ومكانة تحت الشمس. لبنانية لبنان الوطن، هي التي تشبه اللبنانيين الذين يقفون على الضفة النقيض لأهل السلطة وأتباعهم. هؤلاء، لبنانيون صُرحاء، أنقياء القلوب، ويصبون إلى لبنان الحياة الكريمة، إلى الوطن العزيز، إلى الكيان القوي، إلى الحكم العادل، إلى المساواة في الحقوق والواجبات.

…أكثرية اللبنانيين. تريد لبنان هذا. ويقفون مع المقاومة. حرام أن يستقبل كإنجاز للمقاومة بتبخيس رجالاتها وقضاياهم. من هم أعداء المقاومة في لبنان، هم اعداء لبنان الغد الجميل. غد الحرية والعدالة والديمقراطية والتحرير.

…ويُقال، بجدية متهافتة تدعو إلى السخرية. “السيد” اخذ لبنان أسيراً. صادر قرار السلطة، انتقص من السيادة، اغتصب قرار السلم والحرب.

وبكل أسف: هناك مَن يُصدّق ذلك، وهو كاذب في الأصل.

من صاحب عقل سليم ويفهم كيف يوضع مصير الأمرة بيد هؤلاء الذين يصدقون مرة كل دهر. افي مثل هذه الحكومات المتعاقبة من زمان، ثقة بشيء؟ ثقة في تدبر أمر النفايات وساعات الكهرباء وحفظ الأملاك البحرية؟ افي مثل مَن حكموا وتحكّموا يوضع مصير وطن وقضية.. لنضحك قليلاً بمرارة كثيرة. هؤلاء لا يؤتمنون على تعيين حاجب. لمثل هؤلاء تُفتح السجون ويُحاكمون، كي يستعيد البلد ما أخذ منه عنوة وتلفيقاً ولصوصية. هؤلاء، حكام يأخذون.

المقاومة تعطي ولا تأخذ.

شتان ما بين نقيضين.

من حظ المؤمنين بقضية الحرية والعدالة والانسان، بالوطن وسلامته، بالأمة ومصيرها، بالعالم وانسانيته، انهم عاشوا في حقبة شهدوا فيها سقوط السياسات الرخيصة، وشاهدوا بأم العين وملء الحواس وكفاية العقل إنجاز المقاومة التي تنتمي إلى السياسات النظيفة.

…ويسبقنا الأمل إليه.

…ويسبقنا الخوف عليه.

…ونطمئن إلى مسيرة أمامها مسافات كثيرة لتقطعها.

المستقبل لمن حقق تكافؤ التحرير مع التغيير والتغيير يأتيه من شعبه لا من زعمائه. من نخبة لا من الأتباع. لبنان الجديد، هو لبنان المقاوم، ولبنان الديموقراطي المدني، الذي يعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

واليوم، وبعد انتصار الجرود على التكفيريين،

أقول، أن خُيرتُ بين الانتماء إلى اللبنانية الهزيلة المنهكة والمعيبة وبين الانتماء إلى المقاومة، أقول:

لبيّك يا سيّد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.