مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

مع كبار وصغار الآلهة في لبنان

د. جورج حجار*

في صيف عام 1962 بعد مضي أكثر من شهر على وجودي في مدينة نيويورك وفي جامعة Fordham لدراسة الفلسفة توخياً الحكمة، سألني أحد الزملاء في الدراسة ما هو انطباعي الأولي عن أميركا ومجتمعها؟ أجبت بتلقائية تامة: “مجتمع منفتح وعقول مقفلة open society, closed minds”. ابتسم بسخرية صار في طريقه!
وكنت قد توصلت إلى هذا الاستنتاج لإدراكي لنوعية التربية والأيديولوجية السائدة وامتثالية الطلبة في الجامعة عشية أزمة الصواريخ مع كوبا والصراع الجيوسياسي مع الاتحاد السوفياتي على أميركا اللاتينية والعالم.
تذكرت تلك الحادثة وأنا مستلقياً في أرجوحتي متأرجحاً بين التأمل والتفكير في الأسبوع المنصرم الذي اخترت تسميته: The Psychedelic
1. الكورونا واجتياحاتها وتداعياتها
2. والهلع والخوف اللذان انتشرا في العالم قاطبة
3. عنتريات وسياسة ترامب وموكليه في العالم وخاصة في ربوعنا
في الخليفات:
تجاوزت مآثر كورونا كونياً المليون إصابة ووفاة 56 ألف إنسان. وفي لبنان وصل عدد الإصابات إلى 508 والوفاة إلى 17.
خلال الأسبوع وصلت شعبية بايدن المرشح الديموقراطي لانتخابات 3 تشرين الثاني الرئاسية 2020 إلى 46% بينما انحدرت شعبية ترامب إلى أقل من 40%. لذلك استغر غضب ترامب وانبرى لاتهام مادورو الفنزويلي بالاتجار بالمخدرات استلهاماً بطريقة بوش الابن الذي اتهم موظفه الجنرال Colin Powell في مجلس الأمن الدولي (05/02/2003) وصدام حسين بشراء اليورانيوم من النيجر لصنع القنبلة النووية وذلك تغليفاً لشرعنة مشروعه لتدمير العراق واغتصاب أرضها وشعبها. ولا ننسى، أمر ترامب بنشر الـPatriot في قاعدة عين الأسد في محافظة الانبار في العراق المنتفض. واستكمل سياحته الجيوسياسية في إيران بتهديد شعبها وتوسيع دائرة العقوبات عليها، وكل ما صدر على لسان ظريف: “نحن لا نتحرك إلا دفاعاً عن النفس”.
وفي لبنان الانعكاس والصدى لأميركا ومآلاتها حيث يعيش شعب الثاو الثاو الثاو، انتفض رئيس الوزراء حسان دياب (2/4/2020) “انقاذاً لضميره من التخشب وسحب التعيينات” من التداول إلى أجل غير محدد. واعتبرت المعارضة السنجقية سليمان فرنجية بطلاً لمقاطعته الجلسة التي افضت إلى اسقاط مشروع التعيينات التي كان بموجبه سيحصل فرنجية على موظف واحد لا موظفين كما طلب لو أبرمت الاتفاقية.
لكن للحقيقة بعد قراءتي لأربعة صحف: الأخبار، النهار، الديار، اللواء. تحققت أن اتصالات السيدة السفيرة Dorothy Shea هي التي قوّضت مشروع التعيينات بسبب استبعاد مندوب الخزانة الأميركية – السيد بعاصيري – من نيابة رئاسة المصرف المركزي اللبناني، مع التحية إلى فرنجية!
وفي 3/4 أطل علينا أحد كبار الهة دلفي في لبنان، السيد سركيس نعوم محذراً ومبلغاً في عاموده المرموق رقم 12: “انه إذا ضرب الحزب أو رد على ضربة ستمسحه إسرائيل وستمسح معه لبنان” حسب محاوره المتخيل أو ربما الحقيقي والموضوعي. لم يتساءل العم سركيس ماذا سيحدث لو مسحت إسرائيل لبنان؟ ومضى في الطريق مبشراً بمواقف أميركا وتقديراتها وآرائها بالأنظمة العربية.
بعد قراءة الصحف أعلاه وجدت تشخيصاً جيداً لوضعنا في لبنان بقلم أنطوان الأسمر الذي جاء فيه: “ان حكومة حسان دياب عالقة بين موالاة لا توالي ومعارضة تتوق إلى السلطة” وذلك على خلفية السياسات التي وعدت بها الحريرية منذ ثلاثة عقود “بنعيم مالي اجتماعي قائم بذاته”، وعود انتهت “بواحد من أكبر عمليات الاحتيال Ponzi Scheme التي بددت شقاء عائلات وضيعت اجيلاً واعماراً وازماناً”.
في الخاتمة، أعود إلى الساحة اللبنانية حيث يحتدم صراع الآلهة الكبار والصغار على جبنة الـ55 مليار دولار، الناتج القومي الإجمالي للبنان، لكي أقول أن لبنان بذهنية السنجق المسيطرة، الداروانية الطابع، يعتبر أن لبنان مجتمع منفتح في تربيته على الذات الفردانية المفرطة، لكنه يفتقر إلى ايديولوجية وثقافة مساواتيّة جامعة وأخلاقية وطنية ساطعة تدرك أن هناك وطن يجب أن يفتدى ومجتمع ينبغي أن يستنير بالعلم والمعرفة لمواكبة العصر. وفي هذا، المجال ألجأ إلى معلمي أفلاطون (428-348 BC)، الذي علمني في كتابه: The Statesman “ان رجل الدولة حريص على أمن وقوت مواطنيه ومسؤول عن قيادة الجمهورية بالحكمة والمعرفة، أي أنه يشتهر بألم الفضيلة والعزم وتعزيزاً لعظمة ومجد موطنه”!!!

*مفكر اشتراكي وعروبي، الخاطرة الخامسة، القرعون 05/04/2020 .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.