مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

صفقة القرن” و”كورونا”… لِمَ كلّ هذا التنكيت؟

حرمون/تقارير*
منذ أكثر من ثلاثة شهور، وعندما سمعنا عن انتشار فايروس الكورونا في الصين، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعيّ بالنكات. هذه النكات أخذت وتيرتها بالتزايد كلّما اقترب الوباء من دولنا العربيّة ومنّا. لم يكن لنا وللعالم من الوقت الكافي لاستيعاب الحدث؛ فسرعة انتشار الوباء كانت مذهلة.

مع بدء انتشار الفايروس في الصين، كنّا في فلسطين منشغلين بـ “صفقة القرن”، بعد أن أُعْلِنَ عنها في البيت الأبيض، ومن بنودها ضمّ المثلّث إلى الضفّة الغربيّة، اقتراح ليس بجديد؛ فلقد سمعناه سابقًا على لسان الوزير ليبرمان. بهذه الطريقة تضمن إسرائيل التخلّص من 300,000 مواطن فلسطينيّ في الأراضي المحتلّة عام 1948، وهو ما يقلّل “الخطر الديموغرافيّ” الّذي نشكّله على إسرائيل! ترانسفير صامت – إن صحّ التعبير – بموافقة أمريكيّة، ودون أن نُحْشَرَ في حافلات تنقلنا إلى مخيّمات اللجوء، كما حدث عامَي 1948 و1967.

النكتة الشعبيّة تمثّل أحد التعابير الرمزيّة في المخزون الثقافيّ الجمعيّ، وهي من ركائز فهم المجتمعات والجماعات الإنسانيّة، لِما تحمله في طيّاتها من قيم اجتماعيّة متفاوتة

يومَ إعلان “صفقة القرن”، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعيّ بالمنشورات والبوسترات والتسجيلات والفيديوهات المضحكة والساخرة من الصفقة، ولعلّ ما تحمل في طيّاتها ظاهرة تستحقّ الوقوف عندها. لقد ضحكنا قليلًا على الصين، وأطلقنا نكات، لكن كنّا موبوئين بالعنصريّة الإسرائيليّة والتعالي الأمريكيّ اللّذَين تكلّلا بـ “صفقة القرن”؛ فوباء الكورونا كان بعيدًا عنّا، وعندما اقترب بسرعة منّا، ضربنا نكات “صفقة القرن” بعرض الحائط، ورحنا نوظّف طاقاتنا في اختراع نكات جديدة للوباء.

لكي نفهم سبب إطلاق النكات في الأوقات العصيبة، وسبب ضحكنا من أحداث تُخيفنا؛ يجب أن نفهم معنى النكتة.

 

ما النكتة؟

النكتة نوع من القصّة الشعبيّة، والقصّة الشعبيّة فرع من فروع التراث الشعبيّ، والنكتة – السياسيّة منها بشكل خاصّ – من أكثر أنواع التراث الشعبيّ استعمالًا وانتشارًا، وأسرعها استجابة للتغيّرات الطارئة على الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للمجتمع، لكنّها لم تحظَ بالاهتمام الكافي لكي تُدَرَّس مادّةً يمكن التعلّم منها كثيرًا عن سلوكيّات المجتمع، وثقافته، ونفسيّته.

وتُعَدّ النكتة تركيبة لغويّة معقّدة، ترتكز على العمليّة التنفّسيّة الترفيهيّة، تأتي غالبًا على شكل حكاية أو عبارة تسرد خبرًا قصيرًا دائمًا يثير الضحك، عن طريق التلميح وأسلوب المفارقة، وتترك المستمع يبحث عن المعنى المزدوج فيها، وهي بصفتها شكلًا تعبيريًّا شعبيًّا تلتقي مع الأشكال التعبيريّة الشعبيّة الأخرى، كما تحتوي على فنّيّات تُميّزها عنها.

وفق شريف كناعنة في كتابه “دراسات في الثقافة والتراث والهويّة” (2011)، فإنّ النكتة الشعبيّة تمثّل أحد التعابير الرمزيّة في المخزون الثقافيّ الجمعيّ، وهي من ركائز فهم المجتمعات والجماعات الإنسانيّة، لِما تحمله في طيّاتها من قيم اجتماعيّة متفاوتة؛ فمن جهة يمكن عَدُّها مرآة صادقة لما تحمله من قيم ومعتقدات وممارسات وتصرّفات، ومن جهة ثانية تكشف – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – عن الجوانب الخفيّة للمجتمع، سواء أَفي شكل مواقف كانت أم تطلّعات أم رغبات مكبوتة؛ وذلك لتوفير التلقائيّة والدلاليّة للتعابير والرموز الثقافيّة، وخاصّة لارتباطها بالواقع الاجتماعيّ والمعيش اليوميّ، وما تثيره من قيم اجتماعيّة وأخلاقيّة.

إنّ النكتة الشعبيّة لا تُنسَب إلى مؤلّف بعينه، فإنّها لهذا السبب تتّسم بالصراحة والصدق، والحرّيّة في التعبير عن مشكلات الحياة الاجتماعيّة الّتي يعيشها الإنسان، وفيها يطمح الإنسان الشعبيّ إلى مراقبة هذا الواقع وتوجيهه

ويرى كناعنة أنّ النكتة تبقى السبيل الوحيد الّذي يلجأ المجتمع إليه لتأديب مَنْ يستهين بتقاليده ويستخفّ بها، وكأنّ ثمّة صراعًا في سبيل استبقاء الحياة الاجتماعيّة كما هي دون تغيير؛ فالنكتة تجعلنا بذلك نرصد دورًا آخر بالنسبة إليها، إنّها النقد والسخرية من العادات البالية والتقاليد العتيقة والقيم الاجتماعيّة المعهودة، بل هي دعوة إلى مجتمع جديد عن طريق تفعيل القيمة الاجتماعيّة أو إلغائها؛ لذلك نجد من وظائفها التخفيف من واقع الحياة على الناس، بوصف الإنسان الشعبيّ لا يعيش منشغلًا بمشكلاته الخاصّة أو بمشكلات جماعيّة فحسب، بل إنّ أحداث الحياة الّتي تجري خارج بيئته المحدودة تشغله أيضًا إلى حدّ بعيد. وإذ إنّ النكتة الشعبيّة لا تُنسَب إلى مؤلّف بعينه، فإنّها لهذا السبب تتّسم بالصراحة والصدق، والحرّيّة في التعبير عن مشكلات الحياة الاجتماعيّة الّتي يعيشها الإنسان، وفيها يطمح الإنسان الشعبيّ إلى مراقبة هذا الواقع وتوجيهه، ومحاولة إيجاد حلّ لِما يُطرح من معضلات من محيطه الاجتماعيّ، متوسّلًا إلى ذلك بمختلف الوسائل، وقد يجد وسيلة أكثر جدوًى مثل السخرية والتندّر؛ فيُصوّر موقفه من القيمة الاجتماعيّة عن طريق التعبير، يعتمد فيه أسلوب المفارقة في تجسيد الصورة، تمثّلها النكتة الشعبيّة.

 

نعالج أنفسنا بالضحك

لقد تعامل علم النفس بجدّيّة كبيرة مع النكتة، وفرويد الأوّل الّذي بحث في سلوكيّاتها، وكتب مقالًا عام 1928 حولها، وما زالت مقولات فرويد في النكتة مرجعيّة لأغلب المختصّين في علم النفس. يرى فرويد أنّ للنكتة – كما للحلم – نوعين من المحتويات: المحتوى الظاهريّ، والمحتوى الباطنيّ. أمّا المحتوى الباطنيّ، الّذي قد لا يعرف عنه مُحدِّث النكتة أو مُستمعها عادة بشكل واعٍ؛ فإنّه يتكوّن من موادّ تهدف إلى إشباع إحدى غريزتين: العدوانيّة أو الجنس، أو الاثنتين معًا. وأمّا المحتوى الظاهريّ، أي النكتة كما نرويها أو كما نسمعها، فهو الغطاء الكلاميّ أو اللغويّ لهذه الأهداف. والنكتة الذكيّة تلك الّتي تتمكّن من التعبير عن الهدف اللاواعي أو الباطنيّ لها دون الإفصاح عنه صراحة، وبواسطة تعابير لغويّة بريئة تجعل اتّهام محدّثها أو سامعها بالنوايا العدوانيّة أو الجنسيّة صعبًا. أمّا النكتة البذيئة أو السخيفة، فهي تلك الّتي يطفو محتواها الباطنيّ قريبًا من السطح، وتنمّ كلماتها عن أهدافها.

من التفسيرات الأخرى للنكتة ما يعتمد على “مبدأ التناقض” أو “مبدأ عدم التناسق”، الّذي يعود جذوره إلى بداية الثلاثينات؛ إذ يرى الفيلسوف الفرنسيّ هنري برغسون، أنّ النكتة ناتجة عن صراع بين حالتين، أو مستويين متضاربين وغير متناسقين، ويظهر فيها المستوى المُسْتَضْعَف والمحكوم عادة، وهو يتحدّى المستوى الأقوى ويثور عليه.

يبدو أنّ نظريّات مكدوجل بداية القرن العشرين، وتركيزه على الغريزة والوراثة، هي ما حفّز الطبّ على أن يبحث في الموضوع؛ وحسب عدد من الأبحاث الطبّيّة، فالضحك يخفّف الضغوط النفسيّة ويبعث على التفاؤل، ويُسْتَخْدَم وسيلةً لعلاج الأمراض الجسديّة

عالم النفس البريطانيّ وليام مكدوجل، الّذي عارض “نظريّة السلوكيّات” لدى فرويد، وركّز على “نظريّة الغريزة”، أشار إلى أنّ الضحك ليس تعبيرًا عن السرور، بل هو مولّد للسرور؛ فنحن نضحك لأنّنا نشعر بالتعاسة، والضحك يجعلنا نشعر بأنّنا في حالة من الهروب من عناد الواقع، والاستمتاع بلذّة الحياة. والضحك في النكتة الشعبيّة يؤدّي دورًا رئيسيًّا في صميم حياتنا الاجتماعيّة والنفسيّة؛ إنّه يحاول أن يصرف الألم، ويحرّر الإنسان من قسوته، ويبعث في النفس الصفاء والتفاؤل.

يبدو أنّ نظريّات مكدوجل بداية القرن العشرين، وتركيزه على الغريزة والوراثة، هي ما حفّز الطبّ على أن يبحث في الموضوع؛ وحسب عدد من الأبحاث الطبّيّة، فالضحك يخفّف الضغوط النفسيّة ويبعث على التفاؤل، ويُسْتَخْدَم وسيلةً لعلاج الأمراض الجسديّة، بعد أن تأكّد دوره الفاعل في تجاوز العلل النفسيّة. لقد أسّس الدكتور ألبرت أليس مدرسته العلاجيّة في السبعينات من القرن الماضي، معتمدًا على العلاج بالضحك وسيلةً تساعد الإنسان على وضع المشاكل في إطارها الحقيقيّ؛ إذ تعتمد مدرسته على فكرة التحكّم في المشاعر، لأنّ الألم يأتي بسبب نظرتنا إلى الأحداث لا الأحداث نفسها. وقد تطوّرت طرق العلاج بالضحك، وأشهرها اليوم “يوغا الضحك”، ويُدَّعى أنّها لا تخفّف فقط من وطأة الحياة وضغوطها، بل تساعد على تخفيف الوزن.

 

المنتج الأساسيّ للنكتة… الحكومات وليس الشعوب!

اختلفت بواعث النكتة ودوافع إنتاجها في المجتمع، وتنوّعت تنوّعًا أثّر تأثيرًا كبيرًا في شكل ظهورها ونموّها واستمرارها، بل في أسلوب أدائها ومضمونها. وكان من هذه البواعث والدوافع ما هو نفسيّ، أو وراثيّ، أو جغرافيّ، أو سياسيّ، أو اجتماعيّ، أو اقتصاديّ، أو ثقافيّ. وقد تفاوتت درجة تأثيرها من ناكت إلى آخر، وتباينت نكاتهم كمًّا وكيفًا.

تقول بعض التفسيرات إنّ المنتِج الأساسيّ للنكتة ليس الشعوب بل الحكومات، ولا سيّما أجهزة الأمن والمخابرات فيها؛ فهي الّتي تؤسّس الأجهزة الخاصّة الّتي تنشط في إبداع النكات، بهدف امتصاص إحباط الناس، أو معرفة مدى تقبّلهم الاتّجاهات والأفكار الّتي تحتويها هذه النكات، أو بهدف قياس ميول الناس أو اتّجاهاتهم نحو سياسة حكوميّة معيّنة، أو نحو مسؤول معيّن تنوي حكومة ما التخلّص منه؛ ومن هنا تبرز الفكاهة إذا تمعّنّا في النكتة، وكأنّها في بعض الأحيان ناتجة من خبر كاذب وإشاعة مغرضة، محاولة بعث الإشاعة السياسيّة أو الاجتماعيّة.

تقول بعض التفسيرات إنّ المنتِج الأساسيّ للنكتة ليس الشعوب بل الحكومات، ولا سيّما أجهزة الأمن والمخابرات فيها؛ فهي الّتي تؤسّس الأجهزة الخاصّة الّتي تنشط في إبداع النكات، بهدف امتصاص إحباط الناس، أو معرفة مدى تقبّلهم الاتّجاهات والأفكار الّتي تحتويها هذه النكات

هذه النظريّة، “نظريّة المؤامرة”، لطالما سمعنا عنها في سنوات الثمانينات، مثلًا، عندما شاهدنا مسرحيّات مثل “كاسك يا وطن” و”غربة”، وغيرهما من الأعمال المهمّة للكاتب محمّد الماغوط، وبطولة دريد لحّام المعروف بلقبه “غوّار الطوشة”.

 

أدوات مقاومة

في حديث لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة مع بروفسور شريف كناعنة، ذو الـ 84 عامًا، وهو ابن عرّابة، مؤرّخ  ومتخصّص في الأنثروبولوجيا، وأحد أهمّ الباحثين العرب المعاصرين في الفولكلور، يقول إنّ النكتة السياسيّة الأكثر رواجًا في فلسطين، وهو يحدّد ثلاث موجات نكت مهمّة في المسيرة الفلسطينيّة:

1. موجة نكت الانتفاضة.

2. موجة نكت حرب الخليج.

3. موجة نكت “اتّفاقيّة أوسلو” أو “المسيرة السلميّة”.

ويرى كناعنة أنّ النكتة السياسيّة تنتشر مع حدث سياسيّ كبير، لكن لا يخلو من الأمل، والنكتة السياسيّة لا تحدث عند حالة اليأس والقنوط، والإحباط السياسيّ الكامل، والشعور بالعجز. إنّ النكتة السياسيّة جاءت في بعض الأحيان لتحلّ محلّ الصحافة عندما تعجز عن التحدّث بحرّيّة عمّا يحدث، وتُكمل دورها؛ إذن في مثل هذه الحالة يمكن تعريف النكتة بأنّها “أداة مقاومة”. وقد أنتجت الانتفاضة الأولى مئات النكات، نكات جيّدة؛ إذ كان لدينا أمل في أنّ الانتفاضة ستُحقّق الحرّيّة، لكن في الانتفاضة الثانية كانت النكت “سوداء”، نتيجةً لعدد الشهداء، ونتيجةً لتَحوُّل الانتفاضة إلى مسلّحة. ثمّ إنّ النكت في الانتفاضة الثانية تميّزت في أنّ الإسرائيليّ دائمًا يتغلّب على الفلسطينيّ، على نقيض نكت الانتفاضة الأولى الّتي كان فيها الإسرائيليّ الضعيف والخاسر.

النكتة السياسيّة تنتشر مع حدث سياسيّ كبير، لكن لا يخلو من الأمل، والنكتة السياسيّة لا تحدث عند حالة اليأس والقنوط، والإحباط السياسيّ الكامل، والشعور بالعجز. إنّ النكتة السياسيّة جاءت في بعض الأحيان لتحلّ محلّ الصحافة عندما تعجز عن التحدّث بحرّيّة عمّا يحدث، وتُكمل دورها

ولا شكّ في أنّ حرب الخليج أنتجت العديد من النكات، في البداية كانت نكات جيّدة لأنّنا أيقنّا أنّ صدّام حسين سينتصر لنا على إسرائيل، وبعد أن فهمنا أنّ الهزيمة لا محالة مُحقَّقة، تحوّلت النكات إلى نكات “سوداء”، فيها نسخر من حالنا، ومن صدّام، ومن الصحّاف.

ما ميّز بداية “اتّفاقيّة أوسلو” الأمل في حلّ جذريّ وإقامة دولة، وقد أنتجت الاتّفاقيّة الكثير من النكات في البداية عليها وعلى عرفات، استمرّت حتّى اغيال الأخير بفترة قصيرة، ثمّ توقّفت بشكل شبه نهائيّ.

 

للنكتة مراحل

النكت تشبه بحالها وحالاتها مراحل الحزن والحداد الذاتيّ، ويحدّد كناعنة مراحل تطوّر النكتة، وقد قسّمها أربع مراحل:

1. مرحلة الفرح: تحمل في طيّاتها الأمل.

2. مرحلة الخوف: الخوف من الخسارة، لكن ما زال ثمّة أمل.

3. مرحلة الغضب: في هذه المرحلة، الأشخاص على يقين بالفشل والهزيمة.

4. مرحلة اليأس: في هذه المرحلة، يدرك الأشخاص أنّهم هُزموا نهائيًّا، لكنّهم يرفضون تقبّل ألم الهزيمة.

يقتبس كناعنة من فرويد، ويقول إنّ المرحلة الأخيرة الأكثر نضجًا؛ لأنّ الإنسان يتقبّل الواقع، لكنّه يرفض أن يغرق في أحزانه.

ما ميّز موجة نكات “صفقة القرن” أنّها جاءت تحديدًا من قِبَلْ الفلسطينيّين في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948، وليس من مناطق فلسطينيّة أخرى، وذلك يعود تحديدًا للبند المتعلّق بضمّ منطقة المثلّث إلى الضفّة الغربيّة. أمّا سرعة انتشار النكات فكانت جنونيّة، نتيجة وجود وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ فكانت النكات إمّا مسجّلةً انتقلت عبر تطبيق الواتساب، وإمّا كاريكاتيرات انتشرت عبر فيسبوك وإنستغرام، وإمّا نكات مكتوبة انتشرت بسرعة البرق على جميع وسائل التواصل الاجتماعيّ.

ما ميّز موجة نكات “صفقة القرن” أنّها جاءت تحديدًا من قِبَلْ الفلسطينيّين في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948، وليس من مناطق فلسطينيّة أخرى، وذلك يعود تحديدًا للبند المتعلّق بضمّ منطقة المثلّث إلى الضفّة الغربيّة.

يفسّر كناعنة كثافة نكات “صفقة القرن” لدى فلسطينيّي أراضي 48 بالآتي: “‘صفقة القرن‘ نزلت علينا كالصاعقة، لم تكن متوقَّعة؛ الطريقة الّتي استخدمها الأمريكيّون والإسرائيليّون للتخلّص من فلسطينيّي أراضي 48 لم تُؤخَذ بالحسبان. الناس لم يصدّقوا أنّ مثل هذه الخطّة قابل للتنفيذ، لم يقتنعوا بأنّ إسرائيل سوف تستطيع فرض خطّة ‘الترانسفير‘ باستعمال القوّة”.

يفسّر كناعنة أنّ فلسطينيّي الضفّة والقطاع لم يُنكِّتوا بالكثافة نفسها على “صفقة القرن”، بأنّهم ليسوا في مزاج للضحك؛ فهم على يقين بأنّ إسرائيل سوف تنفّذ مخطّطها، إسرائيل على مرّ السنوات، ومنذ “اتّفاقيّة أوسلو”، تطبّق بنود “صفقة القرن”. هم في حالة من اليأس التامّ والشعور بالعجز، هم في نهاية الطريق ونحن في بدايتها.

 

لم نترك شيئًا لم نضحك عليه

أمّا الضحك والتنكيت حول وباء الكورونا، فهي ظاهرة عالميّة، لا عربيّة فقط. المُثير في نكات الكورونا أنّها بدأت بالسخرية من الصينيّين، وعندما انتشرت في 188 دولة من ضمنها الدول العربيّة، ازداد – عربيًّا – عدد النكات الساخرة المتعلّقة بها، ومن وضعنا في ظلّ الحصار والإغلاق. ضحكنا على سبل التعقيم لدينا، وعلى قدرتنا على اكتشاف أيّ علاج للكورونا، مثل الخلّ واليانسون، ضحكنا على إغلاق المدارس والتعلّم عن بُعد، ضحكنا على العلاقات الزوجيّة في أوج أزمة الكورونا، وأنّ نسبة الطلاق سوف تزيد وكذلك الحمل والولادة؛ لم نترك شيئًا لم نضحك عليه.

المفاجئ في نكت الكورونا أنّها لم تقتصر فقط على الاستهزاء من الأشخاص، إنّما سخرت من المرجعيّات الدينيّة ورجالها، تمرّدت على التابو الدينيّ؛ فأطلقنا العديد من النكات على إغلاق الجوامع والكنائس، وأنّ رجال الدين أصبحوا عاطلين من العمل. هذا النوع من النكات الّتي تسخر من رجال الدين، لم نسمعه كثيرًا من قبل، لا في الانتفاضات، ولا في نكات حرب الخليج، ولا في نكات “صفقة القرن”.

هذه النكات الّتي لا تنضب، وتنتشر بسرعة البرق، بدّدت وحدتنا داخل المنازل، وساعدتنا على مقاومة العزل والوحدة والقلق؛ إذن يمكننا القول إنّ نكات الكورونا طرق غير واعية للمقاومة.

 

ما يميّز نكات الكورونا أيضًا كمّيّتها الهائلة؛ لقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعيّ بها، ولم تقتصر فقط على الصور والمنشورات والتعليقات الساخرة، بل شملت تسجيلات حول هجومنا على الأسواق، خوفًا من الحجر داخل المنازل وإعلان منع التجوال. ورق “التواليت” كان من نجوم نكاتنا؛ وذلك لهجوم الناس غير المسبوق على شرائه، وليس فقط العرب.

هذه النكات الّتي لا تنضب، وتنتشر بسرعة البرق، بدّدت وحدتنا داخل المنازل، وساعدتنا على مقاومة العزل والوحدة والقلق؛ إذن يمكننا القول إنّ نكات الكورونا طرق غير واعية للمقاومة.

نحن نضحك لكي نستطيع الاستمرار، ضحكنا كان وما زال حالة من المقاومة الخفيّة والعلنيّة، تحمل في طيّاتها الخوف والقلق من مصير مجهول، وما يمكن أن يحلّ بنا. إنّ النكات على وباء الكورونا بمنزلة صراخ بقاء، إن جاز التعبير؛ فهذه النكات الّتي وصلتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، في حين انعدام أيّ تواصل اجتماعيّ جسديّ بيننا، ساعدتنا على الصمود، وبدّدت عزلتنا ووحدتنا ولو افتراضيًّا.

حسب تحليل كناعنة وتقسيمه للمراحل؛ فما زلنا في مرحلة الخوف، ولمّا نفقد الأمل بعد. لا أظنّ أنّ في إيطاليا وإسبانيا وإيران يُطلقون النكات على الكورونا؛ ففي هذه الدول ألم وحالة من اليأس قد تجعلهم لا يضحكون.

*عرب ٤٨

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.