مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

كورونا يضع الدين أمام تحدٍّ حاسم

2٬669

 

زهر يوسف*

لطالما السؤال عن العلاقة بين العلم والدين، وصل حدّ اعتبارهما، خطين متوازيين لا يلتقيان؛ فرجال الدين يعتبرون أنفسهم، مالكي الحقيقة الكاملة، ولديهم الإجابة لكل استفسار أياً يكن، تموضعٌ رفضه العلماء جملة وتفصيلاً، وقالوا إن انتشار العلم وتوسّع أفاقه، جرّد رجال الدين من جزء يسير من سطوتهم، لتتبدّل الأدوار. العلماء اليوم يصرّون أن كل الإجابات في سلتهم وأن لا يدَ للدين فيها، حالة تشي أن النقاش بين العلم والدين ظهر مجدداً من بوابة فيروس “كورونا” لتفكيك جدلية العلاقة بين إنكار ورفض كل منهما للآخر.

اليوم، من شقوق كثيرة تسرّب فيروس كورونا إلى أجندة الأديان، وملحقاتها من الطوائف والمذاهب القابعة تحت فيئها، ومن البيئات “المتديّنة” انسال النقاش سريعاً حول أسباب المرض، ومدى انتشاره، وحجم خطورته، وآلية التعامل معه، وبالأخص جانب الطقس الدينيّ المتنوّع بين الكنس والكنائس والمعابد والمساجد والحسينيّات والمراقد والخلوات الدينية.

التحدّي الواضح بالعين المجردة للقاصي والداني، تجسّد في ماهية العلاقة مع المسجد والكنيسة والمعبد والكنيس وما إلى ذلك من صلوات جماعيّة وقداديس وزيارة مراكز ومراقد مقدّسة وتقبيل أحجار وصناديق، إذ سعى جزء يسير من رجال الدين إلى المكابرة والعناد على مواصلة الطقوس الدينية في أماكنها وعلى اختلافها والاكتفاء بوصف كورونا أنه “ابتلاء إلهيّ”، غير أن تفشي الوباء وضع حداً غير قابل للمدّ والجزر، لكون أرواح “المؤمنين” دخلت دائرة الخطر. وهذه الروح فوق كل اعتبار، أليس كذلك؟؟ ما حدا بالمؤسسات الدينية الثلاث ليس فقط لاتخاذ قرار يمنع الصلوات الجماعيّة والقداديس وغيرها، بل ابتكرت أساليب مستجدّة، ومنها تطويع التكنولوجيا خدمة للطقس الديني، كالإنترنت مثلاً، “ما حُرِّم سابقاً، بات اليوم حلالاً”..

واقعياً، في دولة الفاتيكان كانت لافتة إقامة البابا قداساً خالياً من المؤمنين في صورة نادرة الحدوث، تماماً كخلوّ الكعبة من المعتمرين ولاحقاً من الحجيج،  وسط احتمالات تقول بوجوب منع الصوم بفتوى دينية “شرعيّة”، ليتحوّل الآذان في المساجد من “حيَّ على الصلاة” إلى “صلوا من منازلكم”!!! اليهود على الضفة ذاتها، ألغوا ما يُسمّى عيد المساخر “بوريم” الأشبه بالكرنفال، ومنعوا الصلوات الجماعيّة لفريقي “السفارديم والإشكنازيم”.

نحن إذن أمام ظاهرة جديدة، تقول إن دور العبادة من مسجد وكنيسة وكنيس ومعبد لم تعُد مكاناً صالحاً – أقله الآن – للتواصل بين المؤمن وربه، كما لم يعد رجل الدين “المتسلّح بعمامة أو صليب أو قلنسوة” الوسيط لنقل المفاهيم والتعاليم والقواعد الدينية، بعدما أرسى كورونا قاعدة التواصل مع الله مباشرة من دون وسيط، واقع يفرض طرح أسئلة حول مآلات ما يجري: أيهما يحتاج الإنسان اليوم أكثر العلم أم الدين؟ وهل هو كباش بين المتديّنين والمتمسكين بالعلم والملحدين؟ أيأخذ قرار إغلاق دور العبادة صفة المؤقت أم الديمومة؟ الإجابات لا تعني بالمطلق الجزم أن نجم رجال الدين أفل وأن دورهم انطوى دونما رجعة، لكن علينا على الأقل توثيق هذه الفترة التي أوصدت فيها أبواب دور العبادة ولو لحين.

قالها ذات مناسبة أحمد فؤاد نجم: رجال الدين ليسوا نصابين لكن النصابين أصبحوا رجال دين!..

البشرية بوضوح تسير في طريق التغيير، فهل ينسحب ذلك على العقيدة؟ الثابت أن البشرية بعد وأد كورونا أمام عالم جديد يتشكل بالمفهوم السياسي والعقائدي والأخلاقي والديني والاقتصادي.

*صحافية سورية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0