مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

المفتي الدكتور بدر الدين حسون في خطاب تاريخيّ: سورية الأرض المباركة للعالمين علّمت الأمم وأخرجت الشعوب من وحشيّتها لم تجرّد جيشاً يحتل ويدمّر

حفظ أجدادكم البذور لتحفظوها أنتم أيها الشباب، وقدموا الثمار علوماً وقيماً ورسالات سماوية للبشرية

سوريانا من سيناء إلى أرض الروم ومن البحر فالفرات واحدة موحّدة عصيّة على الحدود والدهور والمؤامرات

في خطاب هام منسوب لسماحة مفتي الجمهورية العربية السورية الدكتور بدر الدين حسون، عرض فيه رسالة النور والأمان والإيمان التي تنكبتها سورية منذ ما قبل التاريخ الجلي، فعلمت الشعوب الرقي والحضارة وحضرت غزاتها، وبنت العالم معارف وعلوماً وعبقريات وصناعة وتجارة وأبجديات وغزتها جيوشه فاستوعبتها وتعلمت من سورية ولم تنتزع منها شخصيتها المنيرة ولا هويتها المتماسكة. سورية الأمة القوية الجديرة بالحياة بقوة ابنئها ووعيه ومناعة هذا الوعي هي الحقيقة التي لا تزول.

تحدث سماحته فقال:

“يشهد العالم اليوم ميلاداً جديداً في هذه المرحلة التي سقطت فيها الحدود واستطاع أبناؤنا أن يدخلوا إلى كل بيت في العالم وإلى كل فكر وأن يدخل إلى بيتهم كل فكر. نستذكر أين هويتنا وأين نحن، هل أعطينا أولادَنا لُقاح المناعة لكي لا ينسوا هويتهم في بحر العولمة التي تسحقُ الجميعَ اليوم. نعم من لا يقرأ التاريخ لا يبني مستقبلاً ومَن لا يتذوق رسالات السماء لا يستطيع أن يعرف لما كانت هذه الرسالات، هل هي لسعادتنا أم كانت لتمزيقنا وتفرقتنا والإله هو إله واحد ربُّ العالمين.

في هذه المرحلة نتذكر رجالاً مرّوا على التاريخ، أرادوا حياة أمم وأرادوا ولادة فكرٍ حاول الكثيرُ أن يئده وأن يمنعه وإن أردت أن أبدأ من منطقتنا السورية التي هي الأرض التي بارك فيها الله للعالمين، من سيناء إلى صحراء الحجاز إلى أرض روم، هذه الأرض السورية، إلى صحراء العراق، التي اختارها الله لكل أنوار السماء، ففيها كان سيرُ إبراهيم وعليها جاء موسى عليه السلام، وإلى أرضها جاء أيضاً عيسى عليه السلام لينير الأرض ويذهب منها إلى السماء وفي أرضنا التقى كل الأنبياء في القدس ليُعلنوا وحدة الأديان وإن تعددت الشرائع، وليعلنوا أن الاله هو واحد لكل البشر فلا يعلو بعضهم على بعض.

هذا سرُّ سورية أنها استقبلت كل حضاراتِ وقيمِ الأمم وأخذت منها ما يتلاءم مع جذورِها وأبعدت عنها كل تعصّبٍ وتطرّف، لذلك قالَ الله لإبراهيم لما ذهب إلى أور ثم عاد إلى مصر، قال: “عد إلى الأرض المباركة، إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين”، فكانت الخليل هي مستقره في النهاية. لأن سورية هي القادرةُ على استقبال الجميع. ومن أرضنا ارتقى يسوع إلى السماء وهو يشرقُ فيها نوراً وإيماناً. هذا الفكر الذي أراده كثيرٌ من الناس أن يغيروا صورة سورية، سورية الحضارة التي استقبلت كل أبنائها تركماناً، سرياناً، آراميين، عرباً صهرتهم في كل هذه الرسالات السماوية والروح الأخوية وما تخلت عن هويتها، فكانت سورية هي النور الذي أشرق على العالم صفاء وإيماناً. حضارة حملها الفينيقون قبل رسالات السماء وحملها الرسلُ بطرس وبولس وحملها إبن رشدٍ والغزالي هي رسالةُ الحبِ والخير التي حاول كثير من الناس أن يعيدوا إليها نورها ونضارتها. حاول العثمانيون أن يجعلوا من سورية تابعاً فما استطاعوا فكانت الثورة العربية الكبرى في سورية لتقول للعالم نحن أبناءُ رسالة ولسنا من التابعين للآخرين. أرادَ العثمانيون أن يتّرِكوها وأن يُذِهبوا آثار لغتها تلك الآرامية والكلدانية والسريانية والعربية التي سطرنا فيها أعظم أمجاد التاريخ الإنساني، أرادوا أن يزيلوا كل ذلك وأن يفرضوا علينا أشياء أخرى ولكن أبت إلا أن تتكلم بلغة السماء، فكما تكلم الله مع انبيائه بلغتهم تكلم الله بهذه اللغات فقد حافظت سورية على هذه اللغة السماوية في أبنائها وأرسلتها نوراً وعطاء. وحين أراد الاوروبيون أن يأتوا إلينا فيفرضوا في فلسطين والأردن لغة إنكليزية وفي سورية ولبنان فرنسية ما رفضنا اللغة ولكن رفضنا أن يُفرض علينا تغيير تاريخنا ومحوُ قيمنا وحضارتنا، قام ذاك الرجل ليقول للتاريخ العثماني والتاريخ الفرنسي والإنكليزي نحن في سورية علمناكم كثيراً من الحضارة، إنه من دفع روحَه في سبيل أن تبقى سورية بلا حدودٍ سياسية إنما أن تبقى بحضارة إنسانية تضيء للعالمِ فكره. فكان أنطون سعاده، هذا الرجل الذي أبى أن يتنازل عن فكره الذي حمله نوراً من الإنجيل وقيماً من القرآن وحفظ لغة أرضه وقومه وعرضه وبلده وتربته فأرادوا أن يمزقوا سورية يوم استشهاده، أعدموه ليعدموا فكراً وليس ليعدموا رجلاً ولكن بقيَ فكره لأن هذا الفكر هو رسالة السماء إلى الأرض ورسالة الأرض إلى أبنائها. لذلك نحن اليوم مع كثرة الأحداث التي تمرّ في منطقتنا بدءاً من قيام دولٍ دينية على أساسٍ عرقيٍّ أو طائفيٍّ أو مذهبي تأتينا رسالة السماء لتقول لنا ألا تقولوا دائما الحمدلله رب العالمين، لماذا تخليتم عن إله العالم وصرتم تحتقرون الإله وتحتكرون كل شيء لإنفسكم.

فلسطين ضمّت كل رسالات السماء فلا يمكن أن تكون يوماً لا يهودية ولا إسلامية ولا مسيحية إنما ستكون نوراً لكل الرسالات، تستقبل كل أبناء الرسالات فيأتوا ليصلوا فيها ويعودوا إلى بلدانِهم. حدودُهم ليست بين لبنان وسورية وشرقي الأردن وفلسطين، هذه الحدود لا نعترف بها، قبل ألف سنة بل قبل مئة سنة، قبل ألفي بل قبل خمسين سنة كانت قلوبُنا في هذه المنطقة تتعانق لآلام بعضنا البعض ولحبِ بعضنا البعض فما الذي حدث حتى نطلب قوات الأمم المتحدة لتفرق بين أبناء سورية. أن نضع على الحدود اللبنانية ـ السورية أمماً متحدة وعلى الأردنية ـ السورية أمماً متحدة وعلى الفلسطينية ـ اللبنانية ـ السورية أمماً متحدة؟ نأتي بقوى من كل الأرض لتفرق بين أبناء الأمة الواحدة، الأمة السورية، من هنا يجب أن نعيد النظر فيما طرحه هذا الراحل الشهيد رحمه الله، من وحدة الأمة التي جاءت في رسالات السماء وأن هذه أمتكم هي أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدوني.

نعم، لم يكن عندنا في سورية عنصرية ولا عرقية ولا مذهبية ولا طائفية، إنما كنا نحتضن كل أبناء الأرض فنحمّلهم رسالة الحضارة السورية التي حملها أجدادُنا لغة وقيماً باركتها السماء عقيدةً وإيماناً، هذا الذي يجب علينا اليوم أن نعيد الانتماء إليه فأن نفتح لإبنائنا كتاب الجغرافيا ليرى فيه خريطة سورية الطبيعية وليس خريطة سورية السياسية، ليرى فيه الأمة السورية التي احتضنت كل أعراق البشر وأعطتهم من ثقافتها وقيمها علوماً وأفكاراً ونوراً وضياء. علينا أن نُعيد لإبنائنا مناعة الهوية في القيَم، أنت إنسانٌ أجدادك تركوا لك جذوراً من الحضارة، جذورُها ثابتة وأنوارها في السماء تؤتي أُكُلِها كل يومٍ بإذن ربها.

نعم، هل نستطيع ترسيخ كل هذه القيم السماوية والقيم السورية والقيم الإنسانية في قلبٍ واحد، ما كان السوريون يوماً إلا وهم الحاملون لمَشعَل الإنسانية والأخوة والإيمان والذي جعل الناس جميعاً في سورية سواسية كأسنان المشط، الخيِّر فيهم من يخدم وطنه أكثر والرائع فيهم من يغرس في وطنه حباً وإيماناً، فإن كنت مسلماً أو مسيحياً أو ملحداً لا تقل لي ما دينك قل لي ما عملك، قل لي ماذا غرست، قل لله ما دينك، قل لله ما إيمانك ولكن قل لي ما هي ثمراتك، هل هي ثمرات خيرٍ وحبٍ تغرسها بين الناس أم كراهية وأحقاد واستعلاء لتضع أُناساً في الجنة أو أًناساً في النار. مهمتك أيها السوري أن تحمل الرسالة من جديد، التي تركها لك أجدادُك كلها قيماً وحضارة وسمواً وأخلاقاً وإيماناً لتنقلها إلى أبنائك وأحفادك، لا تخف فلكل أمة كبوة ولكن إذا استطاعت الأمة أن تقوم من كبوتها فإنها تحقق العجائب، فكم مرَّ على بلادنا من تتار وفِرنجة ومتأخرين ومتخلفين، جاؤوا إلى سورية ليأخذوا منها ما فيها من كنوز فحملناهم ما عندنا من علوم وقيم، فإنك ترى اسم سورية اليوم عند المغول والتتار وفي إسبانيا، بل رأيت اسم سورية في البرازيل والإكوادور ورأيتها داخل نيجيرنا والكونغو ورأيتها خلف سور الصين قد أرسلت رسائلها منذ آلاف السنين، أرسلتها قيماً وحضارة وأخلاقاً وسمواً وأنواراً.

أنا لا أيأس أبداً من أن تعود سورية كما كانت وكما أرادها أجدادنا أرض النور والإيمان والأمان، أوصي شبابنا السوريين أن يعودوا لحمل الرسالة التي تجعل لهم في العالم مكاناً ومكانة وتجعل لسورية كلمة واضحة في التاريخ الإنساني، أنها أمة ما استعمرت أحداً من قبل ولا استولت على أرضٍ من قبل ولا أكرهت أناساً من قبل ولا دمرت حضارة للبشرية من قبل.

أروني جيشاً خرج من سورية فدمّر ما حوله، ولكن سورية جاءها الكثير من خارجها ليدمّروها فاْستبقت البذور وحمّلتهم من الخير ما يعودون به إلى أوطانهم قيماً، ستسمع الكلمة السورية في قبرص، في مالطا، في جزر البحر الأبيض المتوسط، في كل شواطئه، ستسمع الكلمة السورية في كل شواطئ البحر الأحمر، ستسمع الكلمة السورية في كل المحيطات من العالم، لأن الكلمة السورية ما كانت يوماً إلا للعالم كله نوراً وسلاماً وضياءً. فيا شبابنا في سورية من كل الأطياف ومن كل الشرائع ومن كل الأعراق اعرفوا حقَّ هذه الأرض التي بذل أجدادنا فيها الدماء فتَوَضَّؤوا بها وطهروا تربتها لتبقى سورية هي النور المضيء للعالم صفاء وإخاء ومحبة، ولتبقى سورية تستقبل أنوار السماء وتوزعها في كل الأرجاء، هكذا كنا وهكذا سنبقى، وما يمرُّ علينا اليوم لن يقتلنا إنما سيزيدنا مناعة. أنا رأيت مئة دولة جاءت لتدمر سورية وعشرات الدول جاءت لتدمر لبنان في الثمانينيات ويجزئوه. فها هو لبنان عاد بلا حدود بين أبنائه، وهذه سورية عادت بلا طوائف، فمتى أراك فلسطين قد عدتِ إلى سورية ومتى أرى شرقي الأردن قد عاد إلى سورية عودةَ عزّ لا عودة ذل، عودة إبن فقد هويته ثم عاد إلى جذوره، سورية تنتظركم جميعاً لتقول لكم أنا الأم الحائنة أنا الأرض الطيبة أنا السماء المنيرة، هذا ما توصون به أبناءكم وأحفادكم. سورية هي الكبيرة وهي التي ستحيا بعدَنا وإن كنا في التراب فأعطوها كلمة الحياة من خلال عملكم وصدقكم، وستبقى سورية هي الأرض التي “باركنا فيها للعالمين”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.