مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

اسم الوطن العربي ليس مصطلحاً حديثاً .. إنما عمره يتجاوز الألف عام!!

398

خلف الناصر*

في خضم المعارك الكبيرة والمتنوعة المحتدمة حالياً على طول مساحة الوطن العربي وعرضه ، وفي ظل ضياع البوصلة لكثير من الاشخاص والقوى اليسارية والقومية والماركسية والتقدمية عموماً ، تبرز معارك تبدو للبعض صغيرة في حجمها أو في أهميتها ، لكنها كبيرة في خطورتها ومدلولاتها وتأثيراتها على مستقبل أجيال هذه الأمة ، وعلى وعيها وقدرتها على صيانة وطنها وحمايته!
وواحدة من هذه الحروب ، ما يسمى بحرب المصطلحات!

ففي ظل هذه الحروب العربية الكبيرة والمتنوعة المشتعلة الآن في كل مكان من الوطن العربي ، تبدو (حرب المصطلحات) غائبة ـ رغم أهميتها الوجودية ـ عن أذهان ووعي أو تصورات الكثيرين ، وهي حرب ناعمة كسب الأعداء فيها ومنها الكثير لصالحهم وعل الضد مصالحنا القومية العليا .. ففي ظل هذه الحرب الخفية قد تحولت :

 فلسطين إلى “إسرائيل” : ولا يعرف من يستخدم اسم “إسرائيل” دون أن يضعها بين مزدوجين أو يسميها بــ “الكيان الصهيوني” .. بأنه يشطب فلسطين العربية من خارطة الوجود!!
 وتحولت المنطقة العربية والقضية العربية : فأصبحت تسمى منطقة الشرق الأوسط وقضيتها تسمى قضية الشرق الأوسط
 والصراع العربي الصهيوني : أصبح يسمى بــ الخلاف الفلسطيني الإسرائيلي!
 والأراضي العربية والفلسطينية المحتلة : تسمى بالأراضي المتنازع عليها!

وإلى آخر هذه القائمة الطويلة من عشرات المصطلحات التي أخذت تغزو جميع الساحات السياسية والفكرية العربية ، والبعض منا يستخدمها دون وعي منه بمضمونها ولا بخطورتها على مستقبل الأمة ومستقبل أجيالها القائمة والقادمة!
*****
وإذا كانت البعض من هذه المصطلحات ذات توصيفات ومدلولات فرعية ، وتأثيراتها يمكن أن تكون فرعية وجزئية وجانبية ، فأن الأخطر منها هو ذلك الذي يحمل توصيفات وتأثيرات شمولية وجوهرية ، تطعن الهوية العربية في الصميم! ونعني بها محاولات تُغّير اسم الوطن العربي ، وتفريغه من محتواه القومي اللغوي الحضاري وهويته العربية الإنسانية ، وتحويله إلى مجرد اصطلاح جغرافي وذو مدلولات جغرافية ، تشير إلى مكان (ما) على سطح هذه الكرة الأرضية فقط ، نازعة عنه حقيقته وهويته العربية!

ففي الآونة الأخيرة أخذ يشيع ويستخدم بكثرة لافتة مصطلح “الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” بدلاً من مصطلح “الوطن العربي” ، الذي يمثل تعبيراً حقيقياً وواقعياً عن واقع إنساني: قومي عربي لغوي حضاري قائم على بقعة الأرض هذه ، منذ الخليقة إلى اليوم!
وفي ظل جهل مطبق للكثيرين مع حملة تجهيل واسعة ـ من قبل نفس تلك الجهات المعروفة ـ ساعدت على انتشاره بين قطاعات عربية واسعة ، وأجيال كثيرة منها نشأت في ظل تلك المعارك المحتدمة على ساحة وطنها العربي ، وتكاد هذه الأجيال ـ لظروف موضوعية خارجة عن إرادتها ـ أن تجهل كل شيء تقريباً ، عن وطنها وجغرافيته وتاريخه وحضارته وحتى عن حقوقها هي الطبيعية الضائعة فيه ، بين أنياب الامبرياليين والمستبدين والاستسلاميين والرجعيات العربية ، وبعض من دول الجوار القوية!
وفي الحقيقة لم يكن أمام هذه الأجيال ـ لظروف موضوعية أيضاً ـ ولغياب أدوات التوعية ووسائلها ، إلا أن تصدق كل ما يقال ويشاع ويكتب لها من مصطلحات تقلب الحقائق وتشوش الرؤا ، في توصيفاتها وتعبيراتها المختلفة للواقع العربي!
*****
ومن خلال هذه الزوايا الخطرة نريد أن نلفت نظر الأخوة العروبيين خاصة والخيرين من العرب عامة ، إلى بعض الحقائق التاريخية التي يهملها البعض عن عمد وتعمد ويجهلها البعض الآخر لجهله التام فيها ، وبما ورد عنها في تراثه العربي ، ونريد مجرد الفات نظرهم إليها وليس شرحاً مسهباً لها ، لأن شرح هذه الحقائق التاريخية سيطول ويطول جداً ، ونتمنى أن نساهم ـ نحن مع غيرنا ـ في شرح وتوضيح الكثير من القضايا التاريخية ، التي تعبر عن مسائل وقضايا بعضها راهنة وملحة ، ومنها قضية بعض المصطلحات المخطوئة ، والتي تستخدم اليوم بكثرة مفرطة :
كتــســـمـــيـــات : الـــوطــــن الـــعــــربـــــــي ، والـــشـــعــب الـــعربـــــــي ، والأمــــة الـــعـــربـــيـــة……….الخ
*****
فالكثيرون منا أو أغلبنا يتصورون أن تــســـمـــيـــة الـــوطــــن الـــعــــربـــــــي والـــشـــعــب الـــعربـــــــي والأمــــة الـــعـــربـــيـــة ، هي تسميات إيديولوجية حديثة ولدت وشاعت في حقبة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ، وبعضنا الآخر يرد شيوعها إلى بعض الأحزاب والحركات القومية التي ظهرت في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين الماضي ، والأفضل فينا وأكثرنا موضوعية وحيادية ـ كما يتصور ـ يردها إلى الروح القومية والحركات القومية العربية التي ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر ، كرد فعل على العثمانيين ومحاولاتهم تتريك العرب ، لكن لا أحد من هئولاء جميعاً يجرؤ على ردها إلى أبعد من تلك التواريخ المتداولة بكثرة!
والمؤسف أن الكثيرين من العروبيين والأكثر منهم مناؤوهم الإيديولوجيون يعتقدون ، أن هذه المصطلحات والمفاهيم والتسميات قد جاءت في العصور الحديثة وبتأثير من الفكر الأوربي المعاصر ، وليست لها جذور عربية قديمة!!
وهذه أكبر مغالطة تاريخية :
لأن هذه المفاهيم والتسميات وبعض المصطلحات قديمة ، وترقى إلى عشرة قرون مضت ـ وربما أكثر ـ وليست حديثة تماماً ، لكنها كانت تقال وتلفظ بألفاظ وصيغ وتعبيرات وتسميات مختلفة عن تسمياتنا المتداولة اليوم!
فالحقائق التاريخية والكتابات التراثية تؤكد أن مفهوم العرب كجماعة مميزة إنسانياً وأخلاقياً وعرفياً ، والوطن العربي كبلاد معروفة الحدود الجغرافية كانت جميعها معروفة منذ القدم ، ومتعارف عليها في الماضي كبديهيات لا تحتاج إلى شرح أو برهان لإثباتها ، كما هو الحال اليوم!!

فالمطلع ولو اطلاعاً بسيطاً على التراث العربي والاسلامي سيجد ، أن الوطن العربي بحدوده الجغرافية الحالية ـ مضافاً إليه الأجزاء المستقطعة منه ـ كانت معروفاً للجميع ، لكنها كانت يسمى باسم ” بلاد العرب ” ، وليس باسم ” الــوطــن الــعـــربــي” الذي يسمى به اليوم!
والحقيقة لا فرق جوهري يذكر بين التسميتين أو المعنيين إلا اختلاف طبيعة التعبير الأدبي بين العصور ، كما أن الشعب العربي أو الأمة العربية كانت تسمى في الكتابات التراثية باسم “أمــة العــرب” ، وهو التعبير الدارج أنذك الذي كانت تسمى به الأمم المختلفة كـ : “أمة الفرس” و “أمة الترك” و “أمة الفرنجة”………….الخ
*****

وبدون الغوص في مصادر تاريخية كثيرة نذكر هنا مصدراً واحداً منها فقط ، نعتقد أنه كافياً للتدليل على ما نريد قوله في هذا الموضوع ، وهو مصدر ليس له علاقة بالسياسة والإيديولوجيا ، أو أي غرض سياسي مماثل .. والمصدر هو:
كتاب ((صبح الأعشى في صناعة الإنشا)) لــ (أبي العباس أحمد بن علي القلقشندي) المتوفى عام (821هـ / 1418م).. وهو كتاب مخصص لتعليم المبتدئين: (صناعة الإنشاء في الدواوين الحكومية والأميرية وما يحتاجونه من ومعلومات أساسية تتعلق بعملهم) كما يقول المؤلف في تقديمه لكتابه هذا.
ففي مجال المعرفة (بعالم الخيول) وأماكن تواجدها في العالم ـ التي يحتاجها أولئك المبتدؤون ـ ومنها الخيول العربية المسماة بــ (العِراب) وهي خيول ثمينة ونادرة ، يعدد الكاتب أماكن تواجدها ويعدد معها ـ بصورة غير مقصودة وعرضية تماماً أسماء جميع ((بلاد العرب)) ـ كما يسميها هو نفسه ـ ويعددها إسماً إسماً ، وهي نفس أقطار الوطن العربي الحالية ، وبنفس أسمائها المعروفة بها اليوم :
فهو يقول عنها ما يلــــــــــــي :
 ((والملوك تتعالى في أثمانها ـ يقصد الخيول العِراب ـ وتعدها لمهم الحرب ، وتوجد (بــبــلاد الـــعــــرب) ـ لاحظ التسمية ـ ومحلاتهم في أقطار الأرض ، كالحجاز، ونجد، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، وبرقة، وبلاد المغرب وغيرها)) (انتهى)(*)
وهي كما يلاحظ ، نفس الأقطار العربية الحالية وبنفس أسمائها المعروفة بها اليوم ، ما عدا (برقة) التي أصبح أسمها (ليبيا) بعد الاستقلال وبعد اتحاد أقاليمها الثلاث ، ونجد والحجاز التي سميت باسم الأسرة السعودية ، وكذلك المغرب الكبير قبل تمزيقه إلى ثلاث دول هي : تونس ، الجزائر ، والمغرب!
وكما يلاحظ أيضاً ، فإن الكاتب يستخدم تسميات أو مفاهيم “بلاد العرب” كتسمية عادية معروفة للجميع ، ولا يحتاج الكاتب توضيح معناها أو اجلاء مضمونها للقارئ ، مما يعني أنها كانت معروفة للقراء جيداً ، مما يعني أنها كانت مستخدمة قبل القلقشندي بعدة قرون ، وهو استخدمها على جاري العادة في تلك العصور وقبل أكثر ستة قرون من الآن ـ في هذا المصدر على الأقل ـ وكما هو واضح : أن “الوطن العربي” كان يسمى بــ “بلاد العرب” ويتكون من الأقطار العربية الحالية نفسها ، وبنفس أسمائها التي نعرفها بها اليوم!!
المهم أن هذه البقعة الجغرافية المحصورة بين المحيط الأطلسي من جهة ، والخليج العربي وبحر العرب من جهة ثانية ، والمحيط الهندي من جهة ثالثة ، وإيران وتركيا من جهة رابعة ، هو وطن العرب في الماضي البعيد وفي الحاضر القريب :
سواءٌ كان أسمه ” الوطن العربي ” أو ” بلاد العرب ” فلا فرق جوهري بين التسميتين ، فهو المكان الذي كان وطن العرب ومسكنهم منذ قديم الزمان ، وهو المكان الذي قامت على مسارحه حضاراتهم المتعددة منذ فجر ، التاريخ إلى اليوم!!
*****
من جهة أخرى كان المؤرخون اليونانيون يطلقون على المساحة الجغرافية التي تشمل سيناء ـ ومصر السفلى أحياناً ـ وصولاً إلى المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي اسم “بلاد العرب” أيضاً ، واعتبروها جميعهاً بلاداً واحدة ووحدة جغرافية وبشرية ولغوية وحضارية واحدة .. فأطلقوا :
 على جنوب الجزيرة العربية : أي اليمن اسم “العربية السعيدة” !
 وعلى شمالها : بما فيها صحراء العراق والصحراء السورية اسم “العربية الرملية”!
 بينما أطلقوا على هضبة سيناء والمرتفعات الأردنية وامتداداتها داخل الجزيرة العربية اسم “العربية الصخرية”!

وغير هذه الشواهد التاريخية للوطن العربي الكثير والكثير جداً من الشواهد ، التي نراها مبثوثة بشكل عشوائي وغير منتظم في كتب التراث العربي ، ولو خلص هذا التراث من بعض شوائبه ودرس علمياً ، لقلب كل مفاهيمنا ومعارفنا في هذه القضية الحيوية بالذات ، وفي أية قضية مماثلة أخرى!
****
إن الذي أجبرنا على الخوض في هذه القضية الحيوية ، مما نراه من مساعي محمومة من قبل جهات عديدة لتغير هذا الاسم التاريخي والواقعي للوطن العربي ، واعطائه إسماً بديلاً ذو دلالات جغرافية تدل على المكان فقط ، دون أية اعتبارات إنسانية أو بشرية أو لغوية أو حضارية………الخ
)*) ((صبح الأعشى لصناعة الإنشا)) [في الجزء2 ص14 من كتابه المذكور والمصور عن الطبعة الأميرية الأصلية/بدون تاريخ] لــ (أبي العباس أحمد بن علي القلقشندي) المتوفى عام (821هـ / 1418م) .

*كاتب عراقي

حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0