مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

محاولة استشراف..أي عالم بعد كورونا؟؟

65

عصام نعمان

عانى عالمنا على مرّ التاريخ جائحات وأوبئة وكوارثمدمّرة ومميتة. لعلّ أشدّها الطاعون في القرن الرابععشر، والانفلونزا الإسبانية أواخرَ الحرب العالمية الأولىالعام 1918، وتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكياليابانيتين أواخرَ الحرب العالمية الثانية العام 1945،وتدمير برجي التجارة الدولية في نيويورك 11 أيلول/سبتمبر 2001. لا واحدة من هذه الكوارث الكاسحةالماحقة تعادل من حيث شموليتها جائحة أو وباء كورونافي العالم الحالي 2020. فقد اجتاح كورونا العالم برمّتهقارات ومحيطات وبلداناً ومدناً وقرى وأحياء ومنازل.

انطلاقاً من واقعة استمرار هذا المرض انتشاراً وحدّةوفتكاً في جميع أنحاء العالم، وتوقعاً لاندلاع أوبئة مماثلةفي حدّتها وانتشارها وفتكها في المستقبل، يمكناستشراف ما يُحتمل أن يكون عليه عالمنا في ما تبقّى منالقرن الحادي والعشرين والقرن المقبل على النحو الآتي:

أولاً: قانون أمميّ للكيانات

يرافق وجود الدولة المعاصرة في عالمنا نشوء كياناتداخلها أو موازية لها، كحركات التحرير الوطني ومنظماتالمقاومة، تشاطرها بعض الوظائف والسلطات، وتنافسهاوتسيّرها وقد تتفوّق عليها وتحلّ محلها. في موازاة هذهالظاهرة، ثمة ظاهرة أخرى سابقة لها ومعاصرة في آنهي المنظمات والوكالات والمؤسّسات الدولية المتفرّعةمن هيئة الأمم المتحدة والتابعة لها كمنظمة الصحةالعالمية ومنظمة الأغذية والزراعة الأممية، ومنظمة الأممالمتحدة للعلم والثقافة (اونسكو)، ووكالة الطاقة الذريةوغيرها. وثمة منظمات دولية وأهلية ذات طابع أمميكمنظمة أوبك للدول المنتجة للبترول، والصليب الأحمرالدولي. إنّ تنامي وتوسّع أنشطة هذه المنظمات وتشابكهامع دول وإدارات ووكالات حكومية وأخرى أهلية وشعبيةترك آثاراً ومفاعيل وتداعيات على العلاقات الدولية وعلىأحكام القانون الدولي ما أدّى ويؤدّي الى نشوء حاجةمتعاظمة الى احتواء هذه الكيانات وتنظيم العلاقات بينهاوبين الدول من جهة وفي ما بينها من جهة أخرى فيقانون أممي للكيانات.

ثانياً: توسيع السيادة الأمميّة وتقليص السيادة الوطنيّة

يتجه العالم بسبب تشابك العلاقات السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية بين مختلف أطرافه الى التكوّروالتجمّع والتعاون والتنسيق ما يؤدّي الى نشوء منظماتوتحالفات ومعاهدات تضع قيوداً على سيادة الدولةالوطنية، وتشرّع أحكاماً لتوسيع السيادة الأممية لما فيهمصلحة المجتمع الأممي بصورة عامة.

ثالثاً: سلطة أمميّة للصحة العامة

في ضوء تداعيات جائحة كورونا وآثارها المميتة،واستباقاً لاندلاع جائحات مَرَضية أخرى، سيُصار الىتطوير منظمة الصحة العالمية ومنحها سلطات تنفيذيةعابرة للدول وأعلى من سيادتها الوطنية ومخوّلة الاتصالوالتواصل مع شعوبها.

رابعاً: سلطة أمميّة للغذاء والدواء

إزاء تنامي السكان في العالم، ومحدودية مصادر الغذاء،وتطوّر الحاجة الملحّة لمختلف صنوف الدواء، وضرورةمنع احتكارها وتأمين توافرها لجميع الشعوب، سيُصار الىتوحيد المنظمات والوكالات والهيئات المعنية بالزراعةوالصناعة والتكنولوجيا المتصلة وظائفها بإنتاج الأغذيةوالأدوية في سلطة أممية عابرة للدول وسيادتها الوطنيةومخوّلة الوصول الى الشعوب والتعاطي معها مباشرةً.

خامساً: سلطة أمميّة للاتصالات والمعلومات

مع تكوّر العالم وازدياد عمليات الاتصال والتواصل بينشتى أطرافه وجماعاته وهيئاته، كما الحاجة الى تجميعالمعلومات وتنظيم التشارك في الإفادة منها، سيُصار إلىبناء منظمة أممية للاتصالات والمعلومات تُعنى بشؤونهذا الحقل الاستراتيجي وتكون لها سلطة عابرة للحدودوالقيود الحكومية والإثنية.

سادساً: سلطة أمميّة للمناخ والبيئة

حيال تزايد جائحات الطبيعة وأعاصيرها وزلازلهاوتغيّرات المناخ والاعتداءات الكارثية على البيئة، تزدادحاجة البشرية جمعاء الى إخراج قضايا المناخ والبيئة منإطار مسؤوليات الدول ومصالح الأفراد الضيقة الىرحاب سلطة أممية تتولى شؤونها بصلاحيات واسعةعابرة للحدود الدولية والقيود القومية والثقافية لما فيهمصلحة المجتمع الأممي برمّته.

سابعاً: البيت مسكناً ومكتباً ومعملاً

مع تزايد عدد السكان، وضمور المساحات الصالحة للسكنوالعمران، واتضاح مخاطر الاكتظاظ على الصحة العامةفي العالم، ستتضاعف الحاجة وبالتالي الجهود من أجلبناء البيت وتكييفه ليكون، بحسب المُراد، مسكناً ومكتباًومعملاً في آن.

ثامناً: سلطة أممية للرقابة على إنتاج السلاح واستخدامه

بعدما قاست البشرية من حروب كارثية استخدمت فيهاأفتك أنواع الأسلحة من جهة، وتوخياً لمنعها وفي الأقلّلتفادي شرورها وأضرارها من جهة أخرى، سيُصار الىإقامة سلطة أمميّة عابرة للحدود وللسيادة الوطنية،واسعة الصلاحيات للرقابة على إنتاج واستخدام جميعأنواع أسلحة الدمار الشامل، لا سيما النووية والبيولوجيةوالكيميائية.

تاسعاً: سلطة أمميّة للفضاء الخارجيّ

إذ تتسارع عمليات ريادة الفضاء من قِبَل دول عدّة،وتفادياً لسوء استعمال الفضاء الخارجي على نحوٍ مضرّبالبشرية جمعاء، ستبرز حاجة متنامية الى إقامة سلطةأممية للتعاون على ريادة الفضاء، والتنسيق بين الأطرافذات الصلة، والرقابة المتشدّدة لمنع استخدامه في إيذاءالبشرية وتدمير العمران.

عاشراً: سلطة أمميّة لتجهيز كون رديف

يضيق كوننا باضطراد عن استيعاب الإنسان والعمران،وعن احتواء البشر والشجر والحجر، ما جعل الحاجةمصيرية للتفكير والتدبير معاً من أجل تجهيز كون رديففي أعالي الفضاءات أو في أعماق المحيطات. قد تبدوهذه الفكرة خياليّة، لكن لن يطول الزمن قبل أن تدركالعقول المستشرفة جدوى الحاجة الى إقامة سلطة أمميةمهمتها توفير الإمكانات اللازمة لإيجاد وتجهيز وتطويركونٍ رديف.

الإنسان يحلم ثم يحقّق.

البناء

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0