Menu
27° C
صافية
صافية
%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a8%d9%8a%d8%a9

“نسبية” الأكثري.. أسوأ الممكن

مأمون ملاعب

وأصبح للبنان قانون انتخابي جديد. من ناحية أنه يعتمد النسبية، فهو قانون جديد، كما هو جديد بعدد دوائره الخمس عشرة وببعض تقنياته. لكن ماذا عن مضمونه وماذا نستشرف منه للمرحلة المقبلة من تغيّرات أو تقدّم؟

هذا القانون يكرّس الطائفية بأبشع أشكالها ويتخطّى بذلك قانون الستين، فهو يجمع أقضية ذات مذهب أو دين واحد في دائرة واحدة كما في الشمال والجنوب وجبل لبنان ويقسم بيروت وفق المضمون نفسه. وهذا القانون يراعي المتنفذين، قادة الطوائف وأصحاب النفوذ فيها، لأن مصلحة الطوائف تتجسّد في مصلحة قادتها ودورها بدورهم ونفوذها بنفوذهم (فقد ضمّت عاليه إلى الشوف والزهراني الى صور، وليس صيدا و…).

وهذا القانون لا يُساوي بين المواطنين، فبعضهم لا يستطيع أن ينتخب أكثر من خمسة مرشحين في حين أن البعض الآخر يستطيع أن ينتخب ثلاثة عشر مرشحاً.

قاربت الموافقة عليه الإجماع للقوى التي في السلطة (بعد جهد جبار)، لأنه يراعي الجميع في بلد النزاعات والصراعات الدائمة، حيث لا غالب ولا مغلوب (بشكل حاسم على الأقل) والمتحاورون (أو المشرّعون) المختلفون المتفقون على القانون يدركون جيداً أهمية تأمين مصالح بعضهم البعض. في حوارهم لا أحدَ يريد إلغاء أحد وعليه لن نجني أكثر من القاسم المشترك بينهم، في حين نسمع بوضوح من أرباب السلطة والممسكين بزمام الأمور، بوصفهم القانون الذي أنتجوه أنه “أفضل الممكن” أي هو “ليس ما نريده بل ما نستطيعه”، “معقد”، “كان من المفروض… ولكن..”. هذه التصريحات تدلّ على تبريرات بمخالفة وعودهم ومخالفة شعاراتهم وتخفّف من وقع الهزيمة عند كل منهم (الحقيقة أن أحداً منهم لم ينتصر ولم ينهزم). هذه التصريحات تدلّ على خيبة بأننا كشعب لسنا على مستوى العصر وننتج أقل بكثير مما نرفعه في شعارات.

 

لماذا لا يستطيعون أكثر من ذلك؟

نشأت الطائفية في منطقتنا وتكرّست منذ الاحتلال العثماني، وذلك بسبب تنوّع مجتمعنا واستغلال هذا التنوّع من الاستعمار والطامعين به ولغايات مسيئة لنا، لكنها مفيدة لهم. وكانت للدول التي سميت بـ”الحلفاء” إرادتها في تقسيم مجتمعنا بعد سايكس بيكو وإيجاد الكيان اللبناني، من دون العودة إلى أهل البلاد أنفسهم، الذين اختلفوا واتفق أقطاب منهم على ما سمّي “الميثاق الوطني” الذي يراعي العيش المشترك وعلى دستور يكرّس الطائفية مع بعض امتيازات متفاوتة، حسب الظرف السياسي آنذاك. في تلك الفترة كان ذلك أفضل الممكن رغم أنه ولد عليلاً ينتظر الموت بعد نزاع. تمّ جعل الدولة دويلات. كل طائفة دويلة بمحاكمها (وقانون أحوالها الشخصية) وأحزابها ومدارسها ومستشفياتها وجمعياتها، وطبعاً حصتها من الدولة الأم لتلعب دورها مع باقي الحصص سلباً أو إيجاباً. وبما أن منطقتنا تقع على “فالق الزلازل” بوجود الكيان الغاصب وأطماعه؛ الطمع بالنفط والموارد، بالموقع الجغرافي وغيرها. ومع كل زلزال تقع ارتدادات داخلية، فإذا كان كبيراً عاد لبنان إلى مناقشة عقده الاجتماعي وميثاقه ودستوره. وجد قانون الستين بعد أزمة 1958. ووجد دستور الطائف بعد الزلزال الكبير والحرب الأهلية. كانت موازين القوى مع نهاية القرن الماضي مختلفة فأطاح دستور الطائف بصلاحيات رئيس الجمهورية وامتيازات الطائفة المارونية. وكان ينصّ على أن المحافظة هي الدائرة الانتخابية ويمهّد لبرلمان خارج القيد الطائفي. سُحبت صلاحيات رئيس الجمهورية وتناصف  مقاعد مجلس النواب، وتوقّف التطبيق هنا، ومع خروج الجيش السوري عدنا لقانون الستين قبل تعديله الطفيف في ما عرف بـ”الدوحة”!

إن الحقيقة المؤلمة هي أن الطائفية – مرض السرطان اللبناني – انتشرت في كل المنطقة المشرقية وفتكت فيها. فبعد الاجتياح الأميركي من بوابة الكويت واحتلال العراق نجحت الولايات المتحدة بتفتيته وبمساعدة عوامل كثيرة – ليست موضوع البحث – انتقلت الفتنة أو الأزمة إلى الجوار. وبالتالي فإن الوضع الاجتماعي والسياسي للكيان اللبناني، ورغم عدم انتقال الحرب إلى داخله زاد تفتتاً وتعقيداً وشارك الشعب اللبناني في الأزمة السورية على ضفتيها. كان من المستحيل الوصول إلى قانون انتخابي، فكان التمديد للمجلس تلو التمديد وأخيراً مع بوادر انحسار الأزمة السورية أو تراجعها على الأقل أنجزنا القانون الحالي (أفضل الممكن حالياً).  في هذه الأجواء يكون التفكير في إلغاء الطائفية مجرد حلم أو أمل بعيد المدى.

هل من أمل بالتغيير؟

لكن هذا القانون رغم سوئه فقد يحمل تغيراً بطيئاً نحو الأفضل. إنه لمن المبكر اليوم والانتخابات بعد عشرة أشهر، الحديث عن تحالفات انتخابية، وقد عوّدتنا التجارب السابقة على أنه لا محضورات في هذه التحالفات، وأنها لا تعتمد على التحالفات الاستراتيجية، وأنها قد تتناقض بين دائرة وأخرى. أما إذا ما أخذنا على أساس الثامن والرابع عشر من آذار – وعقبة ذلك تحالف القوات والتيار – فإن النسبية تفقد فريق الرابع عشر من آذار عدداً من نوابه في زحلة وبيروت وعاليه الشوف والبقاع الغربي أكثر بكثير مما سيكسبه في الدوائر الأخرى. وعليه وإذا افترضنا أن فريق الثامن من آذار- كونه الفريق الوطني المعادي لـ”إسرائيل” والولايات المتحدة – يريد الانتقال بالبلد الى الأفضل وإلى الاستقرار، فإنه مع الوقت سيعمل لدفع التغيير تدريجياً (بعد أن يمتلك الأكثرية).. والأمل هنا حذر جداً. والتفاصيل في موعدها.