مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

يوميات امراة في مواجهة حرب كونية: التحريض الطائفي الرجعي (2)

تتابع الزميلة خالد سلسلة حلقات مروياتها اليومية خلال الحرب.. وهنا الحلقة الثانية..

540

فاديا خالد*

بعد حادثة إطلاق النار الأولى في بلدتي، تسارعت وتيرة الأحداث بشكل رهيب، انقسم ما تبقى من جيراني بين مؤيّد ومعارض وبدأنا نسمع بمصطلحات غريبة علينا تماماً، بعد أن كان جارنا أبو فلان أصبح لقبه الجديد جارنا الى كذا.. نسبة الى طائفته السني/الشيعي/العلوي/ الأرثوذكسي…

هنا لم أستطع الصمت أو أن اكون محايدة، نعم لأنها سورية أم لجميع أبنائها لا تفرق بين أحد منهم. وكعادتي في معظم الأحيان دعوت بعض جاراتي لتناول قهوة الصباح، وكان لي هدف من هذه الدعوة، ان أعرف آراءهن عما يحدث.

ولكي أعرف ما يمكن أن تغيّر في حال بعضهن،

وما الذي غيّر حالهن بحال، وسبب اعتقاد البعض منهن أن ما يحدث قصة حقوق ومظلوميّات، كما سمعت.

وكان ما أردت واجتمعنا، كانت وجوه بعضهن غير تلك الوجوه الطيّبة السمحة التي أعرفها، وأخذت قصة حادثة إطلاق النار التي جرت منطلقاً لبداية الحديث فقلت:

(لا أزال مشوّشة التفكير ومستغربة من الذي حصل اول أمس، لم نعتد حوادث كهذه أبداً، ولديّ فضول ان اعرف من هم هؤلاء الاشخاص الذين اطلقوا الرصاص، ومن أين أتوا، ولماذا؟)

أجابت إحداهنّ: إنهم ثوار.

صعقت لما سمعت وسألتها:

ثوار؟ قالت: نعم ثوار جاؤوا ليرفعوا الظلم عنا نحن الشعب المسكين.

قلت: كيف عرفت أنهم ثوار؟

قالت: بالأمس سمعنا ذلك على قناتي الجزيرة والعربية، قالوا إننا شعب مظلوم ومقهور وإن ثواراً سوريين سيعملون لرفع الظلم عنا!!

انضمّت اليها امرأة ثانية مشجّعة، وقالت:

نعم صدقتْ أنهم ثوار يكفينا ظلماً وقهراً.

فقلت عن ماذا تتحدّثان أيّ ظلم وأيّ قهر ذلك الذي تتحدّثان عنه، نحن في سورية ولسنا في ليبيا او تونس، ونحن لسنا بشعب مقهور ومظلوم، وان كان هناك يوجد فساد وفاسدون.

خلال حديثي نظرت إليّ بغضب جارتي صاحبة مصطلح “الثوار”، لقد أصبت بالذهول من الحقد الظاهر على وجهها ونظراتها لي.

وفاجأتني بالقول:

أنت لا تعلمين شيئاً لأنك لست سورية، وأساساً لا مكان لك بيننا عودي الى بلادك، واتركي المنزل، فهو حقنا لا ملك لك في بلادنا.

لكن إحدى الحاضرات، قاطعتها لتخفّف من توترها وعصبيتها، قائلة لها:

(روقي شوي نحنا ببيتها وعيب تحكي معها بهالأسلوب حتى وإن كان كلامك صحيح).

تسمّرت في مكاني وفقدت كل الكلمات التي أستطيع أن أرمم بها موقفي، وأشدّ من عزمي… ما الذي جرى وماذا أسمع؟

هل هن حقاً جاراتي اللواتي عشت معهن السنوات الثماني عشرة نفسهن، اللواتي تقاسمنا فيها كل تفاصيل حياتنا؟

قلت للحاضرات، بقوة واختصار شديد:

سورية بلدي كما هي بلدكن وولائي ومحبتي لها تفوق ولاءكن أنتن بناتها. سورية بخير وما حدث ويحدث غيمة سوداء سرعان ما تنجلي وتذهب بعيداً حاملة معها كل الشرور والأشرار.

وكان لكلماتي تأثير عليهن.. تأثير سلبي بالتأكيد، فقد نظرن إليّ بحقد ولؤم وغادرن المنزل الواحدة إثر الأخرى.

 

وكانت هذه الحادثة بداية لمعاناة مؤلمة وقاسية مع جيراني حيث اعتبروني حسب وجهة نظرهم “شبّيحة” وفاتني ذكر الجارة الثالثة التي كانت طوال فترة اجتماعنا ترمقني بنظرات محذّرة وحاولت مراراً أن تومئ لي أن اصمتي..

 

حيث عادت إليّ بعد فترة وجيزة، لتحذرني.. وقالت:

(فاديا بعرفك ذكيّة ولمّاحة، كيف تغلطي هيك غلطة وتحكي اللي حكيتيه)؟

سألتها:

ماذا تقصدين؟ لم أفهم.

أجابتني:

(أنا مثلك تماماً، واثقة وبأكد على كل كلمة قلتيها بس غلط كنتِ تحكي وتبيني لهن أنك موالية، لأننا ما عارفين الأمور لوين رايحة).

 

رددت عليها: يا عزيزتي الساكت عن الحق شيطان أخرس. ولم أعتد السكوت على الباطل وكل ما قيل باطل.

 

قالت:

تصطفلي أنا نصحتك، أنا من الصبح راح غادر بيتي لعند اهلي ما عدت أمّن أبقى هون. خايفة على زوجي واولادي).

يُذكر أن جارتي هذه كانت من غير طائفة جاراتي الأخريات، وكان من حقها أن تخاف بعد ما سمعت من مصطلحات طائفيّة مسمومة كانت قد بدأت تبثها وسائل الإعلام المضللة بأسماء عربية وغير عربية.

 

ومنذ ذلك اليوم قاطعتني جاراتي وكما يقال لا سلام ولا كلام.

 

بقينا على هذه الحال قرابة شهر.. قمت خلاله بحذف كل القنوات التي كانت تحرّض على بلدي سورية، أولها العربية والجزيرة، حيث بدأت تتأكد وتتكوّن قناعتي أن ما يحدث مدبّر وارتفع ثقتي بصحة نظرية المؤامرة التي تحدث عنها العديد من المحللين السياسيين.

 

بعد أيام، علت أصوات ضجيج وصراخ وهرج ومرج تصم الآذان، فسارعت الى فتح باب منزلي لأتأكد من طبيعة ما يحدث.. فإذا بي أمام منظر مفزع..

كان كل مَن في الجوار يحملون عصياً غليظة. ما يسمّى (شنتيانات) امام منزلي.. فسألت ماذا هناك؟

هرع اليّ أحد الشباب وقال: أين زوجك أجبت في عمله.. لماذا؟

قال ادخلي الى منزلك ولا تفتحي الباب لأي طارق.

سألته: لماذا؟

قال:

جاءت سيدة من بلدة مجاورة حافية ممزقة الثياب تصرخ وتبكي وتقول:

(يا أهل البلد انتبهوا وتسلّحوا بأي شي تقدروا عليه، فالطائفة “الفلانية” تهجم على المنازل وتذبح وتغتصب وتخطف سكان هذه المنازل).

 

كانت هذه الحادثة الملفّقة مبرراً لدخول ما عرف حينها باسم “الجيش الحر” الى البلدة.. كان ذلك في نهايات عام 2012.

 

ولكن كيف دخل ما يسمّى الجيش الحر، وكيف أصبحت بلدتي منطلقاً لدخول إرهابييه..؟

يتبع……

*لمناسبة يوم المرأة العالمي، ينشر موقع حرمون، سلسلة يوميات تكتبها الزميلة فاديا خالد، عن مجريات يومية ومشاهدات عيان لامرأة في الحرب. تحية لنساء بلادنا الصامدات ركناً ركيناً في دعم أسرهنّ، العاملات لانتصار الحق وهزيمة الإرهاب، الناشرات الضوء والدفء.

قد يهمك:

الحلقة السابقة من يوميات امرأة في حرب كونية(الطلقة الأولى) 1

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0