مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

عيد الرحيل

128

رشا علي

 

لم يخترق سمعي سوى كلمتين،

“لقد مات”

هذا ما وصلني من مجموعة أحرفٍ متلاصقة

وأصوات فوضى تعج بالبكاء، أسقطتُ كل ما لا يهم وأخذت زبدة الحديث.

وصلت إلى دماغي كشعلة نارٍ تنتقم من بهجة طفلٍ في أكثر أيامه تفضيلًا وانتظارًا.

كانت وقفة عيد الأضحى وكنا صغارًا لا نعرف غير اللّعب سبيلًا في إضاعة الوقت..

جاءنا الخبر صباحًا على عجلٍ.

أمي سقطت أرضًا وغرق المكان بالنحيب،

ووحدي غصتُ في بحرٍ من الذكريات..

جدي لا يموت

هكذا كنت أعتقد، جدي قويٌ والموت للضعفاء، أيضعف جدي بعد كل هذا النضال؟

لملمنا فرحنا المؤجل بالعيد، ملابسنا الجديدة النائمة بسلامٍ إلى جانبنا، حلوى العيد المرصوفة في علبٍ مزينة وارتدينا الحداد.

أبي انشغل بأوراق سفره وأمي، وأخي الأكبر أخذَ على عاتقه مهمة تولي أمرنا والاعتناء بنا..

لم أكن صغيرةً كثيرًا غير أنّي تمنيت ذلك إذ إنّني رحت أتساءل: لمن سأرسل الرّسائل بعد اليوم؟

ولمَنْ سأقرأ الشعر وما أكتب؟

مَنْ سيصغي إليّ ويشد على يديّ الصغيرتين قائلًا: “هذه أحبّهنّ إلى قلبي!”

و”هذه حصتي”؟

كيف لك أن تتركني يا جدّي قبل أن تزفني عروسًا للعلم مثلما كنت تخبرني!

لم أبكِ يومها أبدًا حتّى أنّني صرت أشكُ في حبي له، آلمني ذلك كثيرًا.

كنت أعرف أنّه يراني وأخشى أن يشك هو أيضًا بحبي الكبير له.

كانت أولى تجاربي بالفقد، الفقد الذي تتابع إلى اليوم سواء أكان موتًا أو فراقًا أو سفرًا.

بعد يومين بكيت.

بكيت كثيرًا من دون توقف، وكأن الحقيقة كانت مختبئة تصارعني بجبروتها وأصارعها بطفولتي.

لم أخلع من يومها حزني ولم أتخلّص من معطف جدي المعطر برائحة الدفء والحنين.

كبرتُ وعرفتُ أنّ جدي صار أقوى وأنّه غيمةٌ في صحراء عمري كلّما احتجته أمطر.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0