مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

سيدة تخسر أطفالها بالقصف وتنجب طفلاً بلا نسب

حرمون - حسانة سقباني

بدأت تستذكر نهى (29 عاماً) حياتها على ما كانت عليه قبل سنوات عدة من الآن، لم تمض دقائق عدة على بداية حديثها حتى أخفضت رأسها نحو الارض واضعة يدها على أذنها وبدأت بالصراخ بطريقة هيستيرية. تجمّدت بعدها لثوانٍ ثم عادت لطبيعتها. لم يستغرب مَن حولها ما حدث واكتفى الاطفال الموجودون بالنظر اليها ريثما هدأت. عمّ الهدوء لأجزاء من الثانية، لتستدرك شقيقتها التي تجلس بجانبها الموقف عن سبب ما حدث بالقول: (من كتر ما مر علينا مصايب غير أصوات الانفجارات والقصف وصراخ النساء وبكاء الأطفال لي سمعناها بالحرب). أما نهى بدأت تروي الحادثة التي حصلت حينما كانا يقطنان في مدينة دير الزور شرقي البلاد وعلى أثرها أصبحت تصيبها النوبات العصبية عندما تسمع صوتاً مرتفعاً أو يحدث شيء يذكرها بما حصل من كوارث.
كنا نعيش حينها في بناء لوالد زوجي. وهذا البناء مؤلف من أربعة طوابق؛ في كل طابق توجد شقتان وفي كل شقة يسكن أخ من اخوة زوجي مع عائلته. لم اكن اعرف ان ذلك اليوم هو اليوم الأخير الذي أرى أطفالي فيه؛ تركت إحدى قريباتي مع أطفالي وخرجت من المنزل لإحضار الحاجيات من السوق ولم يكن لديّ علم بأي شيء، عندها اتصل بي زوجي يُخبرني بضرورة إخلاء البناء لأنه سيتم القصف في منطقتنا هذه المرة كما علم من المخبرين الكثر الذين كانوا ينشرون الأخبار هنا وهناك. في تلك اللحظة لا اعلم ماذا حصل لي فلم أعد أرى بشكل طبيعي، ولكن كل ما كان في ذهني هو أطفالي. سارعت بكل قوتي إلى البناء لإخراجهم. ولكن عندما وصلت كان البناء قد دمّر بشكل كامل. كل الرجال كانوا خارج المنزل لم يكن أحد منهم داخله، لم يكن هناك سوى النساء والأطفال. إحدى النساء وصلت قبلي وكانت حامل لم تستطع إنقاذ أطفالها ولا حتى النجاة بنفسها. لم يكن من القدر سوى أن أهداها الموت الى جوار اطفالها.
تكمل: لا اذكر حينها سوى اني فقدت الوعي، اصوات الصراخ تحفر في ذاكرتي، زوجي لم يكن في البناء ولكنني عندما استيقظت لم أعد أجد له أثراً حتى في الأشلاء التي ظهرت بعد ذلك. منذ ذلك الوقت وأنا أتناول المهدئات بشكل مستمر لكي أستطيع النوم.
كان “داعش” هو مَن يسيطر على دير الزور في تلك الفترة، وكان الجميع مجبراً على إرسال أولاده ليتلقى الدروس الجهادية؛ حتى كان علينا أن نرتدي الثياب الشرعية وتنفيذ التعاليم التي يتم فرضها علينا؛ ما أن ذهبت صدمة ما حدث وجدت نفسي في ضياع، تكمل: في أحد الأيام كنت في طريق العودة الى منزل استوقفتني سيدة تتبع للتنظيم بحجة مخالفة التعاليم ووضعوني بمكان يشبه المعتقل مع مجموعة من النساء عرفت فيما بعد أن الغاية هي تزويجنا للمقاتلين الأجانب. كان يشرف على هذه الغرفة عناصر من داعش يتناوبون على حراستها.
بعد مدة زمنية قصيرة، وافقت هدى على الزواج من أحدهم كان تونسي الجنسية، لتخلّص نفسها من غرفة الاعتقال، تُكمل: تزوّجنا وفق عقد دوّن فيه لقبه (الزوج) دونّ ذكر الاسم الصريح له، كنت أعرفه “أبو عبد الرحمن المصري” لم أكن أراه إلا قليلاً أنجبت منه طفلي هذا، ولكنه قتل في غارة جوية على البلدة. وبقي طفلي مجهول النسب إلى الآن دون أوراق رسمية، استطعت الهرب من دير الزور الى دمشق، المجتمع لا يرحم هناك. فبعد رحيل داعش، صرت وكذلك ولدي نتلقّى انتقادات قاسية. أقاربي كذلك شاركوا في الأمر. وهم بحسب ما يبدو، لم يكونوا يجرؤون على الانتقاد عندما كان التنظيم حاكماً. وأصبح يشار إلى طفلَي على أنّه ابن الداعشي. هو صغير الآن في السنّ ولا يدري معنى ذلك، لكنّني لا أعلم ماذا أقول له عندما يكبر ويسأل عن والده ولماذا يُنعت بأنه من الدواعش.

181

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0