مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

لعنة الثقة..

243

د. قصي الحسين*

منذ أنزل وزير الأتصالات السابق محمد شقير اللبنانيين إلى الشارع، بسبب القرار الأرعن، بزيادة الرسم على “الواتسب”، في 17 تشرين الأول، رفضا له وللحكومة، لم يفهم الحاكم أن الناس أصبحوا في واد وهو في واد آخر.
لم تنفع العودة عن القرار. ولم تنفع عروض رئيس الحكومة يومها، سعد الحريري. ولم تنفع الوساطات مع الناشطين في الحراك الإستقلالي التشريني الجديد. ولم تنفع أيضا الإتهامات بالعمالة للخارج، ولا الإغارات الليلية ولا حرق الخيم.
لم تنفع قرابين الشهداء، ولا إضرام النار في الأثواب، ولا نزول المتظاهرين والمتظاهرات، ولا إغلاق المدارس والجامعات.
كانت الرعونة، أعظم من الحماقات. وكانت الحماقات، أعظم من المواجهات: شارعا بشارع، وطائفة بطائفة، وحزبا بحزب، وزعيما بزعيم. حتى أن الحاكم لم يتورع عن تجنيد المرتزقة والبلطجية،للإغارة على النساء والطلاب والأطفال.
ولم يتورع عن إستدعاء القيادات المحيطة به، لتأنيبها في التقصير. فكان يعقد لهم دواوين التأديب، ومجالس التأديب، وأجتماعات التأديب، ليمعنوا في الضرب بيد من حديد. ويوجه لهم أقسى تهديد، فيوجهوا الخراطيم والمدافع المائية، حتى على وجوه الأطفال. ويرموا القنابل الدخانية على النساء قبل الرجال، و يصوبوا بنادقهم ليفقؤوا العيون التي تحرس لبنان.
إستهتر الحاكم بكرامة الشعب، فنزل الشعب كله إلى الحاكم كله: زبانية ومحازبين ولصوصا ومقامرين ومغامرين، وتجار أوطان، وتجار مزادات في سوق الخردة.
نزل الشعب كله، فتراجع الحاكم إلى شعابه. تلطى هناك وراء الأسوار ووراء الأسلاك ووراء الأسيجة المكهربة، ووراء الفرق المدربة.
نزل الشعب كله، إلى الحاكم كله: بأسلحته وبسلطته وبسلاطته وبسلطانه. ببطانته ورطانته وإعوجاج لسانه، وإنحدار خلقه، ودسائسه ومخاتلاته ودهمائه.
ولم يرهب الشعب.ظل الشعب يهتف لا. ظل الشعب يرقص في الساحات وفي الشوارع الأيام والأسابيع والأشهر، وربما يمر الحول بعد الحول، إذا ما أحس بهذا الهول.
شعب يريد خبزا وحرية. شعب لا تثنيه المعسكرات ولا التحالفات ولا الأجهزة ولا الأكمات. ولا تنفع معه الرشاوى ولا الكمامات.
شعب سئم من حاكمه، أحكام الإعدام، وأحكام التجويع والإفقار وسياسات التخاذل والإرتهان.
شعب توحد في الساحات، بلا أعلام غير علم لبنان. وبلا إعلام لغير حدود لبنان. وبلا تفريق بين إبن ست وإبن جارية.
شعب صمم أن يقاوم عدوه على الحدود، وأن يقاوم أيضا عدوه في الداخل، في الدفاتر والقيود والبنود.
وربما إتجه الحاكم لإخلاء العاصمة الإدارية كلها، لا وسطها ولا الشوارع المحيطة به. كما فعلها. وربما هتف له هاتف، أن يغلق السكك والطرق والمنافذ كلها المطلة على بيروت، لإختطاف سرايا الشعب وإختطاف برلمان الشعب وإختطاف قصر الشعب، لإجل إختطاف ثقة من هنا، مثلما إختطف رئاسة من هناك. ربما حجر على سكان الضواحي كلها، وعلى سكان الأقضية كلها وعلى سكان المحافظات كلها، وعلى الشعب اللبناني كله.
وربما عين عليه وصيا صغيرا. ربما فعل ذلك وأكثر. وربما يفعل ذلك وأكثر.
ولكن الشعب سوف يبقى له بالمرصاد. يطالب بماله وبحريته وبسلطته، ولا يهن ولا تخور له عزيمة. وسيظل يردد في وجهه: كفى كفى. بلغ السيل الزبى.
وإذا ما (سيقت) المجهولة إلى المجهول، وأختطفت إلى ماوراء أكمة القليعات لإغتصابها عنوة عن أهلها، أو أكمة الرياق، أو أي أكمة في الجمهور أو الفياضية أو في بعبدا أو في بعبدات، على جاري العادات، فلسوف يتابعها الشعب ويعيدها من حيث أتت، ويرفض السياسات المستحدثة له في المكبات.
فبعد لعنة الحكومة، سوف يظل الشعب على صموده، بعد أن تعلم من تجاربه مع الحاكم الصوري، والوصي الخفي، يرفض بالمماثل لعنة الثقة بها، مهما صال العهد. ومهما طال وطال العهد .

* أستاذ في الجامعة اللبنانية.

حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0