مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

صلاح الدباغ… الوحدوية سلوكاً

29

معن بشور

الكثير ممن شارك في وداع رئيس المنتدى القومي العربي الدكتور صلاح الدين دباغ ومراسم العزاء، استغرب هذا الكم الكبير والنوع المتميز من الحضور اللبناني والفلسطيني والعربي، الرسمي بكل مواقعه، والشعبي بكل تياراته، متساءلاً عن أسبابه…
عارفو الدكتور دباغ وجذوره العائلية الممتدة من يافا إلى بيروت، من والده المؤرخ الكبير الدكتور مصطفى الدباغ، وأخواله الشهيدين محمد ومحمود المحمصاني والوزير والنائب السابق الراحل العلامة صبحي المحمصاني والقاضي المرحوم منير محمصاني الى زوجته الفاضلة سلمى سليمان نجار يدركون أن الراحل الكبير جسد منذ الولادة حتى الزواج ذلك النسيج الفلسطيني – اللبناني المتين الذي لم تزعزعه أنقسامات السياسة وتجاوزات السياسيين وعصبيات اللحظات المدمرة… فجاء هذا التشييع وفاء لهذا التجسيد الخلاّق الذي لا حياة للبنان ولا رسالة له بدونه،كما لا حياة للبنان بدون أنتمائه العربي و الحضاري الممتد من المحيط الى الخليج.
وعارفو الفقيد الراحل وجذوره الفكرية والسياسية الممتدة بين حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية والمؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي/ الاسلامي والمنتدى العربي الدولي من أجل العدالة لفلسطين والعديد من الهيئات والمؤسسات الفلسطينية واللبنانية والعربية، الحقوقية والوطنية والأجتماعية، يدركون مدى أتساع المروحة الأنسانية لهذا الرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره وهو يصر على أن يبقى على رأس عمله ملتزماً بقول كان يردده دوماً… “لن أموت إلا في مكتبي”…
والذين يعرفون الدكتور صلاح الدباغ محامياً بارعاً، وقانونياً مميزاً، وأستاذاً جامعياً متألقاً، وباحثاً في قضايا القانون وكل ما يتصل بالعدالة سواء لشعبه او للانسان بشكل عام ، يدركون أن العديد من تلامذته قد حرصوا على تأدية فعل وفاء لرجل بقي وفيّاً لقناعاته حتى الرمق الأخير…
أما التنوع الفكري والسياسي والأجتماعي والديني في كتلة المعزين في رحيل الدباغ فمرده بالدرجة الأولى إلى طبيعة شخصيته الجامعة التي لم تتخل يوماً عن ثوابتها الوطنية والقومية في زمن كثر فيها “المتخلون” من أصحاب المنافع والمصالح، ولم تتخل في الوقت نفسه عن القدرة على إعلاء لغة الحوار في كل علاقة له مع أخرين يختلف معهم في الفكر والرأي والموقف… فحاز على أحترام الجميع الذين قد يختلفون معه في موقف أو رأي لكنه لا يختلفون عليه كنموذج متقدم من السلوك الأخلاقي والمستوى العلمي والالتزام الوطني والقومي.
في فلسطينيته كان صلاح الدباغ لبنانياً وعربياً، وفي لبنانيته كان فلسطينياً وعروبياً، وفي عروبته كان فلسطينياً ولبنانياً، فجسد بحياته وأدائه وعطائه الفهم الصحيح للعروبة كهوية ثقافية جامعة، لا يلغي فيها الكل خصوصية أي جزء منها، كما لا يلغي الجزء، مهما كان عزيزاً، تكامله مع الأجزاء الأخرى…
لهذا كان صلاح الدباغ يعيش في سنواته الأخيرة عذاباً فكرياً ونفسياً شديداً حين كان شعارات من نوع فلسطين أولاً ، لبنان أولاً، الاردن أولاً،الخ ترفع لتمزيق الأنتماء القومي الجامع لأقطار الأمة الواحدة بهدف اضعاف شأن أي قطر بحجة التعصب له، لأنه كان يدرك أن عزة الأقطار جزء من عزة الأمة، وأن أمن الأقطار جزء من أمن الأمة ، وأن تنمية الأقطار لا تتحقق بدون تنمية على مستوى الأمة…
فأمثال صلاح الدباغ، وزميله في المؤتمر القومي العربي الكاتب الكبير الدكتور عوني فرسخ الذي توفي في دبي في اليوم نفسه، ليسا مجرد شخصيات كبيرة تخسرها أقطارهم والأمة، بل هما مشاعل نهتدي بها في مسيرة طويلة لنهوض الأمة واستعادة دورها وأمجادها…
رحم الله صلاح الدباغ الذي كان في كل حياته جسراً بين أبناء شعبه وأمته، رافضاً أن يصبح متراساً في حروب المصالح الصغيرة والعصبيات المريرة التي لا تنتهي في بلادنا كتنفيذ واع ،اوغير واع، لمخططات أعداء أمتنا…

حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0