مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

بوتين بين دمشق وانقرة تسويات وتفكيك الغام

21

‏تعد التطورات السورية بشقيها السياسي والعسكري، مثار بحث وجدال بين مُختلف القوى الفاعلة والمؤثرة في الشأن السوري، حيث أن الملف السوري بات مُنتهياً عسكرياً، لكن مع بقاء تجاذبات سياسية يُراد منها تهيئة تسوية إقليمية، فأبعاد الحدث السوري أرخت بظلال تأثيراتها، على مُجمل القضايا الإقليمية، ولا نُبالغ إن قلنا الدولية. خاصة أنه خلال الحرب على سوريا، برزت العديد من حالات الكباش السياسي والعسكري إقليمياً، ذلك في إطار تداعيات الحرب على سوريا، وما أسسته هذه الحرب لمعادلات واصطفافات تُهيئ بمُجملها مشهد الشرق الأوسط الجديد. فالمتابع للتطورات السورية والإقليمية، بات يُدرك بأن طبيعة المرحلة الراهنة لم تعد تتناول مصير الحرب على سوريا، بل بما بعد هذه الحرب، وماهي المعادلات الإقليمية التي رُسخت خلالها، فالدولة السورية وصانع القرار السياسي في سوريا، تمكنوا من إدارة مفردات هذه الحرب، وتطويع نتائجها بما يُناسب كل مرحلة من فصولها، الأمر الذي يشي بقرب إغلاق المشاهد العسكرية، وافتتاح الأبواب السياسية، لكن أيضاً وفق توقيت دمشق.الانتصار السوري بات أمر واقع، هذا ما تؤكده كافة المعطيات والوقائع السياسية والعسكرية، إذ لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق، إلا تحصيل حاصل لمفردات الانتصار، ولعل هذه الزيارة قد تجاوزت بُعد الانتصار العسكري، لتصل إلى تنسيق سوري روسي جيواستراتيجي، يطال جُلّ الملفات الإقليمية والدولية، فالمنتصر له الصدارة في كافة قضايا المنطقة، وما يؤكد هذا الأمر، أن زيارة بوتين جاءت في توقيت عاصف تمر به المنطقة، عُقب اغتيال قاسم سليماني ورفاقه، الامر الذي لابد من تنسيقه وتوحيد الرؤى بشأنه، خاصة أن المنطقة باتت على صفيح ساخن. من هنا فإن دمشق باتت حلقة إقليمية فاعلة ومؤثرة في سياق الحلول الشرق أوسطية.في إطار أخر، فإن هذه الزيارة بدت وكأنها بوابة لإفتتاح اخر ملفات الحرب على سوريا، خاصة أن ملفي إدلب وشرق الفرات باتا منتهيين عسكرياً، في انتظار الترتيبات السياسية، ما يُفسر انتقال بوتين من دمشق إلى أنقرة ولقاءه أردوغان. وبصرف النظر عن تدشين مشروع السيل التركي، إلا أن هذه الزيارة وما رشح من تفاصيل لها، تؤكد بأن إدلب قد حُسم أمرها، فإعلان وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد الرابعة، يأتي كخطوة سياسية أخيرة تُجاه أردوغان، وهي بالمعنى العسكري بمثابة الإنذار الأخير، فإما تنفيذ التعهدات حيال الأدوات الإرهابية، وإما فالعمل العسكري مُستمر حتى التحرير، لكن هذه المرة فإن تفاصيل العمل العسكري قد لا ترق لأردوغان، خاصة أن بعض المعلومات تقاطعت ضمن هدف واحد، يؤكد بأن الأيام لن تطول حتى تعود إدلب سلماً أو حرباً، فالسلم هو بمثابة جائزة ترضية لأردوغان، أما الحرب فستكون نتائجها وبالاً على تركيا وداخلها، الأمر الذي يُهدد أردوغان ومستقبله السياسي.في هذا الإطار، يبدو واضحاً أن التوجهات التركية وصانع القرار السياسي في أنقرة، قد أدرك بأن الانتصار السوري بات واقعياً بالمعاني كافة، ولحفظ ماء وجه أردوغان، يتم ترحيل الارهابيين إلى ليبيا موتهم الأخير، وعليه، فالمعطيات واضحة، أردوغان في ربع الساعة الأخير، فإما تنفيذ ما تعهد به بأي طريقة كانت، وإما الجيش السوري سيكون لهم بالمرصاد، وبين هذا وذاك، فإن أردوغان قد استنفذ فرصه السياسية ومناوراته العسكرية، خاصة أن روسيا قد أعلنت صراحة أن بؤرة الإرهاب في إدلب لابد أن تنتهي، كما أن الدولة السورية أعلنت مراراً بأن السيادة السورية على أراضيها خط أحمر، وبالتالي فإن تحرير إدلب بات قريباً، مع الأخذ بعين الاعتبار التقاطعات الاقليمية ومثلها الدولية الرامية إلى إحداث تأخير في مسار تحرير إدلب ومسار الحل السياسي.في النتيجة، يمكننا القول بأن زيارة بوتين إلى دمشق، تحمل أبعاد استراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي، فالمشاهد الشرق أوسيطة تتقاطع بمُجملها مع الشأن السوري، وعلى اعتبار أن دمشق كانت ولازالت بوابة التسويات الإقليمية، فإنها أيضاً ستكون بوابة الشرق الأوسط الجديد، فتداعيات الانتصار السوري، ونتائجه السياسية والعسكرية، قد رسمت مشاهد ستكون بلا ريب عنوان المرحلة القادمة، سواء أكانت تسويات لملفات كُبرى، أم حرب محاور.

حرمون

التعليقات مغلقة.

مجلة حرمون العدد0